بقلم: د. محمد سالم الصعيدي الأزهري
الأستاذ المشارك بجامعة الأزهر
قرأتُ اليوم منشورًا في غاية الخطورة، عليه من المشاركات والتعليقات المؤيدة ما يبعث على القلق والأسى. المنشور باختصار يتحدث عن واقعة ذلك المدير المأفون الذي راود امرأةً عن نفسها لتذهب إليه في بيته مقابل قضاء خدمة؛ وقد كشف الله حاجب ستره عن هذا العربيد، عامله الله بما يستحق، وأسبل علينا ستره وعافيته.
التعميم الخبيث والطعن في الذمم
المشكلة الحقيقية ليست في إدانة المجرم، بل في أن كاتب ذلك المنشور الطويل يشير من طرفٍ خفي خبيث إلى زميلات هذا العربيد، ويريد أن يقول: إذا كان هذا المجرم قد فعل ذلك في بضع دقائق مع سيدة لا يعرفها ولا تعرفه، فكيف بمن هن زميلاتٌ له في العمل؟!
وهو اتهامٌ صريحٌ وفج وحقير لسيداتٍ فضلياتٍ -على الأقل معظمهن- فكاتب المقال يريد أن يتهم كل اختلاط بالفاحشة والمقت والزنا علانية! وكأن الموظفين والموظفات في المؤسسات الحكومية والخاصة قد حولوا تلك المكاتب إلى مواخير لممارسة كل أنواع الفحش!
والأنكى من ذلك، أن تعلّق إحداهن على المنشور مدعية أنها كانت تعمل معلمة، وأنها رأت من زميلاتها أنهن يعاملن المدير معاملة الأزواج! وبدلاً من توبيخ تلك المعلمة غير الفاضلة على تعليقها الصادم، تتهاطل عليها علامات الإعجاب والتأييد الأعمى!
عهد النبوة.. والمفهوم الحقيقي للاختلاط
ثم من طرف خفي خبيث، يتحدث الكاتب وبعض المغردين عن علاقات أساتذة الجامعة بالطالبات والزميلات، في تصريحات وتأويلات في منتهى العبث والسخف، تصدر عن ثلة تدعي الالتزام والسير على نهج النبي ﷺ.
لقد تناسى هؤلاء أنه في عهد النبوة والصحابة كانت هناك الطبيبات، والفقيهات، والمعلمات، والمضمدات لجروح المجاهدين في صفوف الحرب وميدان القتال. إن أصل العلاقة بين الرجل والمرأة في الشريعة الإسلامية يقوم على الاحترام المتبادل، ومعرفة الحقوق والواجبات، وغض البصر، والالتزام بحدود المعاملة الطاهرة.
أما هذا الادعاء السخيف بأن الاختلاط في العمل يشبه غرف النوم المغلقة، فهو ادعاءٌ كاذب وفج؛ فالعالم أجمع توجد فيه علاقات زمالة وعمل تقف عند حدودها المهنية فقط ولا تتخطاها أبداً. أما أن يتطرف البعض لتحويل تلك العلاقات إلى ممارسات محرمة، فالمشكلة هنا تكمن في سلوك الفاعل من الطرفين، لا في أصل النظرية أو الفكرة.
واقع طاحن ونساء مكافحات
إن الإسلام سن قواعد وشرط شروطاً، ولم يحرم على المرأة الخروج من منزلها ومشاركة الرجل في بناء المجتمع، ولكن بقواعد وأسس تصون عفتها وكرامتها وإنسانيتها.
وفي واقعنا المعاصر، تضطر كثير من النساء إلى النزول لميدان العمل؛ إما مشاركةً للزوج المطحون الذي لا يكفي راتبه بضعة أيام، أو لتعول أولادها بعد فقد العائل، أو لتجهز نفسها لبيت الزوجية، بل إننا نعرف فتياتٍ يعلن أسرًا بأكملها! فهل نتهم هؤلاء في شرفهن هكذا بكل بساطة وباستقراء أعور مبتور، وتصوير كل بيئة عمل مختلطة على أنها بؤرة للفحش؟!
تناقضات “سدنة الفضيلة“
ثم يظهر لنا أدعياء الفضيلة في ثوب المصلحين؛ فتجد ذلك الأستاذ الذي يعطي دروساً خصوصية ضارباً بالقيم والمثل والقوانين عرض الحائط، ولا يشرح في فصله المدرسي معشار ما يشرحه في درسه الخاص! وتجد تلك الأستاذة التي تتهم زميلاتها بالفحش!
رفقاً بالبشر
أيها الملائكة المزيفون، رفقاً بنا نحن البشر، وابحثوا عن حلول حقيقية تضمن كفاف تلك النساء العاملات اللاتي يخرجن سعياً على أرزاقهن بشرف ونزاهة.
لا يمكن لأحد أن ينكر وجود بعض المنحرفين والمنحرفات في كل مجتمع وزمان، لكن السواد الأعظم في نسائنا هو العفة والحشمة، ولدينا نماذج لا حصر لها يحفظن عفتهن وكرامتهن ولا يخضعن بالقول. بل وفي مجتمعاتنا وبيئات عملنا، نعلم يقيناً الكثير من الفضليات اللاتي ما وقعن في هذا الشرك قيد أنملة، وسيظللن دائماً جدار الصد المنيع أمام كل تعميم خبيث يطال شرف الحرائر.






























