تفكُّك العائلة.. ثغرة ينفذ منها الإلحاد والجريمة ويهدِّد استقرار الدولة
لا يوجد أبناء مضطربون بل “آباء”.. والقمع مُنْبَتّ “العُصاب” الجماعي
الاكتئاب “برد الأمراض العقلية”.. والانتحار جرس إنذار يستوجب الاستنفار
مخططات “نخر المجتمعات” تبدأ من هدم الدين ونشر ثقافة “المساكنة” وتغيير الجِنْدر
الأمن القومي يبدأ من “السَّكن والمودّة” داخل المنزل.. والتصدُّع الأُسري أداة لهدم الهُوية
حوار: هالة السيد موسى
تعدُّ الأسرة هي المؤسَّسة الوحيدة التي يمنحها الفرد ولاءه المطْلق، وهي الحصن الذي إذا تصدَّع، انهارت خلفه كل دفاعات المجتمع.
وفي ظل ما يواجهه الوطن من تحديات، يبرز “التفكُّك الأُسري” كأحد أخطر المهدِّدات للأمن القومي المصري، ليس فقط لآثاره الاجتماعية، بل لكونه مدخلاً للهدْم القيمي والنفسي.
حول علاقة استقرار المنزل بسلامة الدولة، وأساليب المعاملة الوالِدية التي قد تصنع “عِصاباً” جماعياً، كان هذا الحوار المطوّل مع د. محمد أحمد خطاب، أستاذ علم النفس الإكلينيكي والتحليل النفسي بكلية الآداب جامعة عين شمس.
*في البداية وانطلاقاً من دراستكم المرجعية، كيف يتحوّل “التفكّك الأُسري” من مجرد أزمة اجتماعية خاصة إلى قضية أمن قومي تمسّ الدولة المصرية في الصميم؟
** الأمن القومي في جوهره الحديث لم يعد يقتصر على الحدود الجغرافية والسلاح فقط، بل هو “التحرُّر من الخوف” وقُدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية وتماسُك نسيجها المجتمعي.
الأُسرة هي النواة الأولى التي تزرع الانتماء أو الاغتراب؛ فهي المؤسَّسة التي ينتمي إليها الفرد ويكون على استعداد للتضحية بكل ما يملك في سبيلها، وتبادُله الأسرة هذا الاستعداد. وعندما يحدث التفكُّك، يفقد الفرد مظلَّة الحماية النفسية والاجتماعية، مما يجعله صيداً سهلاً للتطرّف، أو الانحراف الأخلاقي، أو البحث عن انتماءات بديلة قد تكون إجرامية أو معادية للمجتمع.
الدراسات الأمنية المعاصرة أثبتت أن التحدي الأبرز للأجهزة الأمنية هو التفكُّك الأُسري بشتى صوره، فالطلاق وسوء معاملة الوالدين للأبناء ينعكس مباشرة في ازدياد حجم الجرائم كالسرقات، الانحراف الأخلاقي، وإدمان المخدرات.
إن الاهتمام بالأسرة اليوم هو “ضرورة أمنية” قصوى وليس مجرد قضية اجتماعية ثانوية.

حرب نفسية
*أشرتم إلى وجود استراتيجية ممنهجة لتخريب المجتمعات من الداخل عبر بوّابة “الأُسرة”، ما هي ملامح هذه الحرب النفسية ومراحلها؟
** نحن نواجه حرباً نفسية وعمليات تستهدف نخْر المجتمعات وتآكلها من الداخل، وهي تمر بثلاث مراحل خطيرة: الأولى: “اختلال المعايير”، حيث يفتقر المجتمع لمعايير أخلاقية منضبطة للحكم على السلوك، مع تفشّي القيم المنحرفة الغربية وخاصة لدى النشء.
المرحلة الثانية: “صناعة النمط الجديد”، حيث يتم هدم نسَق التوازن وصناعة أنماط مستحدَثة من المشكلات والصراعات الاجتماعية.
المرحلة الثالثة والأخيرة: “تصدع القيم”، ويعني الافتقاد التام لقيم خُلُقُية توجِّه السلوك، مع الإعلاء من قيمة المال والثروة على حساب الهُوية والثقافة المرجعية.
هذه المراحل تتم عبر آليات مدروسة مثل هدْم الدين، ونشر ثقافة الإلحاد، والترويج لـ”المُساكَنة” بدلاً من الزواج السويّ، وتشجيع الشذوذ الجنسي، وتغيير “الجِنْدَر” والنوع لدى الأطفال عبر أفلام الكارتون الموجّهة، وصولاً إلى تقنين المخدّرات وإدمان الأفلام الإباحية وجرائم الويب المظلِم (Deep Web).
