شهدت الآونة الأخيرة زيادة كبيرة في تفكك الأسر، وتضخمًا في نسب الطلاق. فقد كان قديمًا، من بين كل مائة حالة زواج، لا تقع سوى حالة أو حالتين من الطلاق، وذلك رغم عدم انتشار التعليم كما هو الحال الآن، وبرغم عدم وجود هذا القدر من المنظمات التي تتحدث عن حقوق المرأة ورعايتها. ولا أقصد بذلك أن تلك المنظمات هي السبب، وإنما أردت التأكيد على ضرورة أن تعمل هذه الجهات على معالجة المشكلة من جذورها.
فكما هو معلوم، توجد لجنة تابعة للأزهر تُعرف باسم «لمّ الشمل» للإصلاح بين المتخاصمين من الأقارب والأزواج، غير أن دورها يأتي بعد وقوع المشكلة. كما يعمل المجلس القومي للمرأة على استرداد حقوق المرأة، لكن القضية التي أود طرحها هي: كيف نبتعد عن المشكلات من الأساس، وكيف نحافظ على الأسرة ككيان مقدس؟ وهذا يجب أن يتم قبل الزواج لا بعده. لذا، ينبغي أن تُوجَّه الندوات التوعوية التي تنظمها المنظمات الحقوقية والمجلس القومي ولجنة لمّ الشمل نحو بناء الأسرة منذ البداية بناءً سليمًا.
ينبغي توعية الأهل والشباب والفتيات بكيفية الاختيار السليم، وعدم الانسياق وراء أسباب واهية لا تصلح أن تكون دعائم لقيام أسرة ومجتمع قوي. فكما هو معروف، الأسرة هي نواة المجتمع، فإن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت تدهور المجتمع وتفكك، وأصبح من السهل هزيمته. ولا يمكن إغفال حالات الانتحار التي شهدتها الفترة الأخيرة، والتي يعود أغلبها إلى التفكك الأسري والمشكلات بين الأزواج، وعلى رأسها غياب التفاهم، وعدم مراعاة الطرف الآخر، والقسوة، والتجاهل، وسوء المعاملة، التي قد تصل إلى الضرب أو القتل.
ولا نغفل كذلك الظروف الاقتصادية، لكنها تأتي في آخر الأسباب. والدليل على ذلك أن الفقر كان شديدًا في الماضي، ومع ذلك كان الأب والأم يتكاتفان من أجل بقاء الأسرة ونجاح الأبناء، رغم كثرة عددهم، إذ لم يكن عدد الأطفال يقتصر على اثنين أو ثلاثة كما هو الحال الآن، بل كان يصل إلى ستة أو سبعة، وربما كان يعيش معهم الجد والجدة، ومع ذلك ساد الرضا تلك الأسر، ونجحوا في الحفاظ عليها دون الوقوع في الطلاق أو الانفصال.
ويكمن السبب في اختلاف المعايير التي يتم على أساسها الاختيار؛ فاليوم أصبح الاختيار قائمًا على ما ستساهم به الزوجة في تأثيث المنزل، وما سيقدمه الزوج، وما يُكتب في «القائمة» التي باتت في كثير من الأحيان بعيدة عن الواقع، ولا تعكس الوضع الحقيقي للأسرتين. وقد أدى ذلك إلى ظهور «الغارمين» و«الغارمات»، وامتلأت بهم المحاكم نتيجة السعي إلى تجهيزات تفوق إمكانيات الزوجين، بدافع الغيرة والتقليد الأعمى. كما أن عدم استماع الأبناء والبنات لنصائح الأهل يمثل مشكلة أخرى، بل إن بعض الأهل أنفسهم هم من يدفعون نحو هذه المظاهر، ويطالبون بمشتريات لا مبرر لها.
وفي المقابل، يتم إهمال الأسس الحقيقية التي ينبغي أن تقوم عليها الحياة الزوجية؛ فقد يكون الزوج بلا عمل، وبدلًا من البحث عن فرصة في مدينة أخرى، يترك زوجته وأولاده لدى أهلها لينفقوا عليهم، دون أن يشعر بتقصير، نتيجة غياب القدوة والتربية السليمة التي تغرس في الأبناء أن الرجولة مسؤولية، وأن الزواج التزام. وكذلك الحال بالنسبة للفتاة التي قد لا تتلقى التربية التي تعزز الصبر وتحمل المسؤولية، وعدم التخلي عن الأسرة عند أول تقصير من الزوج.
بل إن بعض الأسر -وأقصد هنا فئة محدودة- ترى أن من حقها أن يُرسل الابن دخله إليها لتتولى هي الإنفاق، وهو ما يحدث غالبًا في بعض القرى، مع إهمال متطلبات أسرته الصغيرة.
وهكذا، ما بين التهافت على الكماليات، بل وعلى أشياء لا ضرورة لها، وغياب الأخلاق، وانشغال كلا الزوجين بالإنترنت والتواصل مع الغرباء، وترك الطرف الآخر دون اهتمام أو مودة أو احتواء، وعدم الرضا بالإمكانات المتاحة، إلى جانب تدخل الأهل، امتلأت قاعات المحاكم بقضايا التطليق والخلع، وامتلأت البيوت بالمشكلات والجفاء، وتراجع الالتزام الديني، وغابت روح المسؤولية.
لذلك، يجب أن نولي اهتمامًا حقيقيًا بترسيخ الأسس السليمة التي تُبنى عليها البيوت، من خلال توعية الشباب بكيفية الاختيار، ووضع معايير صحيحة لاستمرار الحياة الزوجية، وتعليم الأبناء كيف تبدأ هذه الحياة، وكيف تستمر، وكيف تُعمَّر بالمودة والاستقرار.































