د. مختار جمعة: ميثاق دولي جديد يقوم على العدالة وليس الانتقائية
د. سامى الشريف: بناء “المواطنة العالمية” العابرة للحدود
شهد مؤتمر “مستقبل الحضارة الإنسانية وفقه العيش المشترك في عصر الذكاء الاصطناعي“ الذي عقدته الجامعة الأورومتوسطية، بمدينة فاس المغربية، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي، زخما وحضورا دوليا كبيرا، ومشاركة مصرية واسعة من د. محمد مختار جمعة- وزير الأوقاف السابق- د. سامي الشريف- الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية ووزير الإعلام المصري الأسبق- أسامة هيكل- وزير الإعلام الأسبق، مدير الإعلام بمنظمة الإيسيسكو حاليا- فضلا عن شخصيات عالمية أخرى، من أكثر من 47 دولة، منهم: د. قطب سانو- الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة- د. أمال جلال- رئيس جامعة القرويين- والسفير أنطونيو دي ريبيرو- الأمين العام لمركز الحوار الدولي- السيد رضوان السيد- رئيس جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية- إلى جانب ممثلين عن الفاتيكان ووفود أكاديمية من مختلف أنحاء العالم.

العيش المشترك
تحدث د. محمد مختار جمعة- وزير الأوقاف السابق- حول “العيش المشترك في عصر الذكاء الاصطناعي” مؤكدا على الآتي: ١ – ديننا دين السلام والحق والعدل والإنسانية في أسمى معانيها.
٢ – العيش المشترك يجب أن يُبنى على الحق والعدل والإنصاف والاحترام المتبادل وعدم ظلم الإنسان لأخيه الإنسان .
٣– يجب أن يتحول العالم من قانون القوة، إلى قوة القانون، ومن شريعة الغاب، إلى شرعية الأخلاق قبل فوات الآوان .
٤– لابد من إصلاح المؤسسات الدولية لتقوم بدورها في إحلال السِّلم أو صياغة ميثاق دولي جديد يقوم على العدالة التامة وليس الانتقائية.
٥– ما لم يتحقق السلام الشامل والعادل للجميع فلن تقنع الخطب ولا المؤتمرات أحدًا بأن يروا الظلم عدلا .
٦– الذكاء الاصطناعي ضرورة العصر وواجبنا أن نُحسن استخدامه، وأن نتحول من مستهلكين أو مستخدمين للمعرفة والتقنية إلى منتجين لها .
٧– الحضارة الإنسانية الآن مهدَّدة بمنطق القوة وشريعة الغاب، ما لم يسع عقلاء العلم لإصلاح الخلل والعمل على إقامة ميزان العدل قبل فوات الأوان.
وبيَّن د. مختار جمعة- أيضا – أن ديننا الحنيف رسّخ لأسس التعايش السلمي بين النّاس جميعًا، فكرّم الإنسان على إطلاق إنسانيته، حيث يقول الحق سبحانه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: ٧٠)، وحرّم قتل النفس الإنسانية بلا استثناء، فقال سبحانه: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (المائدة: ٣٢)، وقدَّر نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم) للنفس الإنسانيّة حُرمتها، فلما مرّت عليه جنازة يهوديّ وقف لها، فقيل له: إنها جنازة يهوديّ، فقال: أليست نفسًا؟! فكل الدماء حرام، وكل الأعراض مُصانة، وكلّ الأموال محفوظة، لا يحلّ للإنسان شيٌء من مال أخيه الإنسان إلا بحقه أو بطيب نفسٍ منه.
فالعيش المشترك مطلب ديني ووطني وإنساني شريطة أن يكون تعايشا حقيقيا مبنيا على الحق والعدل والمساواة والاحترام المتبادل.
الذكاء الاصطناعي

