• تسجيل دخول
  • إتصل بنا
  • من نحن
جريدة عقيدتي

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفي

رئيس التحرير

مصطفى ياسين

  • الرئيسية
  • الأخبار
    وزير المالية: سياساتنا وأولوياتنا تدفع مسار الاستقرار الاقتصادي وتحفز الإنتاج والتصدير

    وزير المالية: سياساتنا وأولوياتنا تدفع مسار الاستقرار الاقتصادي وتحفز الإنتاج والتصدير

    تعاون “الجامعات الاسلامية” وجامعة السلطان عبدالحليم معظَّم شاة بماليزيا

    تعاون “الجامعات الاسلامية” وجامعة السلطان عبدالحليم معظَّم شاة بماليزيا

    امتحانات الثانوية الأزهرية 2026 تدخل مراحلها الحاسمة

    امتحانات الثانوية الأزهرية 2026 تدخل مراحلها الحاسمة

    تكريم الفائزين في مسابقة القرآن الكريم التي ينظمها المعهد العالى للدراسات الإسلامية

    مفتي الجمهورية: غرس محبة القرآن استثمار حقيقي فى مستقبل الأمة

    رئيس قطاع المعاهد الأزهرية يتابع امتحانات الثانوية بقنا

    رئيس قطاع المعاهد الأزهرية يتابع امتحانات الثانوية بقنا

    سامي الشريف: بناء المناعة القيمية ضرورة لمواجهة تحديات العصر الرقمي

    سامي الشريف: بناء المناعة القيمية ضرورة لمواجهة تحديات العصر الرقمي

  • تحقيقات
    المجالِس العُرفية.. ساحات محاكِم أهلية قَوَامها “الرِّضا”!

    المجالِس العُرفية.. ساحات محاكِم أهلية قَوَامها “الرِّضا”!

    د. سلامة داوود

    من هو رئيس جامعة الأزهر القادم؟

    التهيئة النفسية والدعم الأُسري.. مفتاحَا التفوّق والنجاح

    التهيئة النفسية والدعم الأُسري.. مفتاحَا التفوّق والنجاح

    «صكوك الأضاحي» في انتظار «الأولى بالرعاية»

    «صكوك الأضاحي» في انتظار «الأولى بالرعاية»

    منارات لـ”الوعى”.. تطبيق المفاهيم الصحيحة لخدمة الدين والوطن

    السيسي خلال افتتاح الدلتا الجديدة أحد مشروعات جهاز مستقبل مصر

    «مستقبل مصر للتنمية المستدامة».. مرحلة تاريخية لإعادة بناء قدرات مصر

  • حوارات
    الأسرة المصرية.. جبهة الدفاع الأولى في حروب الجيل الرابع

    الأسرة المصرية.. جبهة الدفاع الأولى في حروب الجيل الرابع

    تعالوا نقرأ القرآن.. “على الطريقة المحمَّدية”

    تعالوا نقرأ القرآن.. “على الطريقة المحمَّدية”

    عادل المراغى فى حواره مع الزميل جمال سالم

    “عقيدتى” تُفنِّد أفكار التجديد “الهلالية”.. بالقرائن الحجّيّة

    سلامة داوود فى حوار عقيدتى

    الانتهاء من حصر أوائل الأزهر منذ 2016.. والتعيين “بيد” مجلس الوزراء

    الشيخ محمود الصعيدي

    القارئ محمود الصعيدي: إعاقتي لم تمنعني من مخاطبة العالم بكلام الله

    المستشار هشام فاروق: القرآن يصنع قاضيًا عادلًا لا واعظًا على منصة الحكم

    المستشار هشام فاروق: القرآن يصنع قاضيًا عادلًا لا واعظًا على منصة الحكم

  • دين و حياة
  • المرأة
    ايات خالد

    “تاسوعاء وعاشوراء”.. أيامٌ عظيمة وفرصة للتوبة والنجاة

    الله ضبط العلاقات الإنسانية.. فكانت السعادة والاستقرار

    الله ضبط العلاقات الإنسانية.. فكانت السعادة والاستقرار

    “المُحرَّم”.. محطّات إيمانية وتاريخية عظيمة تستحق التأمُّل

    “المُحرَّم”.. محطّات إيمانية وتاريخية عظيمة تستحق التأمُّل

    بيت عائلة اسيوط يشيد بدور عقيدتى

    استكمال فعالية «من بيتنا نبدأ الحكاية» بـ”أبنوب” قريبا

    قيادات ارمنت فى احتفال برنامج حماية

    رسالة قوية لمواجهة العنف ضد المرأة ودعم الحماية المجتمعية

    بيت العائلة فى اسيوط

    “من بيتنا نبدأ الحكاية” مبادرة “لجنة الثقافة الأُسرية ببيت العائلة المصرية” بأسيوط

  • دعوة و دعاة
    الخريجون يتلون القسم

    الرئيس السيسي يوجِّه برعاية المتفوقين واستكمال تأهيلهم علميًا

    مختار الدسوقى

    تفسير هواية الشِّرْك والتكفير

    “اللا يقين في الذكاء الاصطناعي”.. دكتوراه لـ”محمدى عبدون”

    “اللا يقين في الذكاء الاصطناعي”.. دكتوراه لـ”محمدى عبدون”

    تطوّر النشاط المسجدي بندوات علمية متخصصة عقب صلاة الجمعة

    تطوّر النشاط المسجدي بندوات علمية متخصصة عقب صلاة الجمعة

    الاحتفال بمولد “الضماني” بـ”عديسات الأقصر”

    الاحتفال بمولد “الضماني” بـ”عديسات الأقصر”

    “الصوفية” تحتفل بـ”الهجرة النبوية” بـ”الموكب”

    مسيْرات صوفية.. احتفالا بالعام الهجري الجديد

  • نبض القراء
  • المزيد
    • المسلمون حول العالم
    • روضة الصائم
    • خاطرة دعوية
    • أهل القرآن
    • الرأي
    • لعلهم يفقهون
    • مساجد لها تاريخ
    • شاشة وميكروفون
    • ندوات عقيدتي و الأوقاف
لا توجد نتائج
مشاهدة كل النتائج
  • الرئيسية
  • الأخبار
    وزير المالية: سياساتنا وأولوياتنا تدفع مسار الاستقرار الاقتصادي وتحفز الإنتاج والتصدير

    وزير المالية: سياساتنا وأولوياتنا تدفع مسار الاستقرار الاقتصادي وتحفز الإنتاج والتصدير

    تعاون “الجامعات الاسلامية” وجامعة السلطان عبدالحليم معظَّم شاة بماليزيا

    تعاون “الجامعات الاسلامية” وجامعة السلطان عبدالحليم معظَّم شاة بماليزيا

    امتحانات الثانوية الأزهرية 2026 تدخل مراحلها الحاسمة

    امتحانات الثانوية الأزهرية 2026 تدخل مراحلها الحاسمة

    تكريم الفائزين في مسابقة القرآن الكريم التي ينظمها المعهد العالى للدراسات الإسلامية

    مفتي الجمهورية: غرس محبة القرآن استثمار حقيقي فى مستقبل الأمة

    رئيس قطاع المعاهد الأزهرية يتابع امتحانات الثانوية بقنا

    رئيس قطاع المعاهد الأزهرية يتابع امتحانات الثانوية بقنا

    سامي الشريف: بناء المناعة القيمية ضرورة لمواجهة تحديات العصر الرقمي

    سامي الشريف: بناء المناعة القيمية ضرورة لمواجهة تحديات العصر الرقمي

  • تحقيقات
    المجالِس العُرفية.. ساحات محاكِم أهلية قَوَامها “الرِّضا”!

    المجالِس العُرفية.. ساحات محاكِم أهلية قَوَامها “الرِّضا”!

    د. سلامة داوود

    من هو رئيس جامعة الأزهر القادم؟

    التهيئة النفسية والدعم الأُسري.. مفتاحَا التفوّق والنجاح

    التهيئة النفسية والدعم الأُسري.. مفتاحَا التفوّق والنجاح

    «صكوك الأضاحي» في انتظار «الأولى بالرعاية»

    «صكوك الأضاحي» في انتظار «الأولى بالرعاية»

    منارات لـ”الوعى”.. تطبيق المفاهيم الصحيحة لخدمة الدين والوطن

    السيسي خلال افتتاح الدلتا الجديدة أحد مشروعات جهاز مستقبل مصر

    «مستقبل مصر للتنمية المستدامة».. مرحلة تاريخية لإعادة بناء قدرات مصر

  • حوارات
    الأسرة المصرية.. جبهة الدفاع الأولى في حروب الجيل الرابع

    الأسرة المصرية.. جبهة الدفاع الأولى في حروب الجيل الرابع

    تعالوا نقرأ القرآن.. “على الطريقة المحمَّدية”

    تعالوا نقرأ القرآن.. “على الطريقة المحمَّدية”

    عادل المراغى فى حواره مع الزميل جمال سالم

    “عقيدتى” تُفنِّد أفكار التجديد “الهلالية”.. بالقرائن الحجّيّة

    سلامة داوود فى حوار عقيدتى

    الانتهاء من حصر أوائل الأزهر منذ 2016.. والتعيين “بيد” مجلس الوزراء

    الشيخ محمود الصعيدي

    القارئ محمود الصعيدي: إعاقتي لم تمنعني من مخاطبة العالم بكلام الله

    المستشار هشام فاروق: القرآن يصنع قاضيًا عادلًا لا واعظًا على منصة الحكم

    المستشار هشام فاروق: القرآن يصنع قاضيًا عادلًا لا واعظًا على منصة الحكم

  • دين و حياة
  • المرأة
    ايات خالد

    “تاسوعاء وعاشوراء”.. أيامٌ عظيمة وفرصة للتوبة والنجاة

    الله ضبط العلاقات الإنسانية.. فكانت السعادة والاستقرار

    الله ضبط العلاقات الإنسانية.. فكانت السعادة والاستقرار

    “المُحرَّم”.. محطّات إيمانية وتاريخية عظيمة تستحق التأمُّل

    “المُحرَّم”.. محطّات إيمانية وتاريخية عظيمة تستحق التأمُّل

    بيت عائلة اسيوط يشيد بدور عقيدتى

    استكمال فعالية «من بيتنا نبدأ الحكاية» بـ”أبنوب” قريبا

    قيادات ارمنت فى احتفال برنامج حماية

    رسالة قوية لمواجهة العنف ضد المرأة ودعم الحماية المجتمعية

    بيت العائلة فى اسيوط

    “من بيتنا نبدأ الحكاية” مبادرة “لجنة الثقافة الأُسرية ببيت العائلة المصرية” بأسيوط

