د. ياسر معروف: الفوز برضوان الله.. له ضوابط
د. محمد طه: حياة الأنبياء والصالحين.. نماذج نقتديها
أدار الندوة : جمال سالم
متابعة: محمد الساعاتي
أكد العلماء في الندوة التي نظمتها عقيدتي بالتعاون مع وزارة الأوقاف برعاية د. أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، بمسجد حسين صدقي- بالمعادي– القاهرة، تحت عنوان” حُسْن الظَّنِّ بالله تعالى” أنه يجب شرعا على المسلم الحق أن يحسن الظن بربه في السراء والضراء..
أوضحوا أن حياة الأنبياء والصالحين مليئة بنماذج حية لحسن الظن بالله والثقة فيها، فعلينا الاستفادة منها في حياتنا الدنيا حتى نفوز بالآخرة.
وحذروا من التواكل وعدم الأخذ بالأسباب والزعم بأن هذا حسن ظن بالله، حضر الندوة الشيخ طه عبداللطيف، الشيخ إسلام الأزهري.
أكد الزميل جمال سالم، مدير تحرير عقيدتي، أن حُسْن الظَّنِّ بالله عبادة جليلة من عبادات القلوب، بها يستجلب العبد مصالحَ الدين والدنيا، وبها يُصلِح الإنسان عاجله وآجله؛ قال بعض السلف: “لا تذهب الدنيا حتى يقوم البكَّاؤون؛ فباكٍ يبكي على دينه، وباكٍ يبكي على دنياه، وأحسنهم حالًا أحسنهم ظنًّا بالله”، ولا نرى واقعًا أوضح من هذه الكلمات كواقعنا اليوم؛ فقد اجتمع في واقعنا بكاء الدين، وبكاء الدنيا؛ فلا ترى أحدًا إلا وهو واحد من هذين الاثنين؛ فإما باكٍ على أحوال الأمة وما تمر به من استضعاف، وإما باكٍ على دنياه؛ لقلة الأمطار، وثقل وصعوبة المعيشة.
نماذج مضيئة
أكد د. محمد طه خليل، عضو المكتب الفني لمساعد الوزير لشئون الامتحانات، أن من تأمل سير الأنبياء فكلها حسن ظن بالله، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
-إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار، قال كلمةً تجسَّد من خلالها حُسْنُ الظَّنِّ بربه، وقوة توكله عليه، وأنه قطع الأسباب كلها إلا حبل الله، وأغلق الأبواب جميعها إلا باب الله؛ إنها: (حسبي الله ونعم الوكيل)، فماذا كان نتيجة حسن ظنه بربه؟ يأتي الأمر السريع، من رب سميع:” قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ”.
– هاجر عليها السلام تضرب المثل في الثقة، وحُسْن الظَّنِّ بالله؛ وذلك لما أوحى الله لإبراهيم أن يهاجر بها ورضعيهما إسماعيل ليُسكنهما مكةَ، فنفذ الأمر ووضعهما هناك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيم منطلقًا، فتبِعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، (قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا)، فماذا كان نتيجة حسن ظنها بربها؟ نبعت من تحت قدمي رضيعها ماء زمزم، وبُنِيَ عندهم البيت الحرام، وجعله الله محلًّا تشتاق إليه القلوب؛ كما قال تعالى:” أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”.
-يعقوب عليه السلام عندما فَقَدَ أحبَّ أولاده إليه -يوسف وأخاه- فلم ييأس، ولم يقنط من رحمة الله:” يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ” فماذا كان نتيجة حسن ظنه بربه؟ رجع إليه يوسف عليه السلام وهو عزيز مصر؛ فقال تعالى:” وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ”.
– موسى عليه السلام يخرج بقومه ليلًا فيلحقه فرعون ويدركه عند البحر، وفي الساعة الحرجة والموقف الصعيب يسأله قومه عن المخرج من هذه المحنة، فيجيبهم وهو ساكن القلب رابطَ الجَأْشِ، ويصوِّر الله المشهد؛ بقوله:” فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ” فماذا كان نتيجة حسن ظنه بربه؟ قال تعالى:” فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ”.
– نبيا محمد صلى الله عليه وسلم يأتيه أمْرُ الله بالهجرة إلى المدينة، فيصطحب معه أبا بكر رضي الله عنه، فتوجَّها نحو غار ثور ليُقيما فيه أيامًا، فتخرج قريش بغيظها باحثةً عنه في كل مكان، وتوقَّعت أن يتخذ من الغار ملجأً، فتوجهت صوبه ووقفوا على باب هذا الغار في لحظة تتقطع لها الأنفاس، وتنفرط لها العقول، وتتجمد منها الدماء؛ ويصور الله ذلك بقوله:” إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”.