أما فيما يتصل بعصر العلم والذكاء الاصطناعي فأكد د. مختار جمعة، أننا مطالبون بمواكبة كل جوانب التطور العلمي والتقني والمعرفي، حيث تغيّر مفهوم الأمّية من أمّية القراءة والكتابة إلى الأمّية الرقمية، ثم إلى أمّية الذكاء الاصطناعي.
ويرى أن التطوّر الأحدث للأمّية صار أعم من ذلك، ليشمل أمّية الثقافة وأمّية إنتاج المعرفة، في عالم أصبح للمعلومة والأمن السيبراني والمعلوماتي وإنتاج المعرفة أثر بالغ فيه، وأصبحت الحروب المعلوماتية والاختراقات الاستخباراتية بمفهومها الحديث المتطوِّر أحد أهم عوامل الحسم في الحروب الحديثة، ودورنا أن نحول هذه الأدوات وتلك الوسائل التكنولوجية إلى عوامل وئام لا وسائل هدم، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بامتلاك ناصيتها وسبر أغوارها والوقوف على دقائقها والإسهام في إنتاجها، مع تفكير علمي ناقد وبصير من خلال التحوّل في مناهجنا التعليمية من نطاق الحفظ والتلقين إلى فضاء الفهم والتحليل.
وقال: يجب ألا نقف من تطوّر وسائل التواصل وإنتاج المعرفة موقف الرفض المطْلق ولا موقف المتفرّج، ولا حتى المتلقّي، إنما علينا أن نتعامل مع العصر بأدواته، نعمل على تعظيم إيجابياتها وتفادي مخاطرها وسلبياتها، في ضوء قيمنا الحضارية والثقافية والاجتماعية، وبما يحقق الخير لمجتمعاتنا وللإنسانية جمعاء، إذ لا يمكن أن ننعزل عن مواكبة أي تطور علمي بل الحرص على السبق فيه، فديننا كما أنه دين السّلم فهو أيضا دين العِلم مُطلق العلم النافع في مختلف المجالات: سواء تلك العلوم الشريعة التي تأخذ بأيدينا إلى سبل الخير والنجاة في الدارين أم تلك العلوم التي لا غني عنها في شئون حياتنا من البناء والعمران وصنع الحضارة في مختلف المجالات.
العلم والدين
وأكد د. مختار جمعة، أنه لا صدام ولا تناقض بين العلم والدين شريطة أن نفهم ديننا فهما مقاصديًّا صحيحًا ونأخذ بأسباب العلم النافع، ونراعي في كل أمورنا الضوابط الأخلاقية والإنسانية الراقية، ذلك أن الأمم التي لا تُبنى على القيم والأخلاق تحمل عوامل سقوطها في أصل بنائها وأسس قيامها، ومآلها إلى الانهيار والتلاشي لا محالة.
كما أكد أن الحضارة الإنسانية الآن مهدَّدة بمنطق القوّة وشريعة الغاب ما لم يسع عقلاء العلم لإصلاح الخلل والعمل على إقامة ميزان العدل قبل فوات الأوان.
التعايش الإنساني

من جانبه، استعرض د. سامي الشريف- الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية ووزير الإعلام المصري الأسبق- “المنظور الإسلامي” للتعايش الإنساني في العصر الرقمي، بورقة عمل معمَّقة بعنوان “المجال العام والعيش المشترك في الفضاء الرقمي”، حلَّل فيها التحوّل نحو نمط جديد من التفاعل الإنساني يقوم على “اللامركزية والانفتاح”. موضحا أن مواقع التواصل الاجتماعي تجاوزت أدوارها التقليدية لتصبح “فضاءً عالمياً مفتوحاً” يُسهم في تقليل تأثير الصور النمطية المسبقة، ويفتح المجال لفهم متبادل أعمق بعيداً عن الأحكام الجاهزة.
وشدَّد د. الشريف، على أن التوظيف الإيجابي للفضاء الرقمي يعد وسيلة فعالة لحماية الهُويات الثقافية وتوثيق التراث المحلّي، داعياً إلى بناء نوع من “المواطنة العالمية” القائمة على التضامن الإنساني العابر للحدود الجغرافية.
وفي محور جوهري من ورقة العمل، استعرض “المنظور الإسلامي كإطار مرجعي للحوار بين الثقافات”، مؤكّداً أن الرؤية الإسلامية تجعل من التعدّدية الثقافية امتداداً طبيعياً للسُّنَن الكونية، مستشهداً بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}.
“صحيفة المدينة”
أوضح د. الشريف، أن الإسلام قدَّم أول صيغة تعاقدية للتعدّدية في التاريخ من خلال “صحيفة المدينة”، التي ضمنت حقوق الجماعات كافة دون تمييز، مؤكّداً أن الحوار في المرجعية الإسلامية ليس أداة للهيمنة أو الاستيعاب الثقافي، بل هو وسيلة للإثراء المشترك وصون الكرامة الإنسانية.
واختتم د. الشريف، طرحه بوضع عدّة آليات عملية لتحقيق التعايش في العصر الرقمي، أبرزها: نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر ومواجهة محاولات الإقصاء. مكافحة كافة أشكال التطرف والإرهاب وخطاب الكراهية عبر الوسائط الرقمية. سَنّ التشريعات اللازمة لضبط الفضاء الرقمي بما يخدم القيم الإنسانية.































