لم تكن الإجراءات الأخيرة التي شهدها الحرم الإبراهيمي الشريف من إضاءته بنجمة داود، ورفع الأعلام الإسرائيلية على سطحه وجدرانه مجرد واقعة عابرة يمكن تجاوزها، بل تمثّل مؤشّرًا خطيرًا على مسار متصاعد من الانتهاكاتِ التي تستهدف المقدّسات الدينية، والسعى إلى تغيير هُويتها وطمْس معالمها، واعتداء صارخ على قدسية هذا المَعْلَم الإسلامي، واستفزاز لمشاعر ملايين المسلمين حول العالم.
إن الحرم الإبراهيمي ليس مجرد بناء عادي، بل هو رمز ديني وتاريخي له مكانته الراسخة في وجدان الأمّة الإسلامية، وهو وقْف إسلامي خالص لا يجوز المساس به أو تغيير طابعه بأي صورة من الصور، ومن ثمَّ فإن كل ما يُتّخذ من إجراءات داخل هذا الحرم أو في محيطه تحت سُلطة الاحتلال يظل فاقدًا لأي سند قانوني أو شرعي.
وهنا تبرز خطورة ما يُعرف بسياسة “التقسيم الزماني والمكاني”، التي تمثّل محاولة لفرض واقع جديد بقوة الأمر الواقع، وهي سياسة مرفوضة جملةً وتفصيلًا وأول من رفضتها مصر، لما تنطوي عليه من انتقاص لحُرية العبادة، واعتداء على الحقوق التاريخية والدينية الثابتة.
إن مثل هذه الإجراءات لا تفْضي إلا إلى مزيد من التوتّر والصراعات، وتقوّض فرص الاستقرار، وتفتح أبوابًا لا تُحمد عقباها، كما أنها تمثّل خرْقًا واضحًا للمواثيق الدولية، وفي مقدّمتها اتفاقيتا جنيف ولاهاي، اللتان تُلزمان قوّة الاحتلال بحماية المواقع الدينية والتراثية، والحفاظ على طابعها، وعدم المساس بها أو تغيير هُويتها، ومن ثمّ فإن استمرار هذه الانتهاكات يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، ويطرح تساؤلات جدّيّة حول مدى الالتزام بتطبيق قواعد القانون الدولي؟
إن حماية المقدّسات ليست شأنًا محلّيًا أو إقليميًا فحسب، بل هي مسؤولية إنسانية مشتركة، تفرضها القيم الدينية، وتؤكّدها القوانين الدولية، ومن هنا تبرز أهمية التحرّك الجاد لوقف هذه الانتهاكات، والعمل على صون الهُوية الدينية والتاريخية للحرم الإبراهيمي الشريف، بما يحفظ له مكانته، ويصون حقّ الأجيال القادمة في التمتّع بهذا الإرث الحضاري، فصون المقدّسات هو صون للهُوية، وحماية للتاريخ، وترسيخ لقيم العدل والاحترام المتبادل، وهي قيم لا ينبغي أن تكون محلّ مساومة أو انتقاص تحت أي ظرف من الظروف.
وختاما، فإني أنعي ببالغ الحزن والأسى، مؤذِّن المسجد الأقصى الشيخ ناجي فايز القزّاز، الذي وافته المنيّة بعد مسيرة حافلة بالعطاء والبذل في خدمة المسجد الأقصى، وخلال هذه المسيرة الطيبة ارتبط صوته الطيّب بوجدان أهل القُدس وزوّارها على مدار عقود، مثّل فيها الفقيد نموذجًا فريدًا في الإخلاص والتفاني، وامتدادًا لتراث عريق توارثته أُسرته في رفع الأذان داخل الحرم القدسي الشريف، فكان صوته شاهدا على هُوية المكان وروحه، ومصدر طُمأنينة للمصلِّين هناك، أسأل الله- تعالى- أن يتغمَّد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جنّاته، وأن يُلهم أهله ومحبّيه الصبر والسلوان.






























