الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، ومن رحمة الله بعباده أن جعله على المستطيع، يقول سبحانه: “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا”، ويقول نبينا: “بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وصَومِ رمضانَ وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا”.
والاستطاعة بدنية ومالية وإجرائية، أما البدنية فهي قُدرة الحاج على أداء مناسك الحج، فإن كان الإنسان عاجزا عن أداء هذه المناسك بنفسه وقادرا ماليا على إنابة من يحج عنه أناب من يحج عنه بشرط أن يكون ذلك الشخص قد حج عن نفسه، فعن ابنِ عبَّاسٍ- رضي الله عنهما- أن امرأةً من خَثْعمَ جاءت إلى رسول الله تستفتيه، “فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ فريضةَ اللهِ على عبادِه في الحجِّ أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيعُ أن يثبُتَ على الرَّاحلةِ، أفأحُجُّ عنه؟ قال: نعم”، وعن ابن عباس أيضا: “أنَّ امرَأةً مِن جُهَينةَ جاءَت إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: إنَّ أُمِّي نَذَرَت أن تَحُجَّ، فلَم تَحُجَّ حتَّى ماتَت، أفَأحُجُّ عَنها؟ قال: نَعَم، حُجِّي عَنها، أرَأيتِ لو كان على أُمِّكِ دَينٌ، أكُنتِ قاضيةً؟ اقضوا اللهَ؛ فاللهُ أحَقُّ بالوفاءِ”، غير أنه يُشترط أن يكون الشخص قد حج عن نفسه أولا، فقد سمع نبينا الكريم رجلًا يقولُ: لبَّيْكَ عن شُبْرُمَةَ، فقال: “مَنْ شُبْرُمَةُ؟ فَذَكَرَ أخًا له أو قرابةً، قال: أَحَجَجْتَ قَطُّ؟ قال: لا، قال: فاجعلْ هذه عنك، ثم حُجَّ عن شُبْرُمَةَ”.
ثم تأتي الاستطاعة المالية حيث لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وليس على غير المستطيع أن يستدين للحج، بل إن سداد الدين العاجل الذي حل موعد سداده مقدّم على الحج .
ثم تأتي الاستطاعة الإجرائية كأمن الطريق والحصول على التأشيرات والتصاريح اللازمة، وليس لأحد أن يحتال على ذلك بمخالفة القوانين المنظمة لا في الدولة المضيفة ولا الدولة التي يخرج منها للحج.
فمن عجز عن الحج بدنيا أو ماليا أو إجرائيا كأن ينوي الحج ثم يحول أمر لا دخل له فيه دون ذلك فهو بنيته وله الأجر إن شاء اللّه.
ثم إن الله لم يحرم أحدا من أبواب رحمته فجعل في العشر الأول من ذي الحجة أبوابا واسعة من الرحمة والفضل، يقول نبينا الكريم: “ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ. قالوا: يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ فقال: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ”، ويقول: “صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ، والسنَةَ التي بَعدَهُ”، وأبواب الخير واسعة مشرعة في كل وقت وحين، حيث يقول نبينا: “الصَّلَواتُ الخَمسُ، والجُمعةُ إلى الجُمعةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ: مُكَفِّراتٌ ما بينَهنَّ إذا اجتَنَبَ الكَبائِرَ”، وعن عبدالله بن سلام- رضي الله عنه- يقول: “لمَّا قدمَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ المدينةَ، انجَفلَ النَّاسُ قبلَهُ، وقيلَ: قد قدمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، قد قدمَ رسولُ اللَّهِ، قد قدمَ رسولُ اللَّهِ ثلاثًا، فَجِئْتُ في النَّاسِ، لأنظرَ، فلمَّا تبيَّنتُ وجهَهُ، عرفتُ أنَّ وجهَهُ ليسَ بوَجهِ كذَّابٍ، فَكانَ أوَّلُ شيءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ، أن قالَ: يا أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ، والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجنَّةَ بسَلامٍ”.































