في خضمّ التغيّرات المتلاحقة التي يشهدها قانون الأحوال الشخصية، أو ما يُعرف بقانون الأسرة، تتصاعد حالة الجدل المجتمعي حول موادّ تمسّ بصورة مباشرة كيان الأسرة المصرية واستقرارها. فبعد أن تُستنفد كل محاولات الصلح والتسوية الودية بين الأطراف، يصبح القضاء هو الملاذ الأخير لإنصاف المظلوم، وردع المتجاوز، وحفظ الحقوق من الضياع. غير أنّ الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي نعيشه اليوم أفرز اختلالات عميقة في مفهوم الحقوق والواجبات، وأعاد تشكيل العلاقات الأسرية بصورة باتت تهدد تماسك الأسرة ذاتها.
لقد فرضت الأزمات الاقتصادية الطاحنة واقعًا جديدًا، دفع البعض إلى إعادة تعريف مفهوم “الشراكة” داخل الحياة الزوجية، فأصبح بعض الرجال يطالبون الزوجة بتحمل الأعباء المالية كاملة أو مشاركته فيها تحت لافتة “المساواة”، بينما تناسوا أن المرأة عبر الأجيال كانت شريكة حقيقية في بناء البيت من الداخل؛ تُدير شؤونه، وترعى الأبناء، وتمنح الزوج السكينة والدعم النفسي والوجداني، في مقابل رجلٍ يتحمل مسؤولية الإنفاق، ويحفظ كرامة أسرته، ويجتهد لتوفير حياة مستقرة لأبنائه وهنا يكون للزوج هيبة ووقار ووزن يفتقر اليه البعض الان وتطيعه الزوجة لأنها تشعر بالأمان . وهي المعادلة التي أرثاها الدين، ودعت إليها الفطرة السليمة.
إلا أنّ البعض اليوم لا يرى من العلاقة الزوجية سوى ما له من حقوق، متغافلًا عمّا عليه من واجبات. فرغم وضوح التوجيه النبوي الشريف: “من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم”، فإننا أصبحنا أمام ظواهر دخيلة، يُطالب فيها بعض الرجال أهل العروس بتحمل تكاليف تجهيز بيت الزوجية بالكامل، بل ويتعامل البعض مع الزواج وكأنه “منّة” يقدمها للمرأة بزعم إنقاذها من شبح العنوسة، لتتحول العلاقة إلى ساحة مساومات وانتقاص من الحقوق.
ومن هنا يبرز الجدل الدائر حول “قائمة المنقولات”، حيث يطالب البعض بإلغائها تمامًا من مشروع القانون الجديد، رغم أنها أصبحت في كثير من الأحيان الضمان الوحيد لحفظ حقوق المرأة بعد أن تحولت بعض الزيجات إلى عقود مؤقتة تُهدر فيها الكرامة والحقوق معًا. فإذا كان الدين قد حمّل الرجل مسؤولية تجهيز بيت الزوجية، فلماذا تُجبر المرأة وأسرتها على تحمل هذه الأعباء من الأساس؟ وإذا كان العرف قد فرض “القائمة”، فإن الخلاف حولها يفرض العودة إلى أصل الشرع ومقاصده العادلة.
الحضانة
أما ملف الحضانة، فيظل أحد أكثر الملفات إثارة للجدل والتشابك؛ إذ يمنح القانون الحالي الأم حق الحضانة ما لم تتزوج من أجنبي، فتُسقط عنها الحضانة تلقائيًا في حاله زواجها وتنتقل إلى الجدة من جهة الأم. وهنا يبرز التساؤل المشروع: كيف يُعاقب القانون المرأة على حقٍ شرعي كفله لها الدين؟ وكيف تُجبر الأم على الاختيار بين حقها في تكوين حياة جديدة، وحقها الفطري في تربية أبنائها؟
وعلى الناحية الأخرى، يُتاح للرجل الزواج مجددًا دون أن يفقد أيًا من حقوقه الأبوية أو الاجتماعية، الأمر الذي دفع كثيرًا من الأمهات إلى التحايل القانوني بنقل الحضانة إلى الجدات، حتى يتمكنّ من استكمال حياتهن دون خسارة الأبناء. فتقضي المرأة سنوات عمرها رهينة تجربة زواج فاشلة، تؤجل حياتها ومستقبلها من أجل أطفالها، حتى تجد نفسها في نهاية المطاف وحيدة بعد أن يكبر الأبناء وينشغل كلٌّ بحياته الخاصة.
فأذا اصبح الاب في المرتبة الثانية بعد الام هل يحرم هو ايضا من الزواج مره اخري كما فرض القانون على الأم؟ وهل يستطيع الأب ان يراعي ابنائه؟ ، فطبيعة الرجل عملية وسعيه الدائم وراء الرزق تجعل تفرغه الكامل لتربية الأبناء أمرًا بالغ الصعوبة، وهو ما يفسر تخوف قطاع واسع من الأمهات من منح الأب أولوية مباشرة في ترتيب الحضانة. وقد يؤدي ذلك، في ظل غياب حلول متوازنة، إلى زيادة معدلات الزواج العرفي والتحايل القانوني، وهي ظواهر تسعى الدولة إلى الحد منها لا تكريسها.
