يتجلّى الإنسان المصري في ملَكوت الله ككيانٍ صيغَ من طينة الصبر ومُدّ بمددٍ من فيض الإحسان، فهو السّبيكةُ الإنسانية الفريدة التي تعانقت فيها عبقرية المكان بجلال الزمان، لتصنع نموذجًا بشريًا استثنائيًا لا نظير له في العالمين، فهذا الإنسان هو مستودَع الأسرار الإلهية، والوارثُ الأمين لقيم الأنبياء وحكمة الحكماء، حيث انصهرت في سويداء قلبه أنوار الرسالات السماوية مع ثبات النيل الراسخ، فأضحى مجمعًا للفضائل، وموئلاً للسماحة، وقطب الرحى في عِمارة الكون وصناعة التاريخ، فليس من العجب أن نقول عن الشخصية المصرية: أنها تجلٍّ حيٌّ من تجلّيّات الّلطف الإلهي، تعيشُ بالرضا المُطْلَق، وتقتاتُ على الأمل الفسيح، وتصوغ من صعوبات الحياة لسانَ ذِكرٍ وشُكرٍ وجمال، فغدَت مرآةً صافيةً تعكسُ قيم الوسطية والاعتدال، وتنبذ في أصلها وفطرتها كل فكرٍ دخيلٍ غريبٍ يأباه طبعها السليم وأصلها الكريم الضارب في أعماق المجد.
إن المصري، هو ذاك الكائن الذي اتّصلت روحه بعوالِم الملكوت اتصالاً وثيقاً، فجعل من تديّنه حالة عشقٍ سماوية، ومن عمله المستمر محراب صلاة قائم، متمسّكاً بذروة السَّنام من الآداب الرفيعة والأخلاق السامية، ومحبًّا لآل بيت النبوّة الأطهار محبّةً ساريةً في عروقه مسرى الماء في الورد، فهو الحارسُ المرابط والدرع الحصين على ثغور الهُوية المصرية، فاستطاع عبر تقلُّبات القرون وتوالي الدهور أن يستبقي جوهره نقيًّا من الشوائب، وأن يحيل المِحن العِظام إلى مِنَحٍ ربّانيةٍ بفضل يقينه الراسخ في جود الله وكرَمه، لذلك فإنني أرى في كل فردٍ من أبناء هذا الشعب العظيم قَبَسًا من نورٍ إلهي، وقصّة صمودٍ أسطورية تروي للأجيال كيف يكون الإنسانُ خليفةً في الأرض بحقٍّ، يبني ليبقى، ويزرع ليحصد الجمال، وينشر في العالمين قاطبةً قيم الرحمة والمودّة والتعايش المشترك.
إنَّ الاعتناء بهذا الإنسان، واستجلاء كوامن العَظَمة المودَعة في نفسه، وإعانته بكافة السُّبل على تحقيق مراد الله فيه، هو المقصدُ الأسمى والغايةُ الأجلى التي يجب أن تتضافر حولها الجهود، فالمصري هو الثروة الحقيقية الباقية، والكنز المصون الذي نُفاخر به بين الأُمم والحضارات، والقيام على شؤونه وتنوير بصيرته بالعِلم والوعي ورفع شأنه في كافة المحافل هو من أسمَى معاني الوفاء لهذا الوطن العزيز، فما كانت الرّسالات إلا لإسعاد هذا الكيان البشَري المكرَّم، وما كانت الأمانة التي عُرضت على السماوات والأرض إلا لصون كرامته والارتقاء بوجدانه، ليبقى دوماً واجهةً حضاريةً تُشرق بالحق والخير والجمال في كل وقتٍ وحين.
إننا الآن في مرحلةٍ تقتضي منَّا استنفار العزائم لإعادة بناء الإنسان المصري من جديد بعد سنوات التجريف بناءً متكاملا، يجمع بين صفاء الروح واستنارة العقل وقوّة البناء، إيماناً بأن قوّة الأوطان من قوة إنسانها، ورِفعة الأمم من رِفعة وعي أبنائها، وبناءً على ما استقرّ في وجداننا من تعظيمٍ لهذا الكيان، وإدراكًا لمكانته السامية عند خالِقه، فإننا نؤمن يقينًا بأننا نتقرّب إلى الله في وزارة الأوقاف بخدمة الإنسان المصري، باعتباره غاية الغايات، ومحطَّ عناية الأرض والسماء، وصِمام أمان الإنسانية في مسيرتها نحو الرَّشاد والكمال.






























