تقوم الشريعة الإسلامية على أصولٍ عظيمة تُعدّ من ركائز التشريع ومقاصده الكبرى، ومن أبرزها قاعدة: “جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها”، وهي قاعدة جامعة تدخل في عموم الأحكام الشرعية، وتكشف عن عظمة هذا الدين في رعايته للإنسان، جسدًا وروحًا، فردًا ومجتمعًا.
مقصد الصحة
ومن هنا يتضح أن الشريعة الإسلامية لم تنظر إلى الصحة باعتبارها شأنًا ثانويًّا أو أمرًا دنيويًّا منفصلًا عن الدين، بل جعلتها من المقاصد الكبرى التي يجب حفظها، إذ إن سلامة الإنسان وعافيته أساسٌ لقيامه بواجباته الدينية والدنيوية، ولذلك أمر الإسلام بكل ما يحفظ الصحة ويصون البدن، ونهى عن كل ما يفضي إلى الإضرار بالإنسان أو تدهور حالته الصحية.
غذاء طيب
ولأجل ذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بتناول الطعام الطيب النافع، الذي يعود على الإنسان بالخير ويُقوّي جسده ويحقق له العافية، فقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].
فالآية الكريمة تحمل توجيهًا ربانيًّا واضحًا بأن الأصل في غذاء الإنسان أن يكون طيبًا نافعًا، يجمع بين الحلّ والبركة والسلامة، وهو ما يعكس اهتمام الإسلام بجانب الوقاية الصحية قبل وقوع الضرر.
تحريم الخبائث
وفي المقابل، حرص الإسلام على منع كل ما يحمل للإنسان ضررًا أو فسادًا، فنهى عن تناول الخبائث المؤذية التي تفسد البدن وتضر النفس، قال تعالى:
{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].
وهذا النص القرآني يؤكد أن التشريع الإسلامي لا يكتفي بإباحة النافع، بل يمنع كذلك كل ما يتضمن أذىً أو ضررًا، في انسجامٍ كامل مع قاعدة الشرع العظمى: منع الضرر.
ضبط المباح
بل إن الشريعة وإن أباحت الأكل والشرب من الحلال، فإنها قيدت ذلك بعدم الإضرار بالنفس، فلا يجوز للإنسان أن يسيء استخدام المباح حتى يتحول إلى سبب للهلاك أو المرض، ولذلك جاء النهي الصريح عن الإسراف، قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].
فالإسراف في الطعام والشراب ليس مجرد سلوك غير محمود، بل قد يتحول إلى سببٍ مباشر للأمراض، ومن ثمّ يدخل في دائرة المحظور شرعًا إذا ترتب عليه ضرر مؤكد أو غالب الظن.
أمر التداوي
ومن مظاهر عناية الإسلام بصحة الإنسان أيضًا أنه لم يكتفِ بالدعوة إلى الوقاية، بل أمر كذلك بالتداوي عند نزول المرض وحلول السقم، لما في ذلك من حفظ النفس التي جعلها الشرع أمانة لا يجوز التفريط فيها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله، فإن الله سبحانه لم يضع داءً إلا وضع معه شفاء، إلا الهرم».
وهذا الحديث الشريف يقرر مبدأً مهمًّا، وهو أن الأصل في الأمراض أن لها علاجًا بإذن الله تعالى، وأن الأخذ بالأسباب من صميم التوكل الصحيح، بل إن ترك العلاج عند الحاجة قد يدخل الإنسان في دائرة التقصير بحق نفسه.
توافق المقاصد
وفي هذه الجزئية يتلاقى مقصد علم الطب مع مقاصد الشريعة الإسلامية، فكلاهما يهدف إلى المحافظة على صحة الإنسان واستعادة عافيته، غير أن الشريعة الإسلامية وضعت للتداوي ضوابط تحكمه، حتى لا يتحول العلاج إلى وسيلة لإحداث ضرر أكبر أو الوقوع في المحرمات.
ضوابط شرعية
ومن أهم هذه الضوابط: ألا يكون التداوي بما هو محرم شرعًا أو بما يترتب عليه ضرر محقق، لأن المقصود من العلاج رفع الأذى لا زيادته، ولذلك ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز التداوي بالخمر، واستدلوا على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء».
فالخمر وإن توهم البعض وجود منفعة طبية فيها، إلا أن الشريعة نظرت إلى حقيقتها وآثارها، فقررت أنها سبب للفساد لا للشفاء.
قول ضعيف
ومع ذلك فقد ذهب الشافعية في قول ضعيف عندهم إلى جواز التداوي بالخمر بالقدر الذي لا يسكر، وذلك في حالة الضرورة، وهو قول مرجوح عندهم، لمخالفته ظاهر النصوص ومقاصد الشريعة في سد أبواب الضرر والفساد.
إضراب محرّم
ومن التطبيقات التي تتصل بهذا المعنى أيضًا مسألة إضراب السجين عن تناول الطعام حتى يؤدي ذلك إلى الموت أو فقد عضو من أعضائه، فلا شك في تحريم هذا الفعل شرعًا، لما فيه من اعتداء صريح على حياة الإنسان أو جسده، وهو أمر لا يباح تحت أي حجة أو ذريعة، إذ إن النفس ليست ملكًا لصاحبها يتصرف فيها كيف شاء، بل هي حق لله تعالى، وحق للمجتمع، وحق للإنسان نفسه، والشريعة جاءت لحفظها وصيانتها.
قول القرافي
وفي هذا السياق قرر الإمام القرافي رحمه الله تعالى قاعدة فقهية واضحة تؤكد هذا المعنى، إذ قال: إن الشخص “لو منع من نفسه طعامها وشرابها حتى مات فإنه آثم قاتل لنفسه”، وهذا يبين أن الامتناع المؤدي إلى الهلاك يدخل في دائرة قتل النفس المحرم، ويأخذ حكم الاعتداء على الجسد الذي جعله الله أمانة يجب الحفاظ عليها.
خلاصة جامعة
وخلاصة الأمر أن الشريعة الإسلامية بنظرتها الشاملة لم تجعل الصحة أمرًا هامشيًّا، بل وضعتها في صميم مقاصدها، وشرعت من الأحكام ما يضمن حفظها، فدعت إلى الغذاء الطيب، ونهت عن الخبائث، وحرمت الإسراف، وأمرت بالتداوي، ومنعت أن يكون العلاج سببًا في الوقوع في المحرم أو إحداث ضرر أكبر، كما حرمت كل سلوك يؤدي إلى إزهاق النفس أو إتلاف البدن، سواء كان ذلك بفعل مباشر أو بترك الطعام والشراب حتى الهلاك.
وبذلك تتجلى عظمة التشريع الإسلامي الذي جمع بين حفظ الدين وحفظ النفس، وربط بين العبادة وصيانة الجسد، ليبقى الإنسان قويًّا في بدنه، سليمًا في حياته، قادرًا على عمارة الأرض وأداء رسالة الاستخلاف كما أراد الله سبحانه وتعالى.































