حين نتأمّل المشهد الثقافي والفكري في مصر خلال العقود الأخيرة، نجد أن العلمانية المصرية لم تتعثَّر بسبب قوّة خصومها فقط، وإنما تعثّرت كذلك بسبب أزماتها الداخلية وأسئلتها المؤجَّلة وتناقضاتها المتراكمة، وقد تعثّرت مؤخّرا بسبب إفلاسها المادي وتعثّرها المالي وعدم وجود موارد مادّية كافية لاستمرار حضورها الإعلامي والثقافي وقدَّمت نفسها باعتبارها مشروعًا للتحديث والعقلانية والتحرُّر، وإنما أخفقت في بناء جسور حقيقية مع وجدان المجتمع المصري الذي ظلّ متمسّكًا بهُويته الدينية والحضارية.
فالمجتمعات لا تعيش بالأفكار المجرَّدة وحدها وإنما تعيش بما يستقر في ضميرها من قيم ومعان ورموز.
وكانت المعضِلة الكبرى أن كثيرًا من رموزها لم يفرّقوا بين نقد بعض الممارسات السياسية وبين الصدام مع التديّن ذاته، فبدا الأمر لدى قطاعات واسعة من الناس وكأنّه مواجهة مع عقيدتهم وقيمهم لا مجرد اختلاف فكري أو سياسي مع شعور داخلي متزايد بالاغتراب والارتباك وفقدان اليقين.
كما أن الخطاب العلماني ظل في كثير من الأحيان حبيس النُّخب والصالونات الثقافية، يتحدّث بلُغة بعيدة عن اهتمامات المواطن البسيط الذي كان يبحث عمّن يشاركه همومه اليومية ويشعر بمعاناته ويخاطبه من داخل بيئته وثقافته.
ومع مرور الوقت تراجعت قُدرته على إنتاج خطاب جديد قادر على الإقناع واكتفى في أحيان كثيرة بتكرار الشّعارات نفسها، بينما كانت التحوّلات الاجتماعية والثقافية تسير في اتجاه مختلف!
ولهذا فإن الحديث عن إخفاق العلمانية المصرية هو حديث عن فشل تجربة لم تستطع أن تتحوّل إلى مشروع مجتمعي راسخ قادر على التواصل مع وجدان الناس والتعبير عن تطلّعاتهم والإجابة عن أسئلتهم الكبرى.
فالأفكار لا تسقط لأنها تُحارَب فقط وإنما تسقط حين تفقد قدرتها على الإقناع، وحين تنفصل عن واقع المجتمع، وحين تعجز عن فهم الهُوية العميقة للأمّة التي تحاول مخاطبتها.
مع ملاحظة أن العلمانية في أصل مفهومها الغربي، هي رؤية فكرية وسياسية تقوم على الفصل بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة، وإدارة الشأن العام على أساس القوانين الوضعية والعقل الإنساني دون أن تكون المرجعية الدينية مصدرًا ملزِمًا للتشريع السياسي.
وقد نشأت في سياق تاريخي خاص بأوروبا نتيجة صراع طويل بين الكنيسة والسُّلطة السياسية، ثم انتقلت إلى مجتمعات أخرى تختلف في ظروفها وتكوينها الحضاري والثقافي.
وفي نهاية هذا التأمُّل يبقى اليقين، أن هذا البلد بما حمَله عبْر تاريخه من تماسك اجتماعي ووجدان ديني راسخ، لا يمكن أن يُترَك فريسة لأفكار غريبة عنه أو تيارات تهزّ هُويته أو تشتِّت وعيه. فمصر بما فيها من بساطة الناس وعُمق الإيمان في القلوب وحضور الفطرة في السلوك، تظل عصيَّة على الذوبان أو التفكُّك أو الانسلاخ من جذورها.
وإن سُنن الله في الأرض تؤكّد أن المجتمعات التي تتمسّك بهُويتها وتبقى متماسكة في نسيجها الإنساني والديني تُحْفَظ من الانهيار الفكري وتُحاط بعناية إلهية تصرف عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن.
ولهذا تبقى مصر في وجدان أهلها بلدًا محفوظًا بترابط ناسه، وصدق تديّنهم، وبما أودعه الله فيهم من قدرة على التمييز بين الحق والزيف وبين البناء والهدم.
نسأل الله أن يحفظ مصر وأهلها من كل فكر مضطّرب أو دعوة مفسِدة، وأن يبقيها آمنة مطمئنة متماسكة في وجه كل ما يحاول أن يشوِّه وعيَها أو يمسّ هُويتها.






























