هل تعلم أن “النمرود” حين جادَل سيّدنا إبراهيم- عليه السلام- وأن فرعون حين جادل سيّدنا موسى- عليه السلام- لم تكن مشكلتهما يومًا في غياب الدليل أو ضعف البرهان؟!
بل إن الحقيقة ظهرت أمامهما بوضوح لا يدع مجالًا للشك. لكن المشكلة الحقيقية كانت في الاستكبار.
فالإنسان لا يرفض الحق دائمًا لأنه لم يفهمه، بل قد يرفضه لأنه يدرك أن الاعتراف به سيكلِّفه الكثير؛
سيكلِّفه سُلْطته، أو صورته التي صنعها لنفسه، أو نمط الحياة الذي اعتاده، أو المكانة التي تعوّد أن يراها حقًّا مكتسبًا له، أو ربما يفرض عبئًا جديدا أو مسؤولية لا يبتغيها. فيكون العناد والاستكبار أفضل من حيث تقليل الخسائر.
وهذا ما يوضحه القرآن (فبُهت الذي كفَر). ومع هذا لم يؤمن ولم يصدِّق!
ولهذا يصبح الكِبر أحيانًا نوعًا من “التخدير النفسي”؛
وسيلة يهرب بها الإنسان من مواجهة الحقيقة الثقيلة، فيُقنع نفسه بالباطل لا لأنه أقوى من الحق، بل لأن الحق يفرض عليه تغييرًا لا يريد تحمُّله.
فلو اعترف “النمرود” بالحقيقة، لسقط ادّعاء العَظَمة.
ولو آمن فرعون، لتحوّل من متجبِّر يأمُر الناس إلى عبدٍ مأمورٍ يخضع للحق.
ومن هنا نفهم أن بعض الناس لا يتمسَّكون بأفكارهم لأن الأدلّة تؤيّدها، بل لأن سقوط تلك الأفكار يعني سقوط صورة كاملة بنَوْها عن أنفسهم.
ولذلك صوَّر القرآن الكفْر في كثير من المواضع على أنه مرض قلب وإرادة، لا مجرد نقص في الفهم أو الذكاء؛ فالإنسان قد يرى الحقيقة “عين اليقين”، ثم يرفضها فقط لأنه لا يريد أن يدفع ثمنها.