  • دعوة و دعاة
    الخريجون يتلون القسم

    الرئيس السيسي يوجِّه برعاية المتفوقين واستكمال تأهيلهم علميًا

    مختار الدسوقى

    تفسير هواية الشِّرْك والتكفير

    “اللا يقين في الذكاء الاصطناعي”.. دكتوراه لـ”محمدى عبدون”

    “اللا يقين في الذكاء الاصطناعي”.. دكتوراه لـ”محمدى عبدون”

    تطوّر النشاط المسجدي بندوات علمية متخصصة عقب صلاة الجمعة

    تطوّر النشاط المسجدي بندوات علمية متخصصة عقب صلاة الجمعة

    الاحتفال بمولد “الضماني” بـ”عديسات الأقصر”

    الاحتفال بمولد “الضماني” بـ”عديسات الأقصر”

    “الصوفية” تحتفل بـ”الهجرة النبوية” بـ”الموكب”

    مسيْرات صوفية.. احتفالا بالعام الهجري الجديد

  • نبض القراء
  • المزيد
    • المسلمون حول العالم
    • روضة الصائم
    • خاطرة دعوية
    • أهل القرآن
    • الرأي
    • لعلهم يفقهون
    • مساجد لها تاريخ
    • شاشة وميكروفون
    • ندوات عقيدتي و الأوقاف
لا توجد نتائج
مشاهدة كل النتائج
جريدة عقيدتي
لا توجد نتائج
مشاهدة كل النتائج
الرئيسية لعلهم يفقهون

دراسة في بيان وجاهة القول بـ”الرخصة الإلهية” في الأحرف السبعة

بقلم: د. ياسر قاضي.. رئيس مجلس الفقه لأمريكا الشمالية وعميد المعهد الإسلامي بأمريكا

مصطفي ياسين بواسطة مصطفي ياسين
6 يونيو، 2026
في لعلهم يفقهون
0
دراسة في بيان وجاهة القول بـ”الرخصة الإلهية” في الأحرف السبعة
100
مشاهدة
شارك على فيسبوكواتسابX

القراءات بين “نموذج التلقين” ووجاهة القول بـ”الرخصة الإلهية”

بعض الدراسات القرآنية غير الدقيقة.. أسهمت في زيادة موجات الإلحاد بين مسلمي الغرب

المقدمة

تُعَدّ مسألة الأحرف والقراءات والعلاقة بين مفهومَيْهِمَا جزءًا لا يتجزّأ من علوم القرآن، وبالرغم مما حظيت به هذه المسألة من بحوث كثيرة قديمًا وحديثًا، إلا أنّ كثيرًا من جوانب هذه المسألة لم يزل يكتنفه الغموض! ومع الأسف فإنّ أكثر الأقوال شهرةً وذيوعًا في الوسط العلمي حول ما يخصّ هذه المسألة لم يقدِّم إجابات شافية حتى الآن عن كثير مما يَرِد عليه من إشكالات أو يثيره من تساؤلات؛ مع أن هذه الأقوال قد اشتهرت بين الدارِسِين على نحو قد يُضفي عليها صبغة الاستقرار والتحقيق.

في الآونة الأخيرة نُشرت عدّة أوراق بحثية تحمل رؤية جديدة مع محاولة نسبتها إلى أقوال بعض المتقدِّمين تصريحًا أو تلميحًا، وقد استطاعتْ هذه الرؤية بالفعل أن تجيب على العديد من التساؤلات وتحلّ بعض الإشكالات التي عجزتْ عنها الرؤى الذّائعة، ومع أنها تثير إشكالات أخرى ، فإنها تَبْقَى -في رأينا- أكثر ملائمةً وانسجامًا مع الآثار والأخبار التي بين أيدينا حول هذه المسألة.

وفي هذه المقالة نحاول تبنّي وجهة النظر الداعمة لهذه الرؤية، ومن ثَم نسعى في توضيح ملاءمتها للأخبار، ودفع ما يَرِد عليها من إشكالات واعتراضات.

ويُفترض في قارئ هذه المقالة أن تكون لديه معرفة مسبقة وفهم متين للآراء المتعدّدة المرتبطة بطبيعة الأحرف، والجدل حول اشتمال المصاحف العثمانية عليها، بالإضافة إلى الآراء المنقولة حول العلاقة بين القراءات والأحرف .

ومن المهمّ أن نؤكّد في بداية هذا الدرس أنّ مَن يقول بأيٍّ من الرأيين يُؤْمِن بقُدْسِيّة القرآن الكريم وحِفْظه وأنّه الوحي الإلهي الخاتم والمحفوظ، ونؤكّد أيضًا أنّ هذا الدّرس مبنيّ على أساس من الإيمان الراسخ بصحّة نقل القرآن الكريم وسلامته، ويُقَدَّم من منظور مؤمِن يحترم عُمْق التراث ويعتزّ بثراء المنقول بفضل الله وتوفيقه، بما في ذلك الآراء المقبولة إجمالًا بين أهل العلم.

لكن الدافع من وراء هذا الدرس ما أدّت إليه بعض الدراسات القرآنية الحديثة التي بُنِيَت على أساس التحليل اللغوي العميق مع المقارنة بين المخطوطات القديمة والقراءات المختلفة من الإسهام في إثارة الشكوك والتساؤلات حول بعض جوانب النصّ القرآني، خصوصًا لدى المسلمين الذين يعيشون في البلاد الغربية الذين يتعرّضون لموجات من الإلحاد والتشكيك في الدِّين؛ ومن ثَم نسعى في هذا الدرس لاستكشاف وجهات نظر بديلة قد تُوفّر فهمًا أوضح لبعض الجوانب التي شابها بعضُ الغموض أو الإشكال.

لا يأتي هذا النهج لإثراء الحوار العلمي فقط، بل ليمثّل مخرجًا فكريًّا وإيمانيًّا لمن يجد نفسه متردّدًا أو غير مقتنع بالمشهور من آراء الجمهور؛ وعساه يجد في هذه المادة رأيًا بديلًا يكون مصدرًا لإجابات أكثر إقناعًا وأَيْسَر قبولًا تُعزِّز وتجدّد ثقته في النصّ القرآني العظيم. ومن ثَمّ فالقارئ الذي يثقُ بالرأي السائد والمشهور بين العلماء لن يجد في هذا البحث جديدًا ذا بال، غاية الأمر أن يؤكّد اعتقاده ويعزّز يقينه وإيمانه بإذن الله، وكفى بهذا فضلًا ونعمة.

وستنتظم مقالتنا في تمهيد، وثلاثة أقسام، وخاتمة؛ أَذكُر في التمهيد الرأي السائد والمشهور في الأحرف، وأُورِد عليه خمسة عشر سؤالًا تُبرِز إشكالاته. وأمّا القسم الأول فأقدِّم فيه النموذج البديل مع أدلّته والقائلين به، وكيفية تفسير الوقائع التاريخية -مثل جمع عثمان للمصحف- عند من يرى هذا النموذج. وألخّص في القسم الثاني بعض الاعتراضات الموجّهة على هذا الرأي وأُجيب عنها. وأرجع في القسم الثالث إلى الأسئلة الخمسة عشر وأجيب عنها بمنظور الرأي البديل. وفي الخاتمة ألخِّصُ أهمّ النتائج التي توصّلتُ إليها، وأقترحُ بعض الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.

تمهيد: خمسة عشر سؤالًا واردة على نموذج التَّلقِين:

إنّ الذي نَعنيه بالرأي السائد حاليًا، هو: أنّ الأحرف في الأساس هي اختلافات بين لهجات العرب، وأنّ الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- تخلّص متعمِّدًا من معظم الأحرف، ولكنه حافَظَ عن قصدٍ على بعضها بحسب ما سمح به النصّ المكتوب، وأن هذه التباينات المحفوظة شكَّلَت في النهاية أساسًا للقراءات، وأن جميع التباينات ضمن تلك الأحرف، ومن ثَم يمكن القول بأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قد تلا جميع هذه القراءات (إجمالًا).

وسنعتمد إطلاق (نموذج التَّلقِين) على هذا الرأي، الذي يمكن التعبير عنه بعبارة أخرى: تلا النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن تلاوات متعدّدة، ومن مجموع هذه التلاوات وفي حدود المصحف العثماني برزت القراءات العشر الصحيحة.

كما يمكن فهم الحديث النبوي: (أُنزل القرآن على سبعة أحرف) -وفقًا لهذا النموذج- أنه يعني: تلا النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن تلاوات متعدّدة يصل عددها إلى سبع.

إنّ نموذج التَّلقِين يمكن أن يُثار بشأنه عدد من القضايا والمسائل الرئيسة، وقد تمّ التعامل مع هذه القضايا بالطبع من قِبَل أولئك الذين يتبعون هذا النموذج؛ غير أنّ الأمر لا يتعلّق بما إذا كانت هناك إجابات لتلك المسائل أم لا، وإنما يتعلّق بما إذا كانت تلك الإجابات مقنعة ومرضية وتتناسب بصورة معقولة مع الوقائع، أم أنّ تلك الإجابات تثير في الحقيقة تساؤلات إضافية وتستلزم افتراضات غير مبرّرة؟

والغرض من طرح هذه الأسئلة هو إظهار الحاجة الواضحة في نظر أولئك الذين لا يتّفقون مع نموذج التَّلقِين لبحث إمكانية وجود رؤية أخرى يمكن أن تستجيب لهذه المسائل بطريقة أكثر معقولية وشمولية.