“الاستزارة”
ومن القضايا الحساسة أيضًا قضية “الاستزارة”، وهي حق أصيل لكل أب متزن نفسيًا يسعى للحفاظ على علاقته بأبنائه، والمشاركة الحقيقية في تنشئتهم نفسيًا وتربويًا. غير أنّ الواقع يكشف عن نماذج صادمة لآباء تخلّوا عن مسؤولياتهم كاملة، فبعض الآباء يطلقون أبناءهم مع الأم، ولا يرغبون في التواصل معهم، وقد يصل الحال ببعضهم إلى الرغبة في اعتباره من “أعداد الموتى”، وهو على قيد الحياة حيٌّ يُرزق. والبعض الآخر يرفض الإنفاق على الأبناء حتى في حالة قدرته المالي علي هذا، وهنا يكون دورالدولة في إرغامه على الإنفاق على أبنائه، وهو ما يكون ضد رغبته، فيستغل الأبناء ويقوم بخطفهم وحرمانهم من الأم ، وقد يصل الحال بالبعض إلى حرمان أبنائه من التعليم، لينتقم من الأم أو ليطالبها بالتنازل عن حقها أو حق الأبناء كنوع من أنواع ليّ الذراع.
وقد سمعنا عن حوادث كثيرة في الفترة الأخيرة، من زوجة أب قامت بتسميم أبناء الزوج ومحاولة قتلهم، وجدة حقنت أحفادها بمادة الكلور كرهًا في الأم. فكيف لمشروع قانون أن يرسل الأبرياء إلى كهوف الضباع، ولا يضمن عودتهم سالمين جسديًا ونفسيًا مرة أخرى إلى أحضان الأمهات؟! وهل هناك آلية فعالة للتنفيذ وردع هذه الحوادث؟ وهل هناك مؤسسات اجتماعية تراقب وتتابع الحالة الاجتماعية والنفسية لهذه العائلات؟ وهل سترسل الدولة لجانًا لمعاينة أماكن الاستزارة، وهل هي مهيأة لاستضافة الأطفال، أم سنجد حوادث أخرى كإلقاء الأطفال من الشرفات كما حدث في إحدى الحوادث التي باتت شبه يومية؟! وهل الدولة تملك آليات لمنع تعرض الأطفال للعنف بعيدًا عن الأنظار، كما حدث في إحدى وقائع الرؤية التي تعرض فيها طفل للضرب المبرح؟ فيتحول الأطفال الابرياء إلى وسيلة ضغط وانتقام بين الطرفين.
فقد شهد المجتمع في الآونة الأخيرة حوادث مأساوية تقشعر لها الأبدان؛ وهو ما يطرح تساؤلات خطيرة حول قدرة الدولة على توفير آليات رقابة حقيقية تضمن سلامة الأطفال نفسيًا وجسديًا أثناء تنفيذ تلك الأحكام. أم أننا سنظل ننتظر وقوع الكوارث ثم نتحرك بعد فوات الأوان؟
الحقيقة المؤلمة أن الأزمة لم تعد في نصوص القانون وحدها، بل في ضعف آليات التنفيذ والرقابة. فهناك آلاف الأحكام القضائية التي تبقى حبرًا على ورق، بسبب بطء الإجراءات أو ضعف التنفيذ، الأمر الذي يمنح البعض مساحة واسعة للتحايل والتعنت والاستهانة بسلطة القانون.
مسكن الحضانة
أما ما يتعلق بـ”مسكن الحضانة”، فهو الآخر يمثل بؤرة صراع مستمرة بين الطرفين. فالقانون يمنح الأم حق الإقامة في مسكن الزوجية طوال فترة الحضانة، ثم يعود المسكن للأب بعد انتهائها. ورغم أن الهدف حماية الأبناء، إلا أن الواقع أثبت أن هذا الملف كثيرًا ما يتحول إلى معركة قد تدفع أحد الأطراف إلى ارتكاب جرائم بدافع الشعور بالظلم أو فقدان المأوى.
ولهذا، يصبح تدخل الدولة ضرورة حتمية، ليس فقط عبر التشريع، وإنما من خلال توفير حلول اجتماعية عادلة، مثل إنشاء مساكن مدعومة للمطلقات والأبناء، يساهم فيها الطرفان بصورة تحفظ كرامة الجميع، وتضمن استقرار الأطفال نفسيًا ومعيشيًا وتكون على نفس المستوى الاجتماعي التي تعود عليه الاطفال حتي لا يشعرون بالدونية، وهو ايضا ما يحمي الأم في شيبتها بعد ان يكبر الابناء ويسعي كل في طريقه فلا تجد نفسها بلا مأوى ومطالبه بالسعي لتوفير مسكن في شيبتها.
كما أن تقاعس بعض الآباء عن سداد المصروفات الدراسية يدفع كثيرًا من الأمهات إلى الاستدانة أو العمل فوق طاقتهن حتى لا يُحرم الأبناء من التعليم. وهنا يجب أن يكون للدولة دور أكثر فاعلية، عبر إنشاء منظومة عاجلة لسداد تلك الالتزامات ثم تحصيلها مباشرة من الأب عن طريق الخصم المباشر من المرتب او الاملاك والحسابات البنكية وهو ما تستطيع الدولة معرفته وتداركه وعدم السماح للبعض في التحايل على القانون، بدلًا من ترك الأبناء فريسة لتعقيدات المحاكم وإجراءات التقاضي الطويلة.
وفي خضم كل ذلك، تتسع على مواقع التواصل الاجتماعي حملات منظمة لتشويه صورة المرأة المصرية، وإشعال الصراع بين الرجل والمرأة، وكأن الأسرة أصبحت ساحة معركة لا كيانًا قائمًا على الرحمة والمودة والتكامل.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أن الأب مسؤول عن أبنائه مهما تبدلت الظروف، وأن الأم شريكة أساسية في صناعة الأجيال، وأن الدولة مطالبة بتطوير آليات حقيقية لتنفيذ قوانينها بعدالة وحزم. فميزان العدل الإلهي لا يغفل أحدًا، وسيأتي يوم تقف فيه كل نفس لتحاسب عمّا قدمت، فهل أعددنا أنفسنا لذلك اليوم؟






























