إن العمل قيمة إنسانية رفيعة، ومقوم أساسي من مقومات الحضارة الإنسانية، وركيزة جوهرية في بناء الإنسان وصناعة المستقبل، فالحضارات لا تقوم بالشعارات، وإنما تُبنى بسواعد العاملين، وفكر المبدعين، وجهد المخلصين الذين يحوّلون الأفكار إلى واقع، والطموحات إلى إنجازات ملموسة، ومن هنا فإن ما يقدّمه العمال في مختلف المهن هو الأساس الحقيقي لنهضة الأوطان واستقرارها، لأن العمل هو الذي يصنع الحياة ويضمن استمرارها وتقدمها.
إن العمل في التصور الإسلامي ليس مجرد وسيلة للرزق، بل هو عبادة ومسؤولية في آن واحد، كما أنه مطلب قانوني وواجب وطني وأخلاقي، لذلك يجب على كل إنسان أن يؤدي عمله بأمانة وكفاءة وإتقان، إدراكًا منه أن الإخلاصَ في العمل جزء من الإيمان، وأن التقصير فيه ينعكس سلبًا على الفرد والمجتمع، وقد جسّد النبي- صلى الله عليه وسلم- هذا المعنى في قوله: “ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده”، وهو توجيه نبوي عظيم يرسّخ ثقافة الاعتماد على الذات، ويُعلي من قيمة الكسب الحلال، ويربط بين العبادة والعمل، بحيث يصبح العمل الصادق طريقًا للبركة والكرامة الإنسانية.
وتقوم مقاصد الشريعة الإسلامية على ثلاثة محاور كبرى: الإيمان، التزكية، العمران، حيث يمثل العمران ثلث هذا البناء المتكامل، باعتباره المجال الذي تُترجم فيه القيم الإيمانية والأخلاقية إلى واقع عملي، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وهو توجيه إلهي يحمل الإنسان مسؤولية البناء والإصلاح، وحسن استثمار الموارد، وعدم الإفساد في الأرض، بما يحقق النفع للفرد والمجتمع، ويضمن استدامة الحياة وازدهارها.
وتتدرج مراتب الإتقان في العمل من مجرد أداء الواجب إلى أعلى مراتب الجودة، حيث تبدأ بإجادة الأداء والالتزام بالمسؤولية، ثم ترتقي إلى الدقة والانضباط في التنفيذ، وصولًا إلى مرتبة الإحسان، وهي أعلى درجات العمل، حيث يستشعر الإنسان رقابة الله تعالى في كل ما يقوم به، فيؤدي عمله بإتقان كامل، لا يطلب به إلا وجه الله وخدمة الناس، فيتحول العمل إلى قيمة حضارية راقية.
وفي ضوء ذلك، جاء الاهتمام بترسيخ “فلسفة العمران” ضمن الخطاب الديني المعاصر، تأكيدًا على أن الإسلام دين بناء لا هدم، وإعمار لا تخريب، وقد تبنّت وزارة الأوقافِ هذا التوجه في خطابها الدعوي، وكان من تجلياته انعقاد المؤتمر السنوي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بعنوان: «المهن في الإسلام: أخلاقياتها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، والذي انبثقت عنه «وثيقة القاهرة: المهن في الإسلام وفلسفة العمران»، تأكيدًا على عالمية رسالة العمل، وضرورة إحياء قيم الإتقان والإبداع في مختلف المجالات، بما يواكب تطورات العصر ويحافظ على القيم الأصيلة في آن واحد.






