وبالرغم من إمكانية إثارة العديد من الأسئلة إلا أننا سنطرح في الفقرات الآتية خمسة عشر سؤالًا فقط لتلبية غرض هذا البحث، مُرقمة من س1 إلى س15.

نبدأ بالأحاديث الواردة في مفهوم (الأحرف السبعة) حيث تُصرِّح العديد من الآثار بأنّ العلة الجوهرية للأحرف هي التيسير على الأُمّة في تلاوة القرآن، فإنّ «…منهم العجوزُ، والشيخُ الكبيرُ، والغلامُ، والجاريةُ، والرجلُ الذي لم يَقرأْ كتابًا قطُّ» ، ويبرز هنا السؤال الآتي:

(س1) كيف يتجاوب نموذج التَّلقِين مع هذه العلّة المتعلقة بمثل تلك الفئات من الناس؟ أو بمعنى آخر: ما الفارق الذي تُحدِثهُ هذه التباينات اللفظية في تسهيل التلاوة والحفظ؟

(س2) قد وردَ في هذه الآثار ما لا يمكن حملُ معناه على ظاهره، بل يجب تأويله بشكلٍ ما؛ وذلك كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ مِنْهَا -يعني: الأحرف- إِلَّا شَافٍ كَافٍ، إِنْ قُلْتَ: سَمِيعًا عَلِيمًا، عَزِيزًا حَكِيمًا. مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ) ، والظاهر أن هذا الأثر، وغيره من الآثار، يُشير إلى وجود مرونة لا يتّسع لها نموذج التَّلقِين.

ولدينا في مصنفات التفسير والحديث المبكِّرة المئات من الأمثلة على الأحرف التي تشير إلى تغييرات في الكلمات منسوبة إلى الصحابة؛ فهناك حرف أُبيّ بن كعب، وحرف ابن مسعود، وهكذا دواليك.

(س3) إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو مصدر هذه الكلمات المتغايرة بالفعل، فلماذا نُسب الحرف بأكمله إلى أحد الصحابة فقط؟

ولماذا لم يتعلَّم أفراد الصحابة أكثر من حرف، أو يقرأ كلُّ فرد منهم بأكثر من حرف كما كان -في زعم هؤلاء- يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذْ لا يجوز للأمّة أن تُهْمِل نقل شيء من هذه الأحرف ما دام أنّ مصدَرَها الوحيُ لا اجتهاد الصحابة. أليس من الواقع أن الصحابة رووا أحاديث متعدّدة؟ ألم يكن من الأَوْلى -بالتأكيد- أن يرووا الأحرف المتعدّدة الصادرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؟

وفي أشهَرِ الآثار الواردة في الأحرف، حينما سمع عمرُ بن الخطاب هشامَ بن حكيم يتلو سورة الفرقان بصيغ مختلفة… القصة فيها أسئلة متعددة!

(س4) لماذا يُعلَّم شخصان من نفس القبيلة لهجات مختلفة إذا كانت الأحرف تتعلق أساسًا باللهجات؟ ولماذا يُمنَح هشام -وهو في هذه المرحلة مُعتَنِق جديد للإسلام- امتيازًا يتمثّل في درس خاصّ عن حرف فريد لا يَعْلَم عنه حتى عمر، في حين لم تُمنَح هذه الامتيازات للصحابة الذين هم أقدم منه؟

وبناء على هذه الحادثة نفسِها، وعلى دهشة عمر عندما علمَ بوجود الأحرف:

(س5) كيف يمكن تفسير عدم إدراك العديد من الصحابة الكبار لوجود الأحرف أصلًا خلال فترة الوحي؟ بالرغم من أنّ نموذج التلقين يؤكّد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتلو باستمرار صيغًا مختلفة، فلماذا هذه الدهشة من صيغة مختلفة، وخاصّة في مرحلة متأخّرة من السيرة؟ بل حتى فيما بعد ذلك، حين اضطرّ عثمان -رضي الله عنه- في خلافته أن يطلب من الناس تأكيدًا علنيًّا بأنّ القرآن نزل بسبعة أحرف.

(س6) يُعلِمنا الحديث أيضًا أنّ هذا التسهيل للسبعة أحرف بدأ في الفترة المدنية المتأخّرة، فماذا عن الوحي السابق على هذا التسهيل؟ هل نزل الوحي مرّة أخرى بهذه السور والآيات التي قد أُوحي بها بحرف واحد سابقًا، بحيث تمّت إعادة تلقين كلّ آية؟

(س7) وبغضّ النظر عن وقت التسهيل، فإنّ واحدة من الحقائق المحيّرة في هذا المجال هي عدم وجود أدلة تفيد بأنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نفسَه تلا الآية نفسها بطرق مختلفة . كما أنه -وبالرغم من أنّ كلّ متخصّص يعلم أنّ مجرّد إتقان القراءات العشر يتطلّب وقتًا طويلًا، وأنّ الاختلافات بين الأحرف أكثر تنوعًا بكثير من الاختلافات بين القراءات العشر- لا يبدو أن هناك روايات حديثية تبيّن أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- خصّص هذا الجهد والوقت لتعليم الصحابة بدقة الاختلافات في تلاوة القرآن وتوجيه القراءات المتنوعة.

(س8) ثم إذا انتقلنا من فترة الوحي إلى فترة الجمع، فإذا كانت الأحرف السبعة قد تنزّلت من عند الله، فلماذا يقول عثمان للّجنة التي تمّ تشكيلها لحلّ مشكلة الأحرف المتعدّدة والتوترات المصاحبة بأن يكتبوا «…بلغة قريش؛ فإنّ القرآن نزلَ بلغتهم»؟ فمِن أين يأتي تحديد لغة قريش وحَسْب إذا كانت هناك صيغ متعددة أُنزلت؟

(س9) ومن الجدليات المحيّرة كذلك: كيف سوَّغ الصحابةُ التخلِّي عن هذا الكمّ من الأحرف المتبقية (أو وفقًا لرأي آخر شائع: ستة منها)، مع العلم بحرصهم على الحفاظ على كلّ ما يتعلّق بالنبوّة؟ وعلى أيّ أساس اختاروا التخلِّي عن بعضها والإبقاء على بعضها الآخر؟ حتى لو اعتقدوا أنّ بعض الأحرف كانت للتسهيل فيمكن التخلِّي عنها (كما يُفسّر نموذج التَّلقين)، فمن المنطقي أن يكونوا قد أعلنوا صراحةً عن هذا التسهيل، وأن يسعوا لرفع المستوى المعرفي لضمان حفظها جميعًا، بدلًا من ترك هذا الأمر لعلماء لاحقين ليحاولوا تفسير موقف ثابت كهذا لا رجعة فيه، بحيث يبدو الوحي الإلهي وكأنه قد تمّ إهماله.

أضف إلى ذلك أنّهم إذا كانوا قد تخلَّوا عن هذا الكمّ من الأحرف لتوحيد الأمّة:

(س10) فلماذا لا تزال هناك اختلافات في القراءات بعد الرسم العثماني؟ إِذْ كان الهدف من المشروع العثماني -بشهادة صريحة من الخليفة والصحابة- هو توحيد الأمّة كلها على قراءة واحدة؛ فلماذا بقيت الاختلافات والقراءات التي تتعارض مع هذا الهدف؟

(س11) هناك سؤال حسّاس آخر عن الفروق البسيطة جدًّا بين المصاحف العثمانية  التي لا تبدو أنّ لها تفسيرًا معقولًا. فإذا كانت هذه الفروق مقصودة، أفلم يكن من المجدي أن تعلن اللجنة عن هذه الفروق لكيلا تسبّب أيّ إرباك؟ لكن على العكس تشير المصنَّفات المبكِّرة إلى أن هذه الفروق قد لُوحظت لاحقًا، وتبنَّـتها في النهاية القراءات العشر اعتمادًا على إقليمية المصحف ومدى القرب من الموقع الجغرافي للقارئ.

وأيضًا، لماذا الإبقاء فقط على أدقّ الاختلافات (مثل واو إضافية أو ألِف مفقودة)، بينما تُترك الاختلافات الأكثر جوهرية والتي حُفظت كتلاوات سابقة على الجمع العثماني؟ لو وُجد مثل هذه الفروقات في مخطوطات أيّ كتاب آخر، لم يكن هناك أيّ إشكال في مصدرية هذه الفروقات وأنّها من قِبَل النسّاخ، ولكن بالطبع لأنّنا نتكلّم عن القرآن المنزّل من الله والمحفوظ بحفظٍ إلهي، فإنّ هذا التفسير سيبدو متعارضًا مع فكرة الحفظ الإلهي كما يفهمه أنصار نموذج التَّلقين.

