العلاقة بين الإرهاب وحقوق الإنسان علاقة عكسية، فحيث وُجِدَ الإرهاب ثلاشى الكثير من حقوق الإنسان، وأولها الحق في الحياة، فيقول سبحانه: “أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”، والإحياء هنا هو الإحياء المجازي، إذ الإحياء الحقيقي الذي هو البعث بعد الموت لله وحده دون أحد من خلْقه.
والإحياء المجازي يشمل كل ما يحفظ للنفس مقوِّمات حياتها ويدفع عنها الهَلَكَة، فمن دفع عن النفس الهلاك أو القتل بمكافحة الإرهاب أو إحلال السلم وإطفاء نار الحرب فكأنما أحيا الأنفس التي كانت عُرضة للهلاك، ومن عبَّد لها الجسور والطُّرق فقلَّل حوادث السير فقد دفع عنها جانبا من الهلاك.
ثُمَّ إن من أهمّ حقوق الإنسان، الحقّ في الحياة الكريمة والحصول على الخدمات وبخاصة الضرورية منها، فمن وفَّر للناس المياه العذبة الصالحة للشرب أو قام باستصلاح الأراضي ليوفّر لهم أقواتهم فقد سعى في إحياء الأنفس، وكذلك من وفّر للناس المأوى أو العلاج أو غير ذلك مما لا تقوم حياة البلاد والعباد إلا به.
بل إن السَّهر على أمن الناس وغلِّ يد البلطجة والإجرام عنهم وحمايتهم من تجّار السموم والمخدّرات لَحَقٌّ أصيل من أهم حقوق الإنسان، فلا حياة بلا أمن، ولا استقرار بلا أمن، ولا استثمار بلا أمن، فالأمن والأمان هما قوام الحياة وأهم عمدها، يقول نبينا: “من أصبح منكم آمنا في سِرْبِه معافًى في بدنه عنده قوْت يومه فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها”.
ومن أهم حقوق الإنسان حقّه في إقامة شعائر دينه في أمن وأمان بلا خوف من الاستهداف أو المخاطر التي يتعرّض لها الناس في دور عبادتهم حينما يطل الإرهاب الأسود بوجهه القبيح فيستهدف الناس في مساجدهم أو كنائسهم على الهُوية الدينية أو المذهبية، التي تحاول الجماعات الإرهابية والمتطرفة حملهم عليها إجبارا وإكراها، وهو ما يتنافى مع قوله تعالى: “لا إكراه في الدين”، وقوله: “أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”، ويقول: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”، فسُنَّة الله في كونه هي التنوع الذي يعد ثراء للمجتمعات، وأكثر الدول إيمانا بالتنوع وقبول الآخر هي أكثر الدول أمنا وأمانا واستقرارا وتقدُّما وازدهارا، أما الدول التي وقعت في فوضى الإرهاب أيًّا كان نوعه دينيا أو عِرقيا أو طائفيا أو قَبَليا دخلت في دوائر خطيرة من الفوضى.
ولا شك أن الإرهاب مدمّر لكل ذلك، فدأْب الإرهابيين هو القتل والتدمير والفساد والإفساد وترويع الآمنين، ولاشك أن ذلك كله يتنافي مع حقوق الإنسان ورسالة ومقاصد الأديان التي قامت على حفظ النفس والمال والعِرض، يقول سبحانه: “ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد”.
والواقع المعايَن خير شاهد، فأروني دولة واحدة حل بها الإرهاب ولم يحل بها الخراب والدمار، وصار أهلها شتاتا، بعضهم لا مأوى له، ومن وجد منهم المأوى غالبا ما يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، فضلا عن تفرّق الأهل وتشتّت أبناء الأسرة الواحدة، وفقدان الأوطان، وغياب الأمن النفسي والأمان الحقيقي، مما يجعل من مكافحة الإرهاب حقا أصيلا من حقوق الإنسان، نسأل الله العلي العظيم أن يحفظ مصرنا العزيزة من كل مكروه وسوء وأن يجعلها أمنا أمانا إلى يوم الدين.






























