تظل الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ هي الأنشودة التي تفيض بها أرواح المصريين، والوقود الذي يحرك قلوبهم نحو الطاعات. وقد شهدت الآونة الأخيرة حراكًا مباركًا مدعومًا من وزارة الأوقاف والأزهر الشريف لترسيخ هذه الشعيرة عبر مجالس الذكر. إلا أن هذا المشهد الإيماني لم يخلُ من اجتهادات فردية في استخدام مكبرات الصوت لترديد الصلاة على النبي ﷺ بوتيرة متكررة، مما أثار تساؤلًا جوهريًا حول الشعرة الفاصلة بين إقامة الشعيرة ومراعاة حقوق الآخرين.
روح العبادة.. سكينة لا صخب
إن المتأمل في جوهر العبادة يجد أن روحها السكينة، وقوامها الخشوع. والصلاة على النبي ﷺ من أجلِّ الطاعات التي قامت عليها الأدلة النقلية والعقلية، ولكن استخدام مكبرات الصوت لترديد الذكر على فترات متقاربة وبمستويات صوت مرتفعة أمر قد لا يتسق مع مقاصد الشريعة. فالمريض يحتاج إلى الراحة، والطالب ينشد التركيز، والعامل يطلب الهدوء؛ وهؤلاء جميعًا لهم حق شرعي في السكينة لا يقل أهمية عن حق الذاكر في ذكره.
الميزان الشرعي: لا ضرر ولا ضرار
يؤكد الفقهاء أن القاعدة الذهبية في الإسلام هي «لا ضرر ولا ضرار». وبالقياس على هدي النبوة، نجد أن النبي ﷺ نهى الصحابة عن رفع أصواتهم بالقرآن إذا كان ذلك يشوش على المصلين الآخرين، فكيف بمن يشوش على الناس في بيوتهم ومعايشهم؟
إن محبة النبي ﷺ تقتضي منا اتباع منهجه في الرحمة بالخلق ومراعاة أحوالهم. فإباحة الذكر سرًّا وجهرًا كانت دومًا مقترنة بالآداب الشرعية، ولم تكن يومًا دعوة إلى استخدام الوسائل التقنية على نحو قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أو يدفع بعض الناس إلى التذمر بسبب المبالغة في الإزعاج.
نداء إلى من يهمه الأمر
أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة إلى تدخل المؤسسات الدينية الكبرى (الأزهر والأوقاف وقطاعات الوعظ) للقيام بدورين متوازيين:
- الدور التوعوي: تبصير الناس بأن العبادة لا تُنال بالأذى، وأن للمساجد والطرقات حرمة، وأن تعظيم النبي ﷺ يكون باتباع خُلُقه وسماحته قبل كل شيء.
- الدور التنظيمي: مطالبة السلطة التنفيذية والجهات المعنية بوضع ضوابط واضحة لاستخدام هذه المكبرات، ومنع التجاوزات التي تخالف المنهج السليم، حمايةً لقدسية الشعيرة من أن تتحول في نظر البعض إلى مصدر للضيق.
إن الحفاظ على قدسية الشعائر الدينية يقتضي تقديمها في صورتها المشرقة التي تجمع بين تعظيم شعائر الله ومراعاة مصالح الناس، حتى تظل سببًا للألفة والطمأنينة، لا مدخلًا للخلاف أو التضجر.






