(س12) انتقالًا إلى ظاهرة القراءات، يتّفق جميع العلماء على وجود العديد من القراءات في القرنَيْن الإسلاميَّيْن الأول والثاني، وذلك قبل مشروع تدوين ابن مجاهد؛ فالسبعة التي اختارها ابن مجاهد كانت استنادًا إلى اختياره الشخصي من بين القرّاء الكثيرين، وقد انتُقد في الواقع على بعض هذه الاختيارات؛ وعلى تقييدها بـالسبعة مما أضاف إلى الإرباك الحاصل لأنه ربط القراءات بالأحرف في أذهان الجماهير، وكانت الثلاثة التي أضافها ابن الجزري بعد أربعة قرون عشوائية كذلك إلى حدّ ما. وبينما يذكر المؤرّخون الأوائل عشرين قراءة أو خمسًا وعشرين أو حتى أربعين قراءة، ولا يزال لدينا الكثير من الإشارات إلى تلك القراءات التي تخلَّت عنها كتب اللغة والتفسير؛ يلاحِظ ابنُ الجزري نفسُه أنّ مَن يعرف هذا المجال يعلم جيدًا أن عدد القراءات المحفوظة ليس سوى قطرة في بحر القراءات التي كانت سائدة في العصور السابقة . فكيف يمكن تفسير هذه الظاهرة إذا كانت جميع القراءات متساوية في أصولها من حيث الإلهية والنبوية، وعُلِم بأنها لم تَعُد موجودة؟ هل يعني ذلك أن بعض التلاوات قد ضاعت – وهذا يستلزم عندهم أنّ بعض الوحي قد ضاع؟

(س13) وكذلك كيف يمكن تفسير التفاعل الواضح والموثّق جيدًا بين علماء القراءات وعلماء النحو العربي في القرون الأُولى، حيث من المعلوم لكلّ قارئ في كتبهم أنّهم يُسوِّغون اختياراتهم ويوجّهون ويشرحون ويستدلّون بكلام العرب، كما أنّهم يرفضون قراءة لأجل أسباب لغوية أو سياقية؟ كيف يمكن للكثير من العمالقة في هذا المجال (مثل الطبري كمثال بارز، أو مكيّ بن أبي طالب) أن يرفضوا بشكلٍ متّسق قراءات تُعتبر الآن متواترة -ولا يمكن اتهامهم بالطبع بأنهم لا يعرفونها-؟ وكيف نفسّر حُكم الإمام أحمد بن حنبل على قراءة حمزة -واحدة من (السبعة) التي قرّرها ابن مجاهد- كمثال آخر ؟ إذ يبدو التفاعل بين هؤلاء اللغويين والنحويين في بعض الأحيان، على غرار التفاعل بين المدارس الفقهية المختلفة التي يدّعي فيها كلٌّ منهم أنّ رأيه صحيح والآخر ليس كذلك، ويسوِّغ ذلك نحويًّا أو بلاغيًّا أو سياقيًّا. ولكن يخبرنا نموذج التَّلقين أنّ جميع القراءات نابعة من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن ثمّ فهي جميعًا صحيحة ومتساوية.

يمكننا إذن القول باطمئنان: إنّ معظم علماء الإسلام الأوائل نظروا إلى القراءات نظرة مختلفة تمامًا عن نظرة العلماء المتأخِّرين؛ وإلا فلماذا يبدو حسب نموذج التلقين أن الكثير من العلماء المتقدِّمين أخطؤُوا في نقد القراءات وإنكار بعضها، ثم يأتي المتأخِّرون ليبحثوا عن توجيهاتٍ لنقد المتقدِّمين، فلماذا نخطِّئ المتقدِّمين ونصوِّب المتأخرين؟!

(س14) مسألة أخرى تعترضنا، وهي أنّ التراث الحديثي المبكِّر يبدو أنه يشير إلى عكس هذه النظرية تمامًا؛ حيث صنّف عدد من العلماء في زمن التدوين فصولًا ورسائل في محاولة للتحقّق بدقّة من تلاوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، تحت عنوان: (قراءات النبي) . أليس من الغريب أنّ أحد القرّاء العشرة المشهورين نفسه -وهو الدوريّ- قام بتصنيف عمل من هذا النوع ؟ فإذا كانت جميع القراءات متساوية الأصل عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ألَا يبدو هذا النوع من المصنَّفات زائدًا عن الحاجة بالكلية؟

(س15) أخيرًا، فالواقع الواضح أن مسألة الأحرف والقراءات مشكلة محيّرة للعديد من العلماء على الأقلّ، رغم أهميتها الكبيرة وكونها مسألة جوهرية في دين الإسلام وذِكْرها في الأحاديث المتواترة، مع أنّ المفترض أنْ يكون لمفهومٍ بهذه الأهمية متعلقٍ بالقرآن ويحتلّ مكانة محورية في حفظه وتلاوته إجابةٌ بسيطة وواضحة، إجابةٌ يُعثر عليها في أقدم المصادر، وليس شيئًا مكتشفًا بعد أربعة عشر قرنًا من الغموض.

هذه بعض الأسئلة البارزة التي قد تتبادر إلى ذهن أيّ باحث متقدِّم في هذا المجال؛ وهناك الكثير غيرها . ونعيد ما قلناه سابقًا: إنّه يمكن العثور على إجاباتٍ لجميع هذه المشكلات في الكتب المنتشرة. لكن البحث -مرة أخرى- ليس فيما إذا كانت الإجابات موجودة ولكن في مدى جدوى تلك الإجابات، وكمّ الافتراضات غير المعقولة (أو “التكلّف”) اللازم استخدامه لتسويغ نموذج التَّلقِين.

إنه بسبب عدم وجود إجابات سهلة لهذه الأسئلة المحيّرة يتساءل المرء إذا كان هناك تفسيرٌ بديل للمفاهيم المعنيّة: تفسير يقدِّم ردودًا متماسكة غير قابلة للخرق وواضحة لجميع هذه الأسئلة دون الحاجة لافتراضات بعيدة؟

وهذا ما يدّعيه أنصار الرؤية البديلة.

القسم الأول: النموذج البديل – نموذج الرخصة الإلهية:

يدّعي النموذج البديل أنّ (الأحرف السبعة) هي تسهيل إلهيّ سمح للصحابة بتلاوة القرآن وفقًا للهجاتهم وتبعًا لغاية ما يسعهم تذكّره بشرط أن لا يخلّ بالمعنى.

في هذا النموذج تلا النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن بطريقة واحدة (حرف واحد)، لكن تمّ الترخيص للصحابة بتلاوته بــ(عدة ألفاظ)، وبـ(صيغ مختلفة)، (وهي أبسط طريقة لترجمة عبارة “الأحرف السبعة”) ما دام المعنى محفوظًا.

وأطلق بعض العلماء اللاحقين  مصطلح (القراءة بالمعنى) لشرح هذا الرأي؛ كما سُمّي أيضًا بنموذج (الرخصة الإلهية)، ووفقًا لهذا الرأي فالحرف الأصلي هو الذي حافَظَ عليه عثمان (أي أنه حافظَ على حرف واحد فقط)؛ ولأنّ الأحرف الأُخرى لم تُتْلَ مِن قِبَل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يكن هناك (إلغاء) أصلًا للأحرف الأخرى بذاتها. بل تمّ سحب التسهيل المتمثّل في القراءة بالمعنى؛ لأنه لم يَعُد هناك حاجة لذلك. ومن ثَم ستُفهم العبارة: (أُنزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرف)، وفقًا لهذا النموذج؛ على أنها بمعنى: «نزلَ الإِذْنُ الإلهيّ بالترخيص بتلاوة القرآن بعدة صيغ» .

هناك روايات عدّة يمكن استخدامها لإثبات هذا الزعم. فيُعتبر تأويل محمد بن سيرين (توفي 110هـ= 729م) واحدًا من أُولَى المحاولات لتأويل واقع الأحرف، عندما علّق على تلاوة بديلة لابن مسعود والتي كان يتلو فيها: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا زَقْيَةً وَاحِدَةً﴾، بدلًا من الصيغة العثمانية: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 29]. فقال ابن سيرين: «إنما هو كقولك: هَلُمّ، وتعَالَ، وأَقْبِل» . وكأنّه يلمح إلى أن الأحرف هي كلمات مترادفة يستخدمها القرّاء.

وهناك روايات عدّة من الأجيال الأُولى تبدو أنها تؤكّد ذات الأمر ، كما نجد مثلًا في واقعة مشهورة أنّ ابن مسعود كان يعلِّم شخصًا قراءة: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 43- 44]، لكن الرجل لم يتمكّن من قولها، وظلّ يكرر، «…طعام اليتيم». فقال ابن مسعود: «أتستطيع أن تقول: طعامُ الفاجِر؟»، فأجاب الرجل أنه يستطيع، فقال ابن مسعود: «فافعل»، ثم أخبره: «إنّ الخطأ في القرآن ليس أن تقول: الغفور الرحيم، العزيز الحكيم، إنما الخطأ أن تقرأ آية الرحمة آية العذاب، وآية العذاب آية الرحمة، وأن يُزاد في كتاب الله ما ليس فيه» ؛ ويبدو أنّ ابن مسعود اقترح مرادفًا بناءً على عدم قدرة الرجل على القراءة بشكلٍ صحيح.

وفي حادثة أخرى يُورِدُ الأعمش أنّ أنس بن مالك قرأ: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمِزُونَ﴾، والذي في النسخة العثمانية: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: 57]، فـ«قيل له: وما يجمزون؟ إنما هي يجمحون؟»، فقال: «يجمَحُون ويجمِزُون ويشتدُّون؛ واحدٌ» ، وفي رواية أخرى أنّ أنس بن مالك قرأ: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6] هكذا: ﴿وَأَصْوَبُ قِيلًا﴾ . ولـمّا أُخبر أنّ القراءة الصحيحة هي أقوَم، قال: «أقوَمُ وأصوَبُ وأهيَأ؛ واحدٌ» ، وقرأ أنسٌ أيضًا فيما رواه أبّان عنه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: 2]، هكذا: ﴿وَحَطَطْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ . فلمّا سُئل عن هذا، قال: «وضَعْنا وحلَلْنا وحطَطْنا عنك وِزرك؛ سواءٌ. إنّ جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (اقرأ على سبعة أحرف، ما لم تخلِط مغفرةً بعذاب، أو عذابًا بمغفرة)» . لاحظ هنا الربط الصريح بين حديث الأحرف والمترادفات اللفظية، مع ذِكْر علّة التسهيل.