أوضح أن حسن الظن والثقة بالله سار عليها أصحاب النبي وتربَّوا وتخلَّقوا بها؛ فكانوا يقينًا يفيض، وثقةً تنبع؛ ففي معركة الأحزاب لما سمعوا بتحزُّب القوم عليهم، وتكالبهم وما قاموا به من حصار على المدينة صوَّر الله حالهم قائلًا:” الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ” وقولهم:” وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا”، وكذلك الثلاثة الذين تخلَّفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، غفر لهم لما أحسنوا الظن بربهم؛ فقال تعالى:” وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”، وتأمل قوله تعالى: “وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ” فلما أحسنوا الظن بالله رزقهم الله إياه، وكان من دعاء بعضهم كما قال سعيد بن جبير رحمه الله:” اللهم إني أسألك صِدْقَ التوكل عليك، وحُسْن الظَّنِّ بك”، ونتعلم من هذه السير والمواقف أنه لابد من بذل الأسباب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:” لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله، لَرَزَقَكُم كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا، وتروح بِطانًا”، وان الثقة في الله تزداد عند الأزمات والشدائد والكُرُبات، ويعلم أن له ربًّا رحيمًا بعباده، لطيفًا بحالهم، يجيب دعوة المضطرين، ويفرج همًّا، ويزيل بأسًا، وينفِّس كربًا، ويُيَسِّر عسرًا، ويدفع خَطْبًا، ويكبِت عدوًّا، ويدفع ظلمًا، ويفكُّ أَسْرًا، ويشفي سُقْمًا، بل إنه عند رؤية ما يصيب المسلمين من الذل والهوان والاستضعاف، ومن تسلط الأعداء عليهم: يجب حسن الظن بالله الذي بيده مقادير كل شئ، فقال تعالى:” وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ” وقال:” وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”، وأما من ظنَّ أن الله لن ينصُرَ أولياءه والمؤمنين، فهو مسيء الظن بالله؛ فقال تعالى:” مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ”.
وأنهى د. محمد طه كلامه مؤكدا أنه يجب حسن الظن بالله حتى عند سكرات الموت؛ بل هو أشدها وجوبًا وأعظمها أهمية، قال النبي:” لا يَمُوتَنَّ أحدكم إلا وهو يُحسِن الظَّنَّ بالله عز وجل”؛ أي: يحسن ظنه بمن هو وافد عليه، وقادم إليه، يثق أنه سيقدم على من سبقت رحمته غضبه، سَيَفِدُ على البَرِّ الرحيم، والعفوِّ الكريم، وقال بعض العلماء:” يغلب جانب الخوف في حال الصحة، ويغلب جانب الرجاء عند الموت؛ لأنه في حال الصحة يحتاج إلى ردع وزجر، ويغلب جانب الخوف حتى يصل إلى مأمن”. عن أنس رضي الله عنه، قال:” دخل النبي صلى الله عليه وسلم على شاب، وهو في الموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله، إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي، فقال صلى الله عليه وسلم: لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمَنَهُ مما يخاف”.

ضوابط شرعية
أكد د. ياسر معروف، مدير أوقاف المعادي، أن الحديث عن حُسْن الظَّنِّ بالله هذا مقامه، وزمانه، وخاصة أنه قد وقع الشك والريبة في قلوب كثير من الناس الذين يخشون على أرزاقهم، ويقلقون على مستقبلهم، كيف سيعيشون وينفقون على عيالهم؟ نقول لهؤلاء: ينبغي أن تُحْسِنَ ظنَّك بالله، مهما تكالبت عليك هموم الدنيا؛ فإن لك ربًّا رحيمًا، فلا تقلق، فقال تعالى:” فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ”. إن الله يعامل العبد بمقتضى ظنِّه به، فكما تظنُّ بالله ستجد ذلك، ومعنى حُسْن الظَّنِّ بالله: الثقة في الله، وحسن التوكل عليه، والرضا بأقداره، والتسليم لتدابيره، والاطمئنان لأفعاله، والسكون لأحكامه؛ ولخَّصه بعض السلف الصالح فقال:” توقُّع الجميل من الله تعالى”؛ وذلك بأن يظن المؤمن المغفرة له إذا استغفر، والقبول إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب الكفاية، بل إن حُسْن الظَّنِّ بالله من صميم التوحيد، وأهم واجباته، وهو من عبادة الله؛ فقال النبي:” إن حُسْنَ الظَّنِّ بالله تعالى من حسن العبادة”. فمن أحْسَنَ ظنَّه بالله، كان الله له كما ظن، والعكس بالعكس، والنبي قال:” يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم، وإن تقرب إليَّ بشبر تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولةً”. ويقول:” قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، فلْيَظُنَّ بي ما شاء”، وفي رواية:” قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي؛ إنْ ظَنَّ بي خيرًا فله، وإن ظَنَّ شرًّا فله”. والمعنى: أعامله على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو ش، وفي رواية لمسلم:” أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني” وهذا يؤكد أهمية الدعاء، ولهذا جاء في رواية:” فإنَّ قومًا قد أرْدَاهُم سُوءُ ظنِّهم بالله عز وجل؛ فقال الله:” وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ”.
