ليست الكارثة في زماننا أن الناس يتكلّمون كثيرًا، بل أصبحت المعاني العظيمة تُستهَلك في أسواق الضوضاء، حتى غدا بعض الخطاب الديني والثقافي أقرب إلى صناعة الإثارة منه إلى صناعة الوعي. فالكلمة التي كانت قديمًا تُوقظ أمة، وتبني حضارة، وتُهذب روحًا، أضحت عند كثيرين وسيلةً للانتشار الرخيص، يُقاس صدقها بعدد المتابعين، لا بعمق أثرها في العقول والضمائر.
ومن هنا نشأت «تفاهة الطرح»؛ تلك الآفة التي تُفرغ الحقائق من جلالها، وتحول الدين من رسالة هداية إلى مشهدٍ للجدل والاستعراض، وتُنزِل الثقافة من مقام الفكر إلى مستوى اللهو العقلي.
وقد نبَّه القرآن إلى خطورة الكلمة حين قال سبحانه:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، لأن الكلمة ليست صوتًا يمر، وإنما قوةٌ تُنشئ وعيًا أو تهدمه.
وما أخطر أن يتصدر المشهد أناسٌ جعلوا الدين مطيةً للشهرة، يختزلون قضايا الأمة الكبرى في عباراتٍ مثيرة، ويستبدلون الحكمة بالصخب، والعلم بالاستعراض، مع أنه تعالى جعل أساس الدعوة الحكمة لا الضجيج، فقال: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. فالحكمة ليست زخرفًا لفظيًّا، بل عقلٌ راشد، وبصيرةٌ تعرف كيف تصون الدين من العبث والعقول من التضليل.
وكذلك أُصيبت الثقافة الحديثة بداء التفاهة، حتى صار بعض الناس يخلطون بين الحرية والانفلات، وبين الفكر الحقيقي والسخرية الجوفاء. فالثقافة التي لا ترتقي بالإنسان، ولا تُنمي حسَّه الأخلاقي والعقلي، ليست ثقافة، وإنما صورة من الفراغ.
وقد ذمَّ القرآن كل خطابٍ يُلهي الإنسان عن الحقائق الكبرى، فقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وما أكثر «لهو الحديث» في عصرنا؛ إذ لم يعد مجرد كلمات تُقال، بل صناعة كاملة تُميت التفكير، وتُغرق الناس في السطحية حتى يأنسوا بها.
إننا اليوم لا نحتاج فقط إلى مواجهة الجهل، بل إلى مقاومة «الابتذال المعرفي»؛ ذلك الذي يُحوِّل القضايا العظيمة إلى مادة استهلاك، ويُفرغ الدين والثقافة من رسالتهما الحضارية. فالكلمة أمانة، ومن خان الأمانة الفكرية فقد خان الأمة كلها،وإن أخطر ما تفعله تفاهة الطرح أنها تُفسد الذوق العقلي للأمة؛ فيصبح صاحب الحكمة غريبًا، وصاحب الضجيج نجمًا، ويعلو المستعرِض على المفكر، والمتكلم على العالِم. وحين تُهان المعاني في أمةٍ ما، يبدأ سقوطها الحقيقي؛ لأن الحضارات لا تنهار حين تفتقر إلى المال وحده، بل حين تفقد احترامها للعقل، وقداستها للكلمة، وإيمانها بأن الفكر أمانة لا لعبة،ولعل أعظم ما نحتاجه أن نعيد للعلم وقاره، وللدين جلاله.