في مثال آخر، كان أُبيّ بن كعب يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: 20]، هكذا: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَرُّوا فِيهِ﴾، أو: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ سَعَوا فِيهِ﴾، ويعلّق ابن عبد البر، فيقول: «كلّ هذه الحروف كان يقرؤها أُبيّ بن كعب» ، مرّة أخرى نجد الألفاظ المترادفة تُستخدم وبدون إسنادها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.

يصعب حصر الروايات التي توثّق اختيارات الصحابة للكلمات في مقال واحد، ومَن يقرأ في كتب التفسير أو الحديث سيصادف الكثير من هذه الروايات بلا شك.

فَهْمُ هذه الاختلافات كتسهيلٍ مَمنوح للصحابة سيفسِّر أيضًا نصيحة ابن مسعود لتلاميذه بشأن تلك الاختلافات؛ حيث ورد عنه أنه قال: «إنّي قد سمعتُ القرّاء؛ فوجدتهم متقاربين، فاقرؤوا كما عُلّمتم، وإيّاكم والاختلافَ والتّنطّع؛ فإنّما هو كقول أحدكم: هَلُمّ، وتعَالَ» .

لاحظ هنا أنّ ابن مسعود -وكلّ صحابي آخر- كان يقرأ بالطريقة الخاصّة به فحَسْب، ولو كان الصحابة يرون هذه المترادفات من الوحي النبوي (حسب نموذج التَّلقين)، لكان من المنطقي أن يتنقلوا بين الكلمات المختلفة وأن يقرؤوا بطرق الصحابة الآخرين، لكنّنا مع ذلك نجد أنّ ابن مسعود عندما تعرّض للضغط للامتثال لحرف الجمع العثماني -كما هو معروف جيدًا وموثّق في العديد من الروايات الصحيحة- رفضَ ذلك، بزعم أنه سمع قسمًا كبيرًا من القرآن مِن فِي النبي -صلى الله عليه وسلم-، بينما كان زيد (الذي كان مكلَّفًا بجمع نصوص عثمان) لا يزال صبيًّا يلعب مع الصبية وله ذؤابتان ؛ لذا كان ابن مسعود يفضِّل قراءته الخاصّة لنفسه ولطلابه، وكان يشجّع الآخرين بنشاط على الالتزام بما تعلَّموه من قِبل الصحابة الآخرين، وكان يحذّرهم من التعصّب والاختلاف بسبب مثل هذه الاختلافات، ولو كانت هذه الاختلافات كلها نبويّة الأصل والمصدر لكان هذا هو الوقت المناسب لإرشادهم إلى ذلك، ولقال ابن مسعود: (لا عليكم سواء قرأتم بحرفي أو بحرف زيد، كلّها نبوية وكلّها سواء)؛ لكنه بدلًا من ذلك، قدّم مثالًا يفهمونه جميعًا في استخدامهم الخاص للغة (هَلُمّ، وتعال)، وأرشدهم أن لا يقعوا في التنطّع والافتراق، فالأمر هيّن والرخصة الإلهية تسمح بذلك.

نجد أيضًا أنه حتى قبل مشروع جمع الناس على حرف واحد وتوحيد النصّ بواسطة عثمان، كان هناك بعض الاستياء من هذه الاختلافات. فيُروى أن عمر سمع رجلًا يقرأ: (عتّى حين) بدلًا من (حتّى حين)، فلما سأله عن ذلك أخبره الرجل أنّ ابن مسعود قد علَّمه هذا اللفظ، فأرسل إليه على الفور كتابًا من المدينة إلى الكوفة جاء فيه: «سلام عليك، أمّا بعد؛ فإنّ الله أنزل القرآن فجعله قرآنًا عربيًّا مبينًا، وأنزله بلغة هذا الحيّ من قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فأَقرِئ الناس بلغة قريش ولا تُقرِئهم بلغة هُذَيل!» . هنا، يظهر أنّ عمر يرغب في تثبيط تعدّد النطق والقراءات بسبب أن هذه الاختلافات تنبع من لهجات الصحابة الخاصة، بينما نزل القرآن بلهجة قريش. لاحظ أيضًا أنّ عمر لم يتشدّد عليه ولم يهدّده بالتبديع أو الكفر؛ لأنّه علم أنّ موقف ابن مسعود جائز ولكنّه خلاف الأَوْلى.

ولكثرة مثل هذه الروايات، نجد أنّ ابن حجر أقرّ بحقيقة أنّ الصحابة -أو بعضهم على الأقلّ- كانوا يستبدلون الكلمات استنادًا إلى المعاني، فقال: «لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعًا له [من النبي]» .

وقدَّم ابن شهاب الزهري (توفي 127هـ= 745م) تفسيرًا مشابهًا للأحرف، فقال: «بلغني أنّ تلك الأحرف السبعة إنما هي الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلالٍ ولا حرام» ، وقال أبو أويس (تلميذ الزهري): «سألتُ الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث، فقال: إنّ هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث! إذا أُصيب معنى الحديث ولم يُحِلّ به حرامًا ولم يُحرِّم به حلالًا؛ فلا بأس، وذلك إذا أُصيب معناه» ، وفي هذا القول تأييد صريح للقراءة بالمعنى.

والظاهر أنّ عددًا من رموز القرنين الثاني والثالث قد صرّحوا بما يؤكّد هذا الموقف. قال يحيى بن سعيد القطان (توفي 198هـ= 814م) في تعليقه على رواية الأحاديث : «أخاف أن يُضيَّق على الناس تتبّعُ الألفاظ؛ لأنّ القرآن أعظم حُرمة، وَوَسِع أن يُقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحدًا».

قد يكون من أبرز الروايات في هذا الصدد هو ما ورد عن الإمام الشافعي (توفي 204هـ= 820م) في كتابه (الرسالة)، عندما ناقش الألفاظ الصحيحة للتشهّد الأخير في الصلاة الراتبة، حيث رأى أن سبب الاختلاف في الألفاظ هو رواية الصحابة لجوهر الصلاة بألفاظهم الخاصّة. ثم دافع عن الاختلافات في التشهد من خلال تأييده الصريح لمفهوم القراءة بالمعنى : «فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزلَ كتابه على سبعة أحرف معرفةً منه بأنّ الحفظ قد يَزِلُّ، لِيُحِلَّ لهم قراءته وإن اختلف اللفظُ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى؛ كان ما سوى كتاب الله أَوْلى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِل معناه».

هذا الاقتباس يُنبِئ بأن الظاهر أن الشافعي كان يَعتبر أن القارئ لكتابه سيكون على عِلْم بهذه الحقيقة؛ ولذلك استخدمه لإثبات وجود تباين في ألفاظ التشهد. ومن الجدير بالملاحظة أنّ الشافعي هنا يربط بين تغيير الألفاظ ونسيان الذاكرة، ويرى أنّ ذلك جزء من التسهيل في (الأحرف السبعة). إنّ ربط الأحرف بنسيان الذاكرة قد يستبعد أيّ تأويل لكلامه باستثناء القراءة بالمعنى: تمّ الترخيص بتجاوز الألفاظ الدقيقة في نقل معاني القرآن ما دام قد تمّ استخدام كلمات مترادفة وتمّ توصيل المعنى نفسِه.

موسوعي آخر من تلك الحقبة وهو ابن قتيبة (توفي 276هـ= 890هـ)، علّق على القراءات المتنوّعة المنسوبة إلى الصحابة بقوله: «فإن قال قائل: فهل يجوز لنا أن نقرأ بجميع هذه الوجوه؟ قيل له: كلّ ما كان منها موافقًا لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه؛ جاز لنا أن نقرأ به. وليس لنا ذلك فيما خالفه؛ لأن المتقدِّمين من الصحابة والتابعين، قرؤوا بلغاتهم، وجَرَوا على عادتهم، وخلّوا أنفسهم وسَوم طبائعهم، فكان ذلك جائزًا لهم، ولقومٍ من القرّاء بعدهم مأمونين على التنزيل، عارفين بالتأويل، فأمّا نحن معشر المتكلِّفين، فقد جمعنا اللهُ بحسن اختيار السّلف لنا على مصحف هو آخر العرض، وليس لنا أن نعدوه، كما كان لهم أن يفسّروه، وليس لنا أن نفسّره» .

فكان ابن قتيبة يسمح للأجيال الأُولى بما لا يسمح به لجيله والأجيال التي تليه: وذلك للقدرة على التلاوة بشكل تلقائي طبيعي مع فهم جيد للغة مع التعبير عن المعاني حتى وإن استخدم المرء كلمات أخرى.

ونُقل هذا الرأي أيضًا عن أحد كبار قضاة بغداد في العهد العباسي المبكِّر، وهو القاضي أبو إسحاق الجهضمي (توفي 282هـ= 896م) ، وكان من أوائل الذين صنّفوا رسالة حول القراءات (لكنها للأسف فُقدت). وصنّف أيضًا رسالة بعنوان: (كتاب أحكام القرآن)، لا يزال جزء منه موجودًا. ذكر في تلك الرسالة أنّ عمر بن الخطاب كان يقرأ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، كـ﴿فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . وعلّق على ذلك: «قراءة: ﴿فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ غير منكَر لتقارب المعنى فيها وفي قراءة مَن قرأ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وقد كانوا قبل أن يُجمَع الناس على مصحف واحد يختلف بعض القارئين في هذا وفيما أشبه غير أن المعاني تتقارب، وقد رُوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فوُسِّع على الناس في اختلافهم بعض الألفاظ إذا تقاربت المعاني، فلمّا جُمع الناس على مصحف واحد كانت القراءة على ذلك اللفظ» .

مرة أخرى، وكما في الاقتباسات السابقة، نشعر بأنّ (الأحرف السبعة) تتمثّل في تغييرات في الألفاظ منشؤها الصحابة، ما دامت الألفاظ مترادفة ونُقِل المعنى الأصلي. ومثلما فهم معاصره ابن قتيبة، أن هذا التسهيل كان مطبَّقًا في الماضي، ولكنه لم يعد قائمًا في عصره.

