في عصرٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي من أكثر المؤثرات حضورًا في تشكيل الأفكار والاتجاهات، برزت ظاهرة يمكن وصفها بـ”الترند القبيح”، وهي ذلك المحتوى الذي يسعى إلى الانتشار لا بقيمة ما يقدمه من علمٍ أو نفعٍ أو إبداع، وإنما بما يثير الغرائز، أو يخدش الحياء، أو يستخف بالعقول، طلبًا للشهرة وتحقيقًا للمكاسب السريعة.
والمشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود هذا المحتوى فحسب، بل في تحوله إلى نموذجٍ للنجاح عند بعض الناس، حتى صار بعض صناع المحتوى يعتقدون أن الطريق الأقصر إلى الشهرة يمر عبر تجاوز القيم والتقاليد، والتخلي عن المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع. وهكذا تنتقل المنافسة من تقديم الأفضل إلى البحث عما يحقق الانتشار بأي وسيلة كانت.
إن الترند القبيح لا يفسد مشهدًا إعلاميًا فحسب، بل يؤثر في منظومة القيم ذاتها؛ إذ يرفع من شأن التافه، ويمنح الاهتمام لمن لا يملك رسالةً أو علمًا أو خلقًا، بينما تتراجع النماذج الجادة التي تسهم في بناء الإنسان وتقدمه. ومع كثرة التكرار يصبح ما كان مستهجَنًا مألوفًا، وما كان مرفوضًا مقبولًا، فتتعرض البوصلة الأخلاقية لاضطرابٍ تدريجي لا يشعر به كثير من الناس إلا بعد استفحاله.
وقد جاءت الشريعة بحماية المجتمع من كل ما يفسد أخلاقه أو يضعف مناعته القيمية، قال تعالى “إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون”.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد المشاهدات، ولا بكمية المتابعين، وإنما بما يتركه من أثرٍ نافع في حياة الناس. فالتاريخ لا يحفظ أصحاب الشهرة العابرة، وإنما يخلد أصحاب الرسالات والأفكار والمواقف التي أسهمت في إصلاح الإنسان وعمران الحياة.
ومن هنا فإن مواجهة الترند القبيح ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من وعي الفرد بما يتابعه ويدعمه وينشره. فالجمهور شريكٌ في صناعة المحتوى؛ إذ إن ما يحظى بالمتابعة يزداد حضورًا، وما يُهمل يتراجع تلقائيًا. لذلك فإن الانتصار للقيم لا يكون بالإنكار فحسب، بل بإحياء البديل النافع، ودعم المحتوى الجاد، وتوجيه الاهتمام إلى ما يبني العقول ويرتقي بالأذواق.
فليست كل شهرة نجاحًا، وليست كل متابعة إنجازًا، وإنما النجاح الحق أن يبقى أثر الإنسان شاهدًا له لا عليه، وأن يكون حضوره سببًا في بناء القيم لا في تقويضها.































