الحجُّ معراجٌ لا يُقطع بحدود الركائب، بل بصدق الرغائب؛ فرحلة الحج إلى بيت الله الحرام تبدأ من هجر العبد لـ “كونه” ليفوز بحضرة “مكوِّنه”.
ومن هنا يجب الحديث عن الاستطاعة التي تحدث عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}، وقول الرسول الكريم ﷺ في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً».
ومن هنا وجب الحديث عن الاستطاعة المادية والاستطاعة الروحية؛ فالاستطاعة المادية زادٌ من حلالٍ لربٍّ طيب. ولا يغيب عنك -أيها القارئ والمستمع- الاستطاعة الروحية، وهي القدرة على فهم الدلالات الباهرة لهذه الشعيرة العظيمة؛ فالاستطاعة ليست مجرد تكديس للمال لقطع التذاكر وغيرها، بل هي في جوهرها إيثارُ الله عزَّ وجلَّ بكسْر شهوة حبّ الدنيا الذي أفنى فيه الإنسان العُمر، علماً أن الأهم من جمع المال هو طهارته.
إن السفر إلى ملك الملوك يقتضي زاداً لا تشوبه شائبة، فكيف نقصد الله بمال نبت من رِبا، أو بيع فاسد، أو أكلٍ لحقوق الناس؟ ومن هنا نؤكد أنه لا يليق بالمسلم أن تكون استطاعته غُرماً من دَين يثقل كاهله، أو مالاً فيه شبهة تحجب صوته حينما يقول: “لبيك اللهم لبيك”، فينادى: “لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام ونفقتك حرام وحجك مأزور غير مأجور”.
إن حيازة الاستطاعة الروحية لها ثمار؛ منها أن القلب يتذوق لذة الاتصال في الطواف، وكرامة اللقاء في عرفات الله، فيبرئ ذمته، ويسترضي والديه، ويُصلح المشاحنات، ويكتب وصيته؛ لأنه مسافر إلى دار قد لا يعود منها.
نسأل الله الإخلاص في النيّة لله تعالى عند الإهلال بالحج، وأن يكتب الحج لكل مشتاق. اللهم آمين يا رب العالمين، ببركة الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ.






