وقد ذكر هذا الرأي أيضًا أبو عوانة (توفي 316هـ= 927م)، المؤلِّف المعروف للمستخرج على صحيح مسلم. وقد عنوَن بابًا حول أحاديث الأحرف بالآتي: «باب بيان السعة في قراءة القرآن إذا لم يُخِلّ المعنى ولم يختلف في حلالٍ ولا حرام، وأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أُعطي بكلّ حرف مسألة سألها» .

رمزٌ آخر من رموز تلك الحقبة، الإمام العظيم والمؤلّف الكبير أبو جعفر الطحاوي (توفي 321هـ= 933م)، حاجج كذلك لتأييد هذا الرأي. ففي عمله الرائع: (شرح مشكل الآثار)، خصّص قسمًا للتعليق على حقيقة الأحرف، بدأ نقاشه حول هذا الموضوع مؤكّدًا أن اللهَ أرسل الرسل بالوحي بلسان أقوامهم، وهي لهجة قريش بالنسبة للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وباعتبار أن الكثير من القرشيين كانوا أُمّيين يعتمدون على ذاكرتهم لحفظ القرآن، كان من الصعب عليهم في بعض الأحيان الاحتفاظ به باللهجة الأصلية؛ والقبائل التي تتحدّث بلهجات أخرى بالطبع وَجَدت صعوبة أكبر في الاحتفاظ باللهجة الأصلية لكلّ لفظ. وفي ضوء هذه الصعوبة، يقول الطحاوي: مُنحوا رخصةً إلهيةً لتلاوة القرآن باستخدام ألفاظ مختلفة ما دام المعنى الأصلي محفوظًا.

ثم قال: «وكان يشقّ عليهم حفظ ما يَقْرَؤُهُ عليهم بحروفه التي يقرؤه بها، ولا يتهيأ لهم كتابُ ذلك… فوسّع عليهم في ذلك أن يتلوه بمعانيه، وإن خالفَت ألفاظُهُم التي يتلونه بها ألفاظَ نبيهم -صلى الله عليه وسلم- التي قرأه بها عليهم، فوسّع لهم في ذلك بما ذكرنا» .

وأكمل الطحاوي: أنه بعد فترة عندما اعتادت هذه القبائل على لهجة قريش وزاد عدد الكُتّاب وأصبحوا يعتمدون على الكتابة بدلًا من الذاكرة، أصبح من الأسهل لهم الاحتفاظ بالقراءة الأصلية للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك أُبطلت هذه التسهيلات وبقي حرف واحد فقط. بعدما كانت رخصة الأحرف المختلفة تسهيلًا مؤقتًا بسبب الحاجة. واستدلّ الطحاوي بحديث عمر وهشام ليعضد ما ذهب إليه؛ حيث أكّد أنهما كانَا يتلوان بألفاظ مختلفة، ولكن هذه الاختلافات كانت تعبّر في الأساس عن المعنى نفسِه. يقول الطحاوي : «ما قد دلّ على أنّ السبعة الأحرف هي السبعة التي ذكرنا، وأنها مما لا يختلف معانيها، وإن اختلفت الألفاظ التي يتلفّظ بها، وأنّ ذلك كان توسعة من الله -عز وجل- عليهم لضرورتهم إلى ذلك وحاجتهم إليه، وإن كان الذي نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما نزل بألفاظ واحدة».

كلّ هذه الآثار المبكّرة تتضافر جميعًا على أنّ الأحرف السبعة تمثّل تسهيلًا لنقل معاني القرآن باستخدام المترادفات على سبيل الرخصة لمن لا يستطيع النطق بالألفاظ الأصلية؛ ولعلّ أبا جعفر الطحاوي -رحمه الله- مِن أصرحِ مَن ذكرَ هذا بين المتقدِّمين.

بالنسبة لأولئك الذين يتبعون نموذج الرخصة الإلهية سيكون من الواضح لديهم من الاقتباسات السابقة أن مصدر هذه المترادفات هو الصحابة؛ حتى يمكن للمرء أن يدّعي أنه لا يوجد أيّ إشارة إلى نموذج التَّلقِين فيها. ومع ذلك، يفسّر الذين يتبعون نموذج التَّلقِين هذه الروايات على أنها أمثلة على الاختلافات التي أتت على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- وتم تكرارها من قِبل الصحابة. بمعنى آخر، يتم الاعتماد على فرضية أن كلّ هذه الاختلافات كانت تنقل بواسطة الصحابة كما سمعوها من النبي -صلى الله عليه وسلم-. ومن ثَم يمكن القول: إنّ الفرق الرئيس بين نموذج التَّلقِين ونموذج الرخصة الإلهية يكمن فيما يتعلق بمصدرية هذه المترادفات المتغيرة.

يبدو أنّ أول إشارة صريحة بأن مصدر الكلمات المترادفة كان من الصحابة وليس من النبي -صلى الله عليه وسلم- ظهرت حوالي القرن الرابع الإسلامي، ولفترة من الزمن، كان يتمّ نقل الرأيين باعتبارهما خيارين مشروعين. نجد، على سبيل المثال، أنّ الفقيه الحنفي الشهير ومفسِّر القرآن أبا الليث السمرقندي (توفي 373هـ= 983م) ذكرَ كِلا الاحتمالين (أي نموذج التَّلقِين والرخصة الإلهية) فيما يتعلّق بمصدر القراءات المترادفة للأحرف السبعة: «اختلف الناس في الآية التي قُرئت بقراءتين؛ قال بعضهم بأنّ الله تعالى قال بقراءة واحدة إلا أنه قد أَذِنَ بأنْ يُقرأ بقراءتين، وقال بعضهم: إن الله تعالى قال بهما جميعًا» .

وعلى الرغم من ميله إلى الرأي الأخير، إلا أن المهمّ هو أنه يبرز كِلا الرأيين بأريحية ويعتبرهما آراءً مشروعة. يذكر كذلك النحوي واللغوي ابن خالويه (توفي 370هـ= 980م) بوضوح في عمله حول القراءات كِلا الرأيين دون أن يقدِّم ترجيحه الشخصي:

«فإن سأل سائل فقال أهذه الحروف نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهذا الاختلاف والوجوه أم نزلت بحرف واحد…»، فالإجابة عن ذلك: «أنّ طائفة قالت: إنه كذا نزلت على سبعة أحرف من سبعة أبواب في العرضات التي كان جبريل -عليه السلام- ينزل بكلّ سنة»… «وقال آخرون: بل نزل القرآن بلغة قريش وبحرف واحد، نحو: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بأسرها، ثم أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- تسهيلًا على أُمّته أن يَقرأ كلّ قوم بلغتهم…» .

ويبدو ابنُ جنّي (توفي 391هـ= 1102م)، في أواخر القرن الرابع، مترددًا بخصوص أصل هذه المترادفات المختلفة؛ ففي عمله التأسيسي حول القراءات، قال عند مناقشته لقراءة أنس المختلفة لآية ﴿لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: 57]: «وهذا موضع يجد الطاعن به -إذا كان هكذا- على القراءة مطعنًا، فيقول: ليست هذه الحروف كلها عن النبي -صلى الله عليه سلم- ولو كانت عنه لَمَا ساغ إبدال لفظ مكان لفظ… إلا أنّ حُسْنَ الظنّ بأَنَسٍ يدعو إلى اعتقاد تقدُّم القراءة بهذه الأحرف الثلاثة… فيقول: اقرأ بأيّها شئت، فجميعها قراءة مسموعة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-» .

فبينما يقرّ ابن جنّي بأنه لا يوجد دليل حقيقي يشير إلى الأصل النبوي لهذه المترادفات، إلا أنه يقترح بحسّ ديني أنه سيكون من غير المناسب افتراض القراءة بالمعنى. بمعنى آخر، على الرغم من عدم وجود أيّ دليل يشير إلى هذا، يقول ابن جنّي أن مفاهيمنا الدينية بخصوص القرآن تجعلنا نفضّل نموذج التلقين على نموذج الرخصة الإلهية . ومع ذلك، فإنه لاحقًا في الكتاب نفسِه، عند مناقشته لتلاوة أنس المختلفة للآية ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6]، يقول : «هذا يؤنِس بأنّ القوم (يعني الصحابة) كانوا يعتبرون المعاني، ويخلدون إليها، فإذا حصّلوها وحصّنوها سامحوا أنفسهم في العبارات عنها». وعندما ناقش تلاوات أنس المختلفة للآية ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: 2]، حيث يربط أنس بوضوح بين القراءة بالمعنى وحديث الأحرف السبعة، قال: «قد سبقت مثل هذه الحكاية سواء عن أنس، وهذا ونحوه هو الذي سوّغ انتشار هذه القراءات» . فمن الواضح إذًا أنّ ابن جنّي نفسَه تردّد بين النموذجين، وكان الموقف الذي اتجه إليه فيما بعد -يعني في آخر كتابه- هو نموذج الإِذْن الإلهي.

عالِم آخر يستحقّ ذِكْره وهو رمزٌ من رموز هذا الفنّ هو مكيّ بن أبي طالب (توفي 437هـ= 1045م) حيث قال إنّ جمع عثمان حفظَ حرفًا واحدًا فقط: «فالمصحف كُتب على حرف واحد، وخطّه محتمِل لأكثر من حرف؛ إِذْ لم يكن منقوطًا ولا مضبوطًا، فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية؛ إِذْ لا يخلو أن يكون ما اختلف فيه من لفظ الحروف التي تخالف الخط: إمّا هي مما أراد عثمان، أو مما لم يرده إِذْ كتب المصحف، فلا بد أن يكون إنما أراد لفظًا واحدًا أو حرفًا واحدًا، لكنّا لا نعلم ذلك بعينه، فجاز لنا أن نقرأ بما صحّت روايته، مما يحتمله ذلك الخط لنتحرّى مراد عثمان رضي الله عنه، ومَن تبعه من الصحابة وغيرهم» . ومن الجدير بالذِّكْر أنّ مكيّ بن أبي طالب يتعامل مع القراءات بطريقة شبيهة بالإمام الطبري حيث يوجّه ويقارن ويرجّح ويختار بين القراءات المتواترة، بل يردّ أحيانًا بناء على قواعد بعضها سمعية إسنادية وبعضها عقلية لغوية بلاغية، كما أنّ لديه خياراته الخاصّة التي خالف فيها جمهور القرّاء المشهورين .

