مدير مركز الإمام الليث بن سعد لفقه التعايش بدار الإفتاء المصرية
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الصحية والاجتماعية، ويزداد فيه الجدل حول علاقة الدين بالطب، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه: كيف تنظر الشريعة الإسلامية إلى الجسد بوصفه أمانة، وإلى الصحة باعتبارها جزءًا أصيلًا من مقاصد الدين؟
سلامة الدارين
إن المتأمل في كليات الشريعة يدرك أن قيام مصالح الدارين موقوفٌ على سلامة الأبدان والأديان معًا؛ فالشريعة كما قرر الإمام ابن القيم في كتابه “زاد المعاد” أن: “مبناها وأسسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها”. ومن هذا المنطلق، تتجلى قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” باعتبارها الميزان الأدق لضبط حركة المكلف بين متطلبات الروح وحاجات الجسد.
تلازم العلوم
ولعل أولى عتبات هذا التوازن تكمن في إعادة صياغة العلاقة بين الخطاب الديني والإرشاد الطبي؛ فليس الطب في جوهره إلا شقيقًا للفقه في صيانة الضروريات الخمس. وقد أصَّل سلطان العلماء العز بن عبد السلام هذا التلازم بقوله الجامع: “الطب كالشرع، وُضع لِجلب مصالح السلامة والعافية، ولِدفع مفاسد المعاطب والأسقام”.
فقه التداوي
إن الاعتدال يقتضي ألا يُنظر إلى التداوي كخدش في التوكل، بل هو داخل في صميم الامتثال لأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تداووا عباد الله”؛ فالطبيب هو الموقّع عن الله في شؤون الخلق الجسدية، والفقيه هو الموقّع عنه في شؤونهم التعبدية، وكلاهما يغترف من مشكاة الحكمة الإلهية، تصديقًا للحكمة المأثورة: “العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان”.
رسالة الغذاء
ومن هنا تتضح فلسفة الشريعة في باب الغذاء، إذ جعلته وسيلةً لتقوية البدن وإعانته على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، وطبقت قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” في الغذاء بصرامة تربوية؛ فالإسراف لا يعد هدرًا للمال فحسب، بل هو جناية عظيمة على النفس أيضًا، وإنك لتجد هذا واضحًا في توجيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه”.
عبادة الحمية
وفي هذا السياق، يرى الفقه في “الحِمية” نوعًا من التعبد إذا نُوي بها حفظ النفس؛ لأن الشبع كما قال الإمام الشافعي: يُثقل البدن، ويُقسي القلب، ويُزيل الفطنة. فكل طعام يُفضي بآكله إلى علة أو يُعطله عن فريضة يدخل في دائرة “الضرار” المنهي عنه. فالمعدّة بيت الداء، والحِمية رأس كل دواء، والمسلم المتوازن هو من يجعل غذاءه بقدر، امتثالًا للتوجيه القرآني: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ).
زهد خاطئ
غير أن بعض الناس قد يتوهم أن القربة إلى الله تقتضي استنزاف القوى بالامتناع المطلق عن الطعام، بينما فقه المقاصد يقرر قاعدة كبرى: أن العبادة المؤدية إلى التلف معصية. يقول الإمام الشاطبي: إن التكاليف الشرعية إنما وجدت لمصالح العباد، فإذا خرجت عن المصلحة إلى المفسدة فليست من الدين.
ضرر محقق
ومن هنا يصبح الامتناع عن الطعام تعديًا على النفس ومحرمًا شرعًا في حالتين واضحتين: الأولى الضرر المحقق: إذا كان الصوم يُفضي إلى هلاك النفس أو تعطيل الحواس، لقوله تعالى: “وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ”.
ضرر متعدي
والثانية الضرر المتعدي: كإضرار الحامل بجنينها بامتناعها عن الطعام، فالقاعدة الأصولية المحكمة تقول: “الضرر يُزال”.
فقه التوازن
إن فقه التوازن يدعونا إلى ألا نُغرق أنفسنا في المادية فننسى أرواحنا، وألا نُغرقها في الزهد فنُهلك أجسادنا؛ فالعاقل من اتخذ من الفقه هداية، ومن الطب وقاية، ومن الاعتدال مركبًا للسلامة. فالدين لا يعادي الحياة، والشرع لا يناقض العلم، بل يجعلان الإنسان مسؤولًا عن روحه وجسده معًا، حتى تستقيم العبادة وتكتمل عمارة الأرض.































