تُعَدّ مسألة الأحرف والقراءات والعلاقة بين مفهومَيْهِمَا جزءًا لا يتجزّأ من علوم القرآن، وبالرغم مما حظيت به هذه المسألة من بحوث كثيرة قديمًا وحديثًا، إلا أنّ كثيرًا من جوانب هذه المسألة لم يزل يكتنفه الغموض! في الآونة الأخيرة نُشرت عدّة أوراق بحثية تحمل رؤية جديدة، وقد استطاعتْ هذه الرؤية بالفعل أن تجيب على العديد الإشكالات التي عجزتْ عنها الرؤى الذّائعة.
من هنا نحاول تبنّي وجهة النظر الداعمة لهذه الرؤية: وستنتظم مقالتنا في تمهيد، وثلاثة أقسام، وخاتمة؛ أَذكُر في التمهيد الرأي المشهور في الأحرف، وأُورِد عليه خمسة عشر سؤالًا تُبرِز إشكالاته. وأمّا القسم الأول فأقدِّم فيه النموذج البديل مع أدلّته والقائلين به، ثم ألخّص في القسم الثاني بعض الاعتراضات الموجّهة على هذا الرأي وأُجيب عنها. وأرجع في القسم الثالث إلى الأسئلة الخمسة عشر وأجيب عنها بمنظور الرأي البديل. وفي الخاتمة ألخِّصُ أهمّ النتائج التي توصّلتُ إليها.
لَهَجَات العرب
تمهيد: خمسة عشر سؤالًا واردة على نموذج التَّلقِين
إنّ الذي نَعنيه بالرأي السائد حاليًا، هو: أنّ الأحرف في الأساس هي اختلافات بين لَهَجَات العرب، وأنّ الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- تخلّص متعمِّدًا من معظم الأحرف، ولكنه حافَظَ عن قصدٍ على بعضها بحسب ما سمح به النصّ المكتوب، ومن ثَم يمكن القول بأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قد تلا جميع هذه القراءات (إجمالًا). وسنعتمد إطلاق (نموذج التَّلقِين) على هذا الرأي.
إنّ نموذج التَّلقِين يمكن أن يُثار بشأنه عدد من القضايا والمسائل الرئيسة.
نبدأ بالأحاديث الواردة في مفهوم (الأحرف السبعة) حيث تُصرِّح العديد من الآثار بأنّ العلة الجوهرية للأحرف هي التيسير على الأُمّة في تلاوة القرآن، فإنّ «…منهم العجوزُ، والشيخُ الكبيرُ، والغلامُ، والجاريةُ، والرجلُ الذي لم يَقرأْ كتابًا قطُّ»، ويبرز هنا السؤال الآتي: (س1) كيف يتجاوب نموذج التَّلقِين مع هذه العلّة المتعلقة بمثل تلك الفئات من الناس؟
(س2) قد وردَ في هذه الآثار ما لا يمكن حملُ معناه على ظاهره، بل يجب تأويله بشكلٍ ما؛ وذلك كقول النبي: (لَيْسَ مِنْهَا -يعني: الأحرف- إِلَّا شَافٍ كَافٍ، إِنْ قُلْتَ: سَمِيعًا عَلِيمًا، عَزِيزًا حَكِيمًا. مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ).
ولدينا في مصنَّفات التفسير والحديث المبكِّرة المئات من الأمثلة على الأحرف التي تشير إلى تغييرات في الكلمات منسوبة إلى الصحابة؛ فهناك حرف أُبيّ، وحرف ابن مسعود، وهكذا دواليك.
(س3) إذا كان النبي هو مصدر هذه الكلمات المتغايرة بالفعل، فلماذا نُسب الحرف بأكمله إلى أحد الصحابة فقط؟ ولماذا لم يتعلَّم أفراد الصحابة أكثر من حرف، أو يقرأ كلُّ فرد منهم بأكثر من حرف كما كان -في زعم هؤلاء- يفعله النبي؟
وفي أشهَرِ الآثار الواردة في الأحرف، حينما سمع عمرُ بن الخطاب هشامَ بن حكيم يتلو سورة الفرقان بصيغ مختلفة… القصة فيها أسئلة متعددة!