ومن العلماء الذين دافعوا بوضوح عن نموذج الإِذْن الإلهي هو القاضي أبو بكر بن العربي (توفي 543هـ= 1148م)، الذي يعدّ دون شكّ واحدًا من أعظم العقول التي أنتجتها إسبانيا المسلمة. من الجدير بالذِّكْر أنّه كتب رسالة كاملة حول مسألة الأحرف. للأسف، ضاعت تلك الرسالة، ولكنه قام بتلخيص رأيه في عمل آخر مشهور له وهو (العواصم من القواصم)، يقول:

«ومعنى الكلام (على سبعة أحرف): أنّ الله وسّع على هذه الأمة وأَذِنَ للصحابة في أن يَقرأ كلُّ واحد بما استطاع من لغته… واستمرت الحال هكذا حياةَ النبي رخصةً من الله وتوسعة على الخلق؛ إِذْ لو كُلّفوا أن يقرؤوا باللغة التي نزل القرآن بها -وهي لغة قريش- لنفر قومٌ وشقّ على آخرين، والشريعة سمحة» .

يرى ابن العربي هنا أنه قد تمّ الوحي بحرف واحد فقط، بلهجة قريش، وأُعطي التسهيل للصحابة وذلك الجيل الأول الذين تعاملوا مع الوحي الإلهي لتلاوة القرآن باستخدام ألفاظ مترادفة بلهجاتهم الخاصة.

والرأي القائل بأنّ كلّ اختلاف صدر مباشرة من النبي -صلى الله عليه وسلم- (أي: نموذج التلقين)، والذي يبدو، كما ذكرنا، أنه بدأ في القرن الإسلامي الرابع، أصبح أكثر انتشارًا منذ القرن الخامس وما بعده، حتى حلّ في النهاية محلّ نموذج الإِذْن الإلهي. ومن الشخصيات المهمّة التي ساعدت شهرتها ومكانتها في نشر نموذج التلقين هو الرمز الكبير في ميدان القراءات أبو عمرو الداني (توفي 444هـ= 1053م). يرى الإمام الداني أنّ جبريل قرأ القرآن بطرق متعدّدة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن ثمّ علَّم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- هذه الطرق للصحابة. والسبب في قولهم: «حرف أُبيّ» ليس لأنّ القراءة نشأت منه، ولكن لأنه أتقن وأحكم هذه الطريقة من القراءة واتخذها عادته، «وهذه الإضافة إضافة اختيار (يعني: من تلاوات النبي صلى الله عليه وسلم) ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد» .

وعلى الرغم من أنّ هذا الرأي الأخير أصبح في النهاية هو السائد، إلا أن الرأي الأول لم يختفِ تمامًا، بل ظلّ يظهر بين الحين والآخر في مختلف الكتابات المتعلّقة بهذا الموضوع. على سبيل المثال، يُشير أبو شامة المقدسي (توفي 665هـ= 1267م) في تعداده للآراء حول الأحرف إلى رأي القراءة بالمعنى، فيقول:

«فمعنى الحديث: (منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط)؛ أنّهم رُخّص لهم في إبدال ألفاظه بما يؤدّي معناها، أو يقاربه من حرف واحد إلى سبعة أحرف، ولم يلزموا المحافظة على حرف واحد؛ لأنه نزل على أمّة أميّة لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء» .

عالم آخر واسع الشُّهرة فهمَ هذا الموقف بوضوح، بل ربما اعتقده أيضًا، هو المفسّر ابن كثير (توفي 774هـ= 1373م)؛ حيث سرد في كتابه (فضائل القرآن) خمسة آراء حول حقيقة الأحرف، والرأي الأول والأكثر تفصيلًا، والذي يبدو أنه اعتمده شخصيًّا، هو رأي الطحاوي الذي ذكره باسمه، ثم قال: «قال الطحاوي وغيره: وإنما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات، وذلك لما كان يتعسَّر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش وقراءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، وقد ادَّعى الطحاوي… أنّ ذلك كان رخصة في أوَّل الأمر، ثم نُسِخَ بزوال العُذر وتَيَسُّر الحفظ وكثرة الضبط وتعلُّم الكتابة» .

يُفصِّل ابن كثير لاحقًا بأنّ الخليفة عثمان قرّر إلغاء هذه الرخصة وجمع الناس على القراءة التي قرأها جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وطلب منهم عدم استغلال الرُّخَص والتسهيلات التي مُنحت لهم سابقًا؛ إِذْ كانت تلك التسهيلات قد بدأت بالتسبب في الفُرقة، بل والاتهام بالزندقة.

يُعثر أيضًا على هذا الرأي، وما يلتحق به، في مؤلَّفات العلماء في فترات لاحقة، وصولًا إلى العصر الحديث . كتب عبد الرحمن بن يحيى المعلمي (توفي 1966)، الذي له سُمعة كمؤيّد صريح لمدرسة أهل الحديث؛ صراحةً أنّ الأحرف تمثل تباينات في الألفاظ تدلّ على قراءات مترادفة، وأحيانًا كان الصحابة يُبدِّلون الكلمات التي لم يسمعوها من النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنّ حال الأمّيين قد اقتضت الترخيص لهم في الجملة في القراءة بالمعنى، وإذا كان ذلك في القرآن مع أنّ ألفاظه مقصودة لذاتها؛ لأنه كلام ربِّ العالمين» .

لكن ماذا عن مراجع علوم القرآن؛ مثل (البرهان) للزركشي و(الإتقان) للسيوطي؟ لأنّ بعضًا يعتقد أنّ (رأي الإِذْن الإلهي) رأي محدَث لم يُسبق إليه من قبلُ ولم يُذكر عند العلماء المحقّقين! ويدّعون أنّ هذا القول لم يُذكر حتى في الموسوعات المعتمدة مثل (البرهان) و(الإتقان).

نقول جوابًا عن هذا الاعتراض: من المؤكد أنهم لم يتجاهلوا ذِكْر نموذج (الرخصة الإلهية) عند تعداد الآراء، حتى لو لم يتّفقوا مع هذا النموذج.

وبالفعل عندما نعيد قراءة هذه المصادر الرئيسة والمشهورة، يتّضح لنا بوضوح شديد أن هذا الرأي تمّ ذِكْره صراحةً. على سبيل المثال، يناقش الزركشي في كتابه (البرهان) التفسيرات المتعدّدة للأحرف، ويذكر الطحاوي بالاسم، ويشير (في الرأي رقم 5) إلى أن حقيقة الأحرف تكمن في الألفاظ المترادفة. يستشهد أيضًا بالعديد من الأمثلة لقراءات الصحابة المتفاوتة وهي ذات الأمثلة التي سبق ذكرها في هذا المقال، ويدّعي صراحة أنّ عثمان حافَظَ على حرف واحد فقط . أمّا السيوطي في (الإتقان)، فقد أورد قائمة تضم 35 رأيًا حول ما قد تكون عليه الأحرف، ومن ضِمن هذه الآراء، وتحديدًا الرأي التاسع: أنّ الأحرف تمثّل ألفاظًا مترادفة. ويقتبس أيضًا مزاعم الطحاوي حول عدم قدرة الأجيال الأُولى على القراءة والكتابة، مما يجعل من الصعب عليهم حفظ لفظ واحد. ويبيّن هذا الرأي من خلال حادثة ابن مسعود التي أرشد فيها الرجل لتلاوة (طَعَامُ الْفَاجِرِ) بدلًا من ﴿طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ .

وربما لأنه لم يذكر أحدٌ من هؤلاء المؤلِّفين عبارة (القراءة بالمعنى) ولم يتحدّثوا صراحة حول مصدر هذه المترادفات، أصبح من الأسهل تجاهل هذه الإشارات الواضحة والافتراض -كما فعل العديد من العلماء في وقت لاحق- أن المراد هنا هو المترادفات التي قرأها النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه (أي: نموذج التَّلقين). ولكن يستفاد من نصّ كلام الطحاوي، أنه قد نزل الوحي بلفظ واحد فقط، وأن بقية الألفاظ جاءت من الصحابة، من الواضح أن هؤلاء العلماء لم يقصدوا ما يبدو أن بعضهم قد فهمه منهم.

لذا، فإن الرأي الذي يَعتبر أنّ الأحرف تمثّل الرخصة الممنوحة للصحابة للقراءة بألفاظ مترادفة (القراءة بالمعنى) هو رأي موثّق بشكلٍ جيدٍ ويمكن العثور عليه في العديد من المراجع: القديمة، والوسطى، وما قبل الحديثة، والحديثة. ولكن، كما سيُشرح لاحقًا، فإن هذه المراجع يتم إعادة تأويلها أو تجاهلها من قِبَل الذين يعتنقون نموذج التلقين.