وأشار د. معروف إلى أن هذه الآيات والأحاديث القدسية والنبوية تحُثُّ المسلم على حُسْن الظَّنِّ بالله، والإكثار من ذكره، وبيان قرب الله من عبده إذا تقرب إليه العبد بأنواع الطاعات، فهو من أفضل عطايا الرب لعبده؛ كما قال ابن مسعود رضي الله عنه:” والذي لا إله غيره، ما أُعطِيَ عبدٌ مؤمنٌ شيئًا خيرًا من حُسْن الظَّنِّ بالله عز وجل، والذي لا إله غيره لا يُحْسِنُ عبدٌ بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنه؛ ذلك بأن الخير في يده”، ورأى عمارُ بنُ يوسف حسنَ بن صالحٍ في منامه، فقال له:” قد كنت متمنِّيًا للقائك، فماذا عندك فتخبرنا به؟ فقال: أبشِرْ، فلم أرَ مثل حُسْن الظَّنِّ بالله شيئًا”، قال سهل القطعي رحمه الله:”رأيت مالك بن دينار رحمه الله في منامي، فقلت: يا أبا يحيى، ليت شعري، ماذا قدِمتَ به على الله؟ قال: قدمت بذنوب كثيرة، فمحاها عني حُسْن الظَّنِّ بالله”، ولهذا فإن حُسْن الظَّنِّ بالله ينبغي أن يُصاحِبَ العبدَ كلَّ حياته وفي كافة شئونه، لا يفارقه لحظةً واحدةً، ولنا في نبينا أسوة حسنة؛ وهو القائل:” يا حيُّ يا قيُّومُ، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تَكِلْني إلى نفسي طَرفَةَ عينٍ”، فإذا كان هذا تعلقه بالله وحسن ظنه، فنحن أولى وآكدُ.
وأوضح أن هناك أوقاتًا وأحوالًا يحسُن بالعبد أن يحُسِنَ الظَّنَّ فيها بربه جل جلاله، وأهمها:
– عند دعاء الله، وسؤاله إياه، قال النبي:” ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة”، فإذا دعاه وسأله، فَلْيُحْسِنْ ظنَّه بأنه موقن أنه قادر على تحقيق ما سأل، مجيب لما دعاه وأمَّل، يسمع مناجاته، ويدرك خواطره، ولو لم يفصح عنه لسانه أو يُبين به قلمه، يجيب دعوة من طلبه، ويحقق أمنية من رجاه، ويُلبي سُؤلَ مَن أمَّل فيه؛ لذا كُنْ موقنًا بإجابته، واحذر كل الحذر مِنْ تَرْكِ الدعاء واستعجال الإجابة، فإنها قد تتأخر لحكمة يعلمها الله؛ قال رسول الله:” يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَلْ؛ يقول: قد دعوت ربي، فلم يستجِبْ لي”.
– عند فعل الواجبات والطاعات، وأداء القربات، فيُحسن العبد الظن بربه بأنه سيقبلها منه مع صغرها ولن يضيعها، وسيُثيبه عليها من فضله الواسع؛ فقال تعالى:” مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا” وقال:” مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ”.
– عند الصدقات والإنفاق في سبيل الله، فمن حُسْنِ ظنِّك بالله أن تبذُل وتقدِّم في وجوه الخير؛ ثقةً بما عند الله، وأنه سيخلُف لك النفقة، وأنه سيبارك لك فيما أبقى؛ فقال تعالى:” وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ”، وأما سوء الظن بالله، فإنه يدعو إلى الشح والبخل، فقال تعالى:” الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ”.
– عند التوبة فيُحسن العبد ظنه بربِّه متى تاب وصدق في توبته، وأنه سيتوب عليه مهما كانت غَدَرَاتُه وفَجَرَاته، وإذا استغفره فسيغفر له على ما كان منه، ولو كانت ذنوبه مثل زَبَدِ البحر، أو بلغت عَنان السماء، أو عدد رمال الصحراء، قال النبي:” قال الله تعالى: يا ابنَ آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنان السماء، ثم استغفرتني، غفرتُ لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لَقِيتَني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتُك بقرابها مغفرةً”.
– عند التوكل عليه في طلب الرزق بأن تُحسِنَ الظَّنَّ بالله في رزقك، وأنت تطلب الرزق تُحسِنَ الظَّنَّ بالله أنه سيرزقك، ويسوق رزقك إليك، وأنه سبحانه لن يُضيِّعك، فإن الله لا يضيع من يتوكل عليه:” وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.
– عند ضيق الأرزاق، وكَدَرِ العيش، يحسن العبد ظنه بالله رازقه ومولاه؛ قال النبي:” من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقتُه، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل، أو آجل”.
وأنهى د. معروف كلامه مؤكدا أنه إذا كان حُسْن الظَّنِّ بالله تترتب عليه فوائد وثمرات عظيمة في الدنيا والآخرة؛ فإن الخسران مصير من يسيئون الظن بالله القائل:” وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ”، ووصف سبحانه المنافقين بقوله:” يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ”.