(س4) لماذا يُعلَّم شخصان من نفس القبيلة لَهَجَات مختلفة إذا كانت الأحرف تتعلق أساسًا بالّلهجات؟ ولماذا يُمنَح هشام -وهو في هذه المرحلة مُعتَنِق جديد للإسلام- امتيازًا يتمثّل في درس خاصّ عن حرف فريد لا يَعْلَم عنه حتى عمر؟
وبناء على هذه الحادثة نفسِها، وعلى دهشة عمر عندما علمَ بوجود الأحرف.
(س5) كيف يمكن تفسير عدم إدراك العديد من الصحابة الكبار لوجود الأحرف أصلًا خلال فترة الوحي؟ بالرغم من أنّ نموذج التلقين يؤكّد أن النبي كان يتلو باستمرار صيغًا مختلفة، فلماذا هذه الدهشة من صيغة مختلفة؟
النموذج البديل
القسم الأول: النموذج البديل- نموذج الرخصة الإلهية:
يدّعي النموذج البديل أنّ (الأحرف السبعة) هي تسهيل إلهيّ سمح للصحابة بتلاوة القرآن وفقًا للهجاتهم وتبعًا لغاية ما يسعهم تذكّره بشرط ألا يخلّ بالمعنى. في هذا النموذج تلا النبي القرآن بطريقة واحدة (حرف واحد)، لكن تمّ الترخيص للصحابة بتلاوته بـ(عدة ألفاظ)، وبـ(صيغ مختلفة)، ما دام المعنى محفوظًا.
هناك روايات عدّة يمكن استخدامها لإثبات هذا الزعم. نجد مثلًا في واقعة مشهورة أنّ ابن مسعود كان يعلِّم شخصًا قراءة: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 43- 44]، لكن الرجل لم يتمكّن من قولها، وظلّ يكرر، «…طعام اليتيم». فقال ابن مسعود: «أتستطيع أن تقول: طعامُ الفاجِر؟»، فأجاب الرجل أنه يستطيع، فقال ابن مسعود: «فافعل»، ثم أخبره: «إنّ الخطأ في القرآن ليس أن تقول: الغفور الرحيم، العزيز الحكيم، إنما الخطأ أن تقرأ آية الرحمة آية العذاب، وآية العذاب آية الرحمة، وأن يُزاد في كتاب الله ما ليس فيه».
وقدَّم ابن شهاب الزهري (توفي 127هـ) تفسيرًا مشابهًا للأحرف، فقال: «بلغني أنّ تلك الأحرف السبعة إنما هي الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلالٍ ولا حرام»
قد يكون من أبرز الروايات في هذا الصدد هو ما ورد عن الإمام الشافعي (توفي 204هـ) في كتابه (الرسالة): «فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزلَ كتابه على سبعة أحرف معرفةً منه بأنّ الحفظ قد يَزِلُّ، لِيُحِلَّ لهم قراءته وإن اختلف اللفظُ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى؛ كان ما سوى كتاب الله أَوْلى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِل معناه».
كتب أبو جعفر الطحاوي (توفي 321هـ) في شرحه لمشكل الآثار: «وكان يشقّ عليهم حفظ ما يَقْرَؤُهُ عليهم بحروفه التي يقرؤه بها، ولا يتهيَّأ لهم كتابُ ذلك. فوسّع عليهم في ذلك أن يتلوه بمعانيه، وإن خالفَت ألفاظُهُم التي يتلونه بها ألفاظَ نبيهم -صلى الله عليه وسلم- التي قرأه بها عليهم، فوسّع لهم في ذلك بما ذكرنا».
اعتراضات وردود
القسم الثاني: خمسة اعتراضات وردود: في هذا القسم، يُذكر خمسة اعتراضات تم تقديمها ضدّ نموذج الرخصة الإلهية إلى جانب الردود المحتمَلة عليها. يجدر بالذِّكْر أن قائمة الاعتراضات هذه ليست شاملة بالطبع، لكنها عيّنة للاعتراضات الرئيسة (يرجى من القارئ الرجوع إلى الموقع الإلكتروني للاطلاع على النصّ الكامل).
