متابعة- جمال سالم:
أكد د. خالد راتب- عميد كلية الإعجاز العلمي، جامعة خاتم المرسلين العالمية- أن هناك إعجازا تشريعيا في مناسك الحج الذي ليس مجموعة طقوس منفصلة، بل منظومة تشريعية محكمة تصنع إنسانًا جديدًا وتبني مجتمعًا متوازنًا وتُحقق مصالح الدنيا والآخرة في آنٍ واحد، كما قرره القرآن الكريم وطبّقه النبي محمد ﷺ عمليًا، وتبدأ المرحلة الأولى بالاستعداد والنية (بداية التحول الداخلي) قال ﷺ: “إنما الأعمال بالنيات” لأن التشريع يبدأ من القلب قبل الجسد..جاء ذلك في محاضرته بجمعية أساتذة الجامعات العالمية عن “جوانب الإعجاز في الحج”
أوضح الإعجاز التشريعي في البداية بالنيّة يتضمن تصحيح الدافع قبل العمل، وتحويل السفر إلى عبادة، وجعل الإخلاص أساس كل خطوة لأن الحج يبدأ من الداخل قبل أن يبدأ من الطريق، أما المرحلة الثانية وهي الإحرام تمثل (خلع الهوية الدنيوية) قال الله تعالى:” فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ”، والإعجاز التشريعي فيها توحيد اللباس يمثل إسقاط الفوارق الطبقية، كذلك منع الصيد والأذى يمثل صناعة السلام البيئي، وأيضا منع الجدال يمثل خفض التوتر الجماعي، اما ضبط الشهوة واللسان يمثل تدريب سلوكي مكثف وكأنه معسكر تدريبي أخلاقي عالمي، أما المرحلة الثالثة وهي “التلبية” فهي إعادة تعريف الهوية.. لبيك اللهم لبيك، والإعجازفهي أنها ترسيخ العبودية، صناعة هوية جديدة للحاج، وتوحيد الشعور الجماعي وكأنها إعادة برمجة نفسية جماعية.
أشار إلى أن المرحلة الرابعة: الطواف حول الكعبة:” وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ” حول الكعبة المشرفة، وإعجاز فيها: توحيد الاتجاه والمركز والهدف، اما الإعجاز التشريعي فيها فهي إعلان أن الله هو مركز الحياة، وإذابة الفردية داخل الجماعة، وخلق وحدة شعورية عالمية، أما المرحلة الخامسة: السعي بين الصفا والمروة :”إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ” الإعجاز التشريعي ففيه ترسيخ قيمة العمل والأخذ بالأسباب، وربط التوكل بالسعي، وتكريم دور المرأة في صناعة الحضارة، وتربية الأمل وعدم اليأس، وبالتالي فإن رسالة الحج في السعي “لا رزق بلا سعي”. أما المرحلة السادسة: الوقوف بعرفة (ذروة الحج): قال ﷺ:”الحج عرفة” ومن يتامل الوقوف سيجده بعد أيام من الحركة يأتي السكون الكامل، والإعجاز أن فيه تفريغ الشحنات النفسية، قمة التوبة الجماعية، أعظم اجتماع دعائي في التاريخ، وبالتالي فإن عرفة يوم إعادة الميلاد الروحي، اما المرحلة السابعةوهي المبيت بمزدلفة (التربية على البساطة) لأن ملايين البشر ينامون على الأرض، والإعجاز التشريعي أن فيها كسر الترف الذي يطغي النفس، وتدريب على الصبر، وتحقيق المساواة الحقيقية، اما المرحلة الثامنة فهي رمي الجمرات، والإعجاز أن فيها تحويل مقاومة الشيطان إلى سلوك عملي، وتدريب على اتخاذ القرار ضد الإغراء، وتكرار رمزي يرسخ الرفض الداخلي للشر، إنه برنامج عملي لمقاومة الشهوات.
وأنهي “د. راتب” محاضرته موضحا أن المرحلة التاسعة هي الهدي والحلْق تمثّل التضحية والتجدُّد: قال تعالى: “فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ”. والإعجاز انها عبادة وتكافل اجتماعي وتوزيع غذاء عالمي، وإعلان بداية حياة جديدة بالحلْق، أما المرحلة العاشرة وهي طواف الوداع ويمثل خاتمة الرحلة،والإعجاز أنه ربط النهاية بالبداية، وتثبيت التوحيد في القلب قبل الرحيل، وبقاء أثر الرحلة بعد العودة، في النهاية فإن الحج برنامج إعادة بناء الإنسان وليس رحلة أيام بل رحلة تغيير عمر كامل، تشريع يبدأ بتطهير القلوب وينتهي بصناعة إنسان جديد يعود إلى الحياة أقرب إلى الله وأصلح للمجتمع.






