ولادة مضطرب
* من منظور علم النفس الإكلينيكي والتحليل النفسي، هل يولَد الطفل مضطرباً أم أن البيئة الأُسرية هي من تصنع هذا الاضطراب؟
** الحقيقة الصادمة أنه “لا يوجد أبناء مضطّربون بل يوجد آباء مضطربون”. الطفل يولد طبيعياً وحقيقياً بالكامل، لكنه يولد داخل مجتمع “عِصابي” يعاني من انفصام عميق بين الفكر والشعور.
والاضطراب يبدأ من “أساليب المعاملة الوالدية غير المتّسقة”. الإنسان يولَد بمشاعر صادقة وطبيعية، ولكن الثقافة والمجتمع يقمعان هذه المشاعر الأصيلة. فعندما يرغب الطفل في البكاء أو التعبير عن ألَمِه، يُمنع من ذلك لأن الوالدين لا يتقبّلان هذا السلوك، فيبدأ الطفل في “القمْع المتواصل” لمشاعره لكي يغدو محبوباً ومقبولاً.
هذا ما نسمّيه “الحبّ المشروط”، وهو أصل المرض النفسي؛ فالطفل يتخلّى عن حقيقته ليُرضي والديه، مما يخلق شخصية مجزَّأة ومنفصمة، ويؤدي لاحقاً إلى الانحرافات السلوكية والجنسية.
أرقام مفزِعة
*ذكرتم في دراستكم أرقاماً مفزعة لانتشار الاكتئاب بين الأطفال والمراهقين، كيف ترى حجم هذه الكارثة الصامتة؟
** الأرقام تستدعي استنفار كافة مؤسسات التنشئة. تقارير منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن أكثر من 20% من الأطفال والمراهقين عالمياً يعانون من أمراض نفسية. الاكتئاب تحديداً بات يسمَّى “برْد الأمراض العقلية” لفرط انتشاره، حيث تشير التقديرات إلى أن طفلاً من كل خمسة يعاني شكلاً من أشكال الاكتئاب.
وفي الدراسات العربية، وجدنا أن الأعراض الاكتئابية تنتشر في المدارس بنسب تصل إلى 15%. والخطورة تكمن في أن اكتئاب الطفولة يحمل مآلاً سيّئاً يتضمن الفشل الدراسي، والخلل الاجتماعي، والانتكاسات المتكرّرة.
والأكثر إيلاماً هو تزايد معدلات إيذاء الذات، فالانتحار أصبح السبب الثاني للوفاة في الفئة العُمرية من 15 إلى 19 سنة. الطفل الذي يهدّد بقتل نفسه في حالة غضب ليس مجرد طفل “عنيد”، بل هو مشروع كارثة إذا لم يُحتو نفسياً.
خطورة “الدارك ويب”
*إذن كيف تؤثّر أساليب الحياة المعاصرة والتكنولوجيا وجرائم “الويب” على الأمن النفسي للأسرة؟
** نمط الحياة هو مجموعة العادات التي يتبعها الناس، والأُسرة هي من يغرس هذه الأنماط.
اليوم، تتعرّض الأسرة لغزو عبر “جرائم الويب ديب والويب دارك”، حيث تنتشر ثقافة المراهنات، القمار، إدمان الألعاب الإلكترونية، والجرائم الإلكترونية المنظَّمة. وهذه الوسائل تعمل على عزل المراهق عن واقع أُسرته وتدمير منظومته الأخلاقية. عندما يفقد الطفل “السَّكن والمودّة” داخل البيت، يهرب إلى هذه العوالم الافتراضية المليئة بالانحرافات.
والمجتمع يخسر مرّتين هنا: مرّة بخسارة هؤلاء الشباب كطاقات معطَّلة، ومرة حين يدفع ثمن انحرافهم بؤساً وشقاءً ومساعدات دائمة لعلاج آثار إجرامهم أو إدمانهم.
مفهوم الأمن القومي
*بمناسبة ذِكر “الأمن القومي”، كيف تطوّر هذا المفهوم ليشمل حماية “الجسد الاجتماعي” للدولة؟
** مفهوم الأمن القومي تطوّر ليصبح فلسفة شاملة تهدف لتحقيق أعلى معدّلات التنمية والحماية للمجتمع. هو قُدرة الدولة على حماية قيمها من أي تهديد، بصرف النظر عن مصدره.
