تُعدّ مسألة الشّر من أكثر القضايا حضورًا في الخطاب الإلحادي المعاصر، حيث تُطرح بوصفها إشكالًا يبدو– في ظاهره– قادرًا على إرباك التصوّر الإيماني؛ إذ يُسأل: كيف يجتمع في هذا الكون إلهٌ كامل القدرة وكامل الرحمة مع ما نشهده من آلامٍ ومعاناة، وكوارثَ تصيب الأبرياء، وابتلاءاتٍ تمسّ الإنسان في صحّته وأمنه وحياته؟!
ويُراد من هذا التساؤل أن يُفضي إلى نتيجةٍ مفادها: أن وجود الشّر يتنافى مع الإيمان بإلهٍ حكيم رحيم، أو يُضعف على الأقل من تماسك هذا الإيمان.
غير أن التأمّل المتأنّي يكشف أن هذا الإشكال لا ينبع من قوةٍ حقيقية في الحجّة، بقدر ما ينشأ عن قصورٍ في التصوّر، وضِيقٍ في زاوية النظر؛ إذ يُحاكم الوجود كلّه من خلال إدراكٍ جزئي محدود، ويُقاس المطلق بما هو نسبي، وتُختزل الحكمة الكلية في لحظة ألمٍ عارضة أو مشهدٍ جزئي من مشاهد الحياة. فالإنسان– بطبيعته– لا يحيط إلا ببعض الأسباب، ولا يدرك إلا طرفًا من العواقب، وكثيرًا ما يحكم على الشيء في حينه بأنه شرٌّ محض، ثم لا يلبث أن ينكشف له وجهٌ آخر من الخير كان خافيًا عنه، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
وعند النظر الدقيق، يتبيّن أن ما يُسمّى شرًّا ليس كيانًا مستقلًا قائمًا بذاته، بل هو في كثيرٍ من الأحيان تعبيرٌ عن نقصٍ أو فقدانٍ لخيرٍ ما، وأن الوجود في أصله قائم على الخير، وما يعرض فيه من آلام إنما هو نسبيٌّ إضافي يُفهم في سياقه الكلّي. ويكفي في الدلالة على غلبة جانب الخير قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]، وهو نصٌّ يشير إلى فيض النعمة واتساعها، بحيث تغمر الوجود كله، ولا يُدرك منها الإنسان إلا بعض آثارها.
ومن جهةٍ أخرى، فإن الوجود الإنساني– في التصوّر الإيماني– لا يقوم على النعيم الخالص، بل على الابتلاء والاختبار، حيث تتجلّى معاني التكليف وتتحقق قيمة الاختيار. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 2]. ولا يتحقق معنى الابتلاء إلا بوجود ما يُمتحن به الإنسان من تقلُّباتٍ بين السعة والضيق، والصحة والمرض، واليُسر والعُسر، ولو خلا العالم من ذلك لتعطّلت معانٍ إنسانية كبرى، كالصبر، والرحمة، والتكافل، بل لانتفت حقيقة الاختيار الأخلاقي التي يقوم عليها التكليف.
وليس بعيدًا عن ذلك أن كثيرًا من صور الألم والمعاناة تكون في حقيقتها طريقًا إلى خيرٍ أعظم، لا يظهر إلا بعد حين، أو لا يُدرَك إلا بنظرٍ أشمل. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]، فكم من محنةٍ أفضت إلى منحة، وكم من ألمٍ كان سببًا في يقظة قلب، أو إصلاح حال، أو توجيه مسار حياةٍ كاملة.
ويظل الإشكال الإلحادي قائمًا– في جوهره– على فصل الوجود عن غايته، والنظر إلى الدنيا باعتبارها النهاية، في حين أن التصوّر الإيماني يربطها بالآخرة، ويجعل العدل الإلهي ممتدًا إلى ما بعد هذه الحياة. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]. ومن ثمّ فإن ما قد يبدو نقصًا في تحقيق العدالة في الدنيا، إنما هو جزء من مشهدٍ لم يكتمل بعد، ولن يكتمل إلا في الآخرة حيث تتجلّى الحكمة التامة ويستوفى كل ذي حقٍّ حقّه.
وعليه، فإن ما يُطرح تحت عنوان “مشكلة الشر” لا ينهض دليلًا على نفي وجود الله، بل يكشف– في عُمقه– عن توقٍ إنساني فطري إلى العدل الكامل، وهو توق لا يجد تفسيره المتماسك إلا في الإيمان بإلهٍ حكيمٍ عليم، يُدبّر الوجود بعلم، ويُجريه بحكمة، ويُتمّ عدله في نهاية المطاف.
ومن هنا فإن وجود الألم لا ينقض الإيمان، بل يدعو إلى تعميق النظر، وتوسيع الأفق، وفهم الوجود في سياقه الشامل، حيث تلتقّي الحكمة بالابتلاء، والرحمة بالعدل، والدنيا بالآخرة في نظامٍ محكمٍ لا عبث فيه ولا اضطراب.






