القسم الثالث: إجابات النموذج البديل على الأسئلة الخمسة عشر:
بعد إبراز الرأي البديل، والردّ على مختلف الاعتراضات الواردة عليه، دعُونا لنعود إلى الأسئلة الخمسة عشر التي طرحناها أولًا على نموذج التلقين، ونرى ما إذا كانت الإجابات عليها بناءً على هذا النموذج أكثر معقولية وقبولًا، دون الحاجة إلى تكلّف.
تتمثّل الفكرة الرئيسة للأحرف (ج1) في هذا النموذج بوضوح في أنّ القراءة بالمعنى تتيح للأشخاص الكبار في السنّ وغير القادرين على القراءة وغير المتعلّمين =القراءة بما يتذكّرونه، مع تجاهُل أيِّ أخطاء غير مقصودة. وبالطبع فإنّ الشرط الضروري هو أنه (ج2) يجب أن يتمّ نقل الدلالة المناسبة؛ لذا فإنّ قول: ﴿اللهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بدلًا من: ﴿اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، سيكون مثالًا على ذلك إذا سمح سياق الآية بذلك. وهذا يبيّن أيضًا (ج3) أن بعض الصحابة اختاروا ألفاظًا معيّنة كمرادفات، لا سيّما الذين كانوا ينتمون إلى القبائل غير القرشية مثل أُبيّ بن كعب الخزرجي أو ابن مسعود الهُذَلي؛ وتمّ نسبة هذه الاختيارات اللفظية (أي حرفهم الفريد) إليهم.
لذا، كانوا هم وأصحابهم فقط معروفين بأنهم يتلون بهذه الاختيارات، ولم يكن لدى الصحابة الكبار الآخرين أيّ سبب لتلاوة الاختيارات اللفظية الخاصة بالصحابة الآخرين. في بعض الأحيان، كما في حالة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم، (ج4) قد تكون تغييرات اللفظ ناتجة عن النسيان، خاصة وأنّ هشامًا كان معتنقًا جديدًا للإسلام. فإنّ دهشة عمر عندما علمَ بوجود الأحرف (ج5) تُظْهِر أنه بما أنها كانت ترخيصًا، فإنّ النبي لم يشجِّع المسلمين على ممارستها بشكلٍ نشط، حيث كانت العزيمة هي الالتزام بالأصل.
الخاتمة
نموذج الرخصة الإلهية واضح ومباشر. إنّ معنى كون القرآن قد أُنزل على (سبعة أحرف) هو أنه تمّ منحُ الإذن لجيلٍ لا يستطيع القراءة والكتابة بتلاوته بـ(عدة صيغ) ما دام المعنى منقولًا بدقّة. لم يُنشر هذا الامتياز بشكلٍ نشط؛ حيث كان الأصل هو نقل العبارة الأصلية بأمانة قدر الإمكان. وفي غضون نصف جيلٍ، عندما أصبحت الأميّة أقلّ وسلطة الحكم أمكن، أراد الخليفة عثمان إلغاء هذه الامتيازات والحفاظ على الألفاظ الأصلية التي أُنزلت على النبي.
فالنسخة الرسمية التي أعدّها عثمان قد حقّقت ذلك بالضبط: تجاهَلَت جميع الاختلافات التي نشَأت من الصحابة الآخرين، وحَفِظَت الألفاظ التي قرأها جبريل على النبي.
وفي النهاية، وكما هو الحال مع جميع القضايا، فإنّ الله أعلم بالصواب بلا شكّ، وبِغَضّ النظر عن النموذج الذي يفضِّله الشخص، فإنه يكفي المسلمَ أن يعلم وأن يؤمن بأنّ القرآن الذي هو كلام الله، قد تم حِفْظه بشكلٍ تامّ وحمايته بشكلٍ كاملٍ بقوّة الله تعالى الذي أنزله وقال فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].






