“باري بوزان”، في كتابه الشهير “الناس والدول والخوف”، أكّد أن الأمن يتعلّق بالبقاء والتحرُّر من التهديدات الضارّة للقيم المكتسَبة.
إذاً، عندما تنهار المنظومة الأخلاقية للأسرة، نحن أمام “تهديد وجودي” للدولة. وحماية الأسرة من الغزو الثقافي والقيمي هو فعل أمني بامتياز، لأن انهيار الأسرة يعني انهيار “الوحدة البنائية” التي يتكّون منها جيش الدولة، واقتصادها، وجهازها الإداري.
النجاة من الطوفان
*في ظل هذه المخاطر، ما هي الوظائف الأساسية التي يجب أن تستعيدها الأُسرة المصرية لكي تنجو من هذا الطوفان؟
** لابد أن نعي جميعا أن الأُسرة ليست مجرد سكَن مادي، بل هي نظام لإشباع الحاجات الأساسية: الحاجة للحب، العاطفة، الأمان، السّكن، المودّة، والرحمة.
وظيفتها هي تحقيق “مطالب النمو” للأبناء في كافة الجوانب (العقلية، الحسية، الاجتماعية، الحركية، واللغوية). والأسرة هي المسؤولة عن تنمية روح الإقدام والمبادأة لدى الطفل، وإشباع رغبته في الاستطلاع والمعرفة. إذا غابت هذه الوظائف وحلّ محلّها الصراع والارتباك، فقَدت الأسرة مبرّر وجودها وتحوّلت إلى بيئة طاردة تخرِّج للمجتمع أفراداً محطَّمين نفسياً.
اختيار شريك الحياة

*في ظل غياب الوعي لدى الكثير من الأسر، ما هي نصيحتك للوالدين للتعامل مع ضغوط الحياة دون أن ينعكس ذلك على الأبناء؟
** النصيحة الأولى هي “تحسين اختيار الشريك” منذ البداية، لأن الأسرة منظومة تقوم على التعاون والإيثار.
ثانياً، يجب أن يدرك الوالدان أن أي عملية تنمية فاشلة إذا لم تراع “الاستثمار في العنصر البشري”. ويجب على الآباء تعلُّم “التفريغ الانفعالي السوي” للضغوط، بدلاً من تفريغها سلباً في الأبناء.
نحن بحاجة لنشر ثقافة “الحب غير المشروط”؛ أن يحب الأب ابنه لذاته لا لإنجازاته أو سلوكه فقط. كما يجب ترسيخ السلوكيات الصحّية في الحياة اليومية، فالتغيير يبدأ من المنزل عبر تعليم الأبناء عادات تدعم صحّتهم النفسية والجسدية.
التوصيات العملية
* ما هي التوصيات العملية التي تقدّمها دراستكم لمؤسسات التنشئة الاجتماعية والأجهزة المعنية؟
** نتوجّه بمجموعة من التوصيات الحتمية: تفعيل دور مكاتب الاستشارات الأسرية لمعاونة الوالدين على تخطيط حياتهم الزواجية وحلّ المشكلات بأساليب علمية.
التدريب على مهارات التواصل من خلال تدريب أفراد الأسرة على ُطرق التعامل الفعال وفنون الحوار لتهذيب أسلوب التعامل المتبادَل. كذلك لابد من العمل على مواجهة استراتيجيات هدم القيم عبر برامج إعلامية وتربوية تُعلي من قيمة الهُوية والدين والعادات والتقاليد.
والرعاية النفسية المبكِّرة، والاهتمام بالكشف المبكّر عن أعراض الاكتئاب والقلق لدى الأطفال بالمدارس، وتوفير العلاج دون وصمة، وتشديد الرقابة على محتويات الإنترنت الموجّهة للأطفال وتوعية الأُسر بمخاطر الويب المظلِم.
*كلمة أخيرة للأسرة المصرية؟
** رسالتي هي: “احموا حصونكم من الداخل”. التفكُّك الأُسري هو السلاح الذي يستخدمه أعداء هذا الوطن لنَخْر عِظامه، تماسُككم، محبّتكم، ورحمتكم ببعضكم البعض ليست مجرد فضائل دينية، بل هي “درْع واقي” يحمي مصر وأمنها القومي.
تذكَّروا دائماً أنكم تصنعون إنسان الغد؛ فإما أن يكون لَبِنَة بناء أو مِعول هدْم، والقرار يبدأ من طريقة تعاملكم مع أبنائكم اليوم.






























