يقول سبحانه في وصف أهل الكهف: “نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى”، ويقول في حق سيدنا يحيى عليه السلام: “يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا”، ويقول في شأن سيدنا يوسف عليه السلام: “وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”، ويقول في شأن سيدنا موسى عليه السلام: “وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”.
وقد حثَّنا نبينا الكريم على اغتنام مرحلة الشباب، فقال: “اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِك”، وقال: “سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: إمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادةِ اللهِ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ في خَلاءٍ ففاضَت عَيناه، ورَجُلٌ قَلبُه مُعَلَّقٌ في المَسجِدِ، ورَجُلانِ تَحابَّا في اللهِ، ورَجُلٌ دَعَتْه امرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ إلى نَفسِها، قال: إنِّي أخافُ اللهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ فأخفاها حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما صَنَعَت يَمينُه”.
وأولَى- صلى الله عليه وسلم- الشبابَ اهتمامًا كبيرًا ومنحهم الثقة، وأحسن توظيف طاقاتهم وقُدراتهم، وهيَّأ الظروف لتنمية مواهبهم، وتعظيم الاستفادة مما أفاء تعالى عليهم به من قوّة البدن، ورجاحة العقل، ولين القلب، ولُطف المشاعر، فهذا سيدنا معاذ بن جبل- رضي الله عنه- يمنحه النبي ثقته، ويولِّيه على اليمن وهو في ريعان شبابه، كما ولّي سيدنا أسامة بن زيد- رضي الله عنهما- قيادة الجيش وكان عُمره ثمانية عشر عامًا، في وجود كبار الصحابة رضي الله عنهم.
وهذا سيّدنا سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- يختاره النبي ليكون من أصحاب الشورى، وكان النبي يشير إليه قائلاً: “هذا خالي فليُرني امرؤ خاله”، وكان عُمره سبعة عشر عامًا.
وهذا سيدنا أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- يكلِّف سيدنا زيد بن ثابت- رضي الله عنه- بجمع القرآن الكريم، قائلًا له: (إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلاَ نَتَّهِمُكَ، كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ)، وهو تكليف عظيم، ومهمة كبيرة قال عنها سيدنا زيد: (فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآن)، وكان سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يجلِس ابن عباس- رضي الله عنهما- وهو في ريعان شبابه في مجلس شورى كبار الصحابة، ويقول: (ذَاكَ فَتَى الْكُهُولِ، إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا، وَقَلْبًا عَقُولًا).
ولم يقف دور الشباب عند عصر النبوة والخلفاء الراشدين، ففي العصر الأموي نبغ شباب كثيرون منهم محمد بن القاسم بن محمد، الذي نشأ وترعرع وتدرَّب على الجندية، حتى أصبح من كبار القادة العسكريين في عصره، وعُمره لم يتجاوز سبعة عشر عامًا، وفتح بلاد السِّند، وفي الأندلس نبغ “عبدالرحمن الداخل” الذي أسّس الدولة الأموية في الأندلس.
ولسنا نبالغ إذا قُلنا: إن كثيرًا من مظاهر التقدُّم والتطوّر العلمي الذي يعيشه العالم في العصر الحديث في شتّى المجالات، قائم على أكتاف الشباب الذين أسهموا بجهود متميّزة في خدمة الإنسانية.
هذا وأؤكد: أننا في حاجة مُلِحَّة إلى طاقات الشباب وحماسهم وإلى خبرة وحكمة ذوي الخبرة من الشيوخ وغيرهم على حدٍّ سواء، وأن العلاقة بين الأجيال المتعاقبة يجب أن تكون علاقة تكامل لا صراع ولا إقصاء، فالوطن لكل أبنائه وهو بهم جميعا ولا يمكن أن ينهض أو يتقدَّم ببعضهم دون بعض أو بإقصاء بعضهم بعضا.






