هنا سؤال يطرح نفسه حول كيفية تفسير نموذج (الرخصة الإلهية) للجمع العثماني. ووفقًا لمؤيدي هذا الرأي، يأخذ الجمع العثماني نظرية مختلفة وواضحة . فعندما واجَهَ المسلمون الجُدد الذين تعلَّموا اختيارات أو حروف بعض الصحابة =قراءاتِ اختيارات صحابة آخرين، بدؤوا في رفض تلك الاختيارات؛ لأنهم لم يكونوا قد سمعوا بها من قبلُ ولم يتعرّفوا على مفهوم الأحرف. هذا الجهل من جانبهم هو السبب في أنّ عثمان كان مضطرًّا للتأكيد علنيًّا على أنّ القرآن قد نزل بأحرف متعدّدة، وأنه لا يجب على أحد رفض قراءات الصحابة الآخرين. ومع تفاقم الوضع، أدرك الصحابة الكبار أنه يجب اتخاذ إجراء؛ لذلك، قرّروا تقنين وتدوين الألفاظ الأصلية التي تلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- والقضاء على الخيارات التي كانت مسموحة في ضوء الترخيص الذي جاء في حديث الأحرف، ولكنها لم تكن هي الألفاظ الأصلية. ولهذا السبب اشترط عثمان ألا يأتي إلا مَن كَتَب الآية مباشرة من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا السبب قال للّجنة أن تكتب بلغة قريش؛ «…فإنه إنما نزل بلسانهم». من أجل هذا التنقيح، لم يكتفِ عثمان بالحفظ البسيط، بل أراد وثائقَ مكتوبة وشاهِدَيْن على الأقلّ قد سمعَا هذا اللفظ بالتحديد. وأراد أن يبقى قريبًا قدر الإمكان من اللغة الأصلية حتى في تفاصيل الإملاء الدقيقة وفقًا للسان قريش؛ لأنّ الوحي قد نزل فقط بهذا الحرف. ومن المحتمل أنّ هذا هو السبب في عدم تكليفه ابن مسعود لمثل هذه المهمّة الضخمة؛ لأنّ ابن مسعود مدرك تمامًا لحقيقة الأحرف، وكونه أيضًا من قبيلة أخرى، قد أسّس بالفعل حرفه الخاصّ ودعمه؛ استنادًا إلى ذاكرته وحفظه للقراءة التي تعلَّمها. فلم يتطلّب التخلّص من القراءات البديلة للصحابة شرحًا أو مبررًا: فلماذا الإبقاء على البدائل المرادفة عندما تكون النسخة الأصلية متاحة؟

أعدَّ عثمان بعض النُّسخ الرسمية، وتمّ إرسالها إلى مناطق الخلافة الأساسية، وتمّ تجاهل بعض الاختلافات الطفيفة بين هذه النُّسخ ضمن إطار رخصة الأحرف . كان المشروع ناجحًا بشكلٍ تام: تم نسيان جميع الاختلافات الأخرى بشكلٍ كلِّي جماعي، واستمر فقط جزء ضئيل منها في ذاكرة الأجيال اللاحقة، وتم جمعه في كتب المصادر لدينا في التاريخ، والنحو، والتفسير.

بالطبع، أدّى الخط الذي كان متاحًا لعثمان، بالإضافة إلى التباين الطبيعي في نطق الكلمات الذي يوجد في كلّ لغة، إلى وجود نافذة صغيرة جدًّا للتنوّع في القراءات. لكن هذا التنوّع، بالمقارنة مع الفروق بين الأحرف قبل النّسخ العثمانية، كان بسيطًا لدرجة أنه كاد أن يكون غير مهمّ في أذهان الذين يرغبون في الحفاظ على الحرف المنزَّل. وهذا يفسّر عدم وجود مستوى من العداء أو التكفير المحتمل بين القرّاء بعد عثمان مقارنة بما حدث من الذين تسببوا في الجمع العثماني. وفي هذا النطاق الضيق بدأ علم القراءات، وازدهر، وأُغْلِق في النهاية مع مشاريع التقنين. إذًا فقد تم استقاء جميع القراءات من حرف واحد: الحرف المحفوظ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

السؤال الأساسي الذي يجب طرحه هو: كيف تكون القراءات مستقاة من حرف واحد، وهي متنوّعة الوجوه؟ ومن ثمّ: ما هي العلاقة بين القراءات والقرآن نفسه؟ بالنسبة لمعظم العلماء، الاثنان مترادفان: إنّ القراءات جميعًا هي القرآن (وهذا هو الاستنتاج المنطقي لنموذج التَّلقين). لكن هذا لم يكن هو الموقف الذي اتخذه واحد من أعظم العقول في علوم القرآن.

يقول الزركشي: «واعلم أنّ القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان؛ فالقرآن هو الوحي المنزَّل على محمد -صلى الله عليه وسلم- للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما» .

إذن، عندما يفهم شخصٌ ما أنّ الوحي الإلهي يتجلَّى فعليًّا في القراءات مع العلم بعدم تطابقها التام، فإن السؤال يكون: كيف بالضبط ينظر الزركشي وأولئك الذين يتبنّون هذا التمييز إلى الاختلاف بين الوحي والقراءات؟

بالطبع، بما أن القراءات ليست متطابقة تمامًا -على الأقلّ في أذهانهم- مع الوحي، سيسمحون ببعض المجالات الطفيفة للاجتهاد في هذا العلم، وهو ما ينصّ عليه صراحة. ويبدو أن هذا هو ما تشير إليه العديد من التحريرات إذا سمحنا لأنفسنا بأخذها على ظاهرها.

وردَ أنّ ابن مسعود كان ينصح طلابه: «إذا اختلفتم في القرآن في الياء والتاء فذكّروا القرآن؛ فإنّ القرآن مذكِّر» ، فلو كانت الصدارة دائمًا لتلقين كلّ حرف (أي نموذج التَّلقين)، لما كان لهذا الأمر أيّ معنى. بل إنه يشير إلى وجود مستوى من التفكير المستقلّ كانت عليه الأجيال الأُولى من القرّاء، وخاصة إذا تعلق الأمر بتصريف كلمة تسمح هيكلتها في المصحف العثماني بقراءات متعدّدة. واستنادًا إلى هذا النموذج، فإنّ جواز القراءات المتغيرة للحرف المحفوظ بواسطة عثمان تكون تحت نطاق رخصة الأحرف. ومن ثم، يكون مصدر الاختلافات في القراءات ثلاثة:

أولًا: اللكنات وظواهر النطق الذي يختلف فيه العرب من مناطق وقبائل متعدّدة (مثل الإمالة والغنة والإدغام… إلخ).

ثانيًا: اجتهاد النحاة والقرّاء المؤهّلين في القرن الأول والثاني في فكّ رموز نسبة صغيرة من التشكيلات، وإعراب كلمات معيّنة بناءً على السياق القرآني ولغات العرب (مثل أغلب الخلافات في التشكيل والإعراب).

وأخيرًا والأقلّ شيوعًا: الاختلافات البسيطة بين المصاحف العثمانية الرسمية (مثل: ﴿وَوَصَّى﴾ أو ﴿وَأَوْصَى﴾).

والأدلة على هذا كثيرة جدًّا لدرجة أنه لا يمكن حصرها، فكلّ محاولة لتسويغ قراءةٍ ما أو شرحها من خلال المعنى الأوسع، أو القواعد النحوية، أو الشِّعْر، أو من خلال الاحتكام إلى قواعد النطق لقبيلة معيّنة، هي في الواقع تجلٍّ لتلك الحقيقة. ولا يحتاج المرء سوى قراءة أيّ تفسير تراثي أو عمل في القراءات ليرى أمثلة مبثوثة على هذا. ولم يضطر العلماء، إلا في مرحلة لاحقة، لإعادة تأويل كلّ مثال ليصبح مجرّد توضيح للسبب الذي جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يتلو بهذه الطريقة المزعومة (أي: فرض نموذج التَّلقين على هذه المرويات)، بدلًا من الحقيقة الواضحة التي تتمثّل في أن القارئ يبرّر اختياره بالاستناد إلى القواعد النحوية أو الشِّعْر أو المعنى (أي: نموذج الرخصة الإلهية).

يقول النحوي والقارئ ابن جنّي، بعد مناقشته لقراءة أنس المختلفة للآية: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: 2]، حيث ربط أنسٌ بوضوح القراءة بالمعنى بحديث الأحرف السبعة، يقول: «…وهذا [الحادث] ونحوه هو الذي سوّغ انتشار هذه القراءات» ، أي بمعنى آخر: إنّ رخصة الأحرف هي الامتياز الدقيق الذي سمح بانتشار القراءات، أو بتعبير أوضح يقول: إنه إذا كان بإمكان الجيل الأول استبدال كلمة بأخرى وكان ذلك يُعتبر أمرًا صحيحًا، فإنّ من الأَوْلى أن تختلف القراءات اللاحقة في فكّ تشفير كلمة هيكلية في الخطّ العثماني، ويجب اعتبار كلّ هذه الاختلافات صحيحة.

وتناوَلَ القاضي أبو بكر بن العربي، العالِم الأندلسي الشهير الذي اقتبَسْنا كلامه أعلاه =القراءاتِ في القرن الرابع بعد تدوين ابن مجاهد بفترة طويلة، وأوضح ببساطة أنها كانت اختيارات هؤلاء القرّاء بخصوصهم؛ ومن هنا، يقول، ليس من الضروري اتّباع أحدهم حصريًّا. وذكر أن اختيارات ابن مجاهد لم تكن أفضل من تلك التي اتخذها الطبري وغيره من المجمعين، وكلّها صحيحة، لكن بعضها أقوى من بعض. وبعد مناقشته بعض المبادئ الأساسية (الأصول) والاختلافات ضمن القراءات المدونة الشهيرة، قال: «وهذه كلّها أو أكثرها عندي لغات لا قراءات؛ لأنها لم يثبت منها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء، واذا تأمّلتها رأيتها اختيارات مبنية على معانٍ ولغات» ، ثم يستمرّ في شرح السبب الذي يجعله هو شخصيًّا -ولا ننسى مكانته الكبيرة في التفسير والفقه والقراءات- يختار في الواقع قراءاته الفريدة الخاصة به، ثم يقول «…وما من القرّاء واحد إلا وقد قرأ بما قرأ به الآخر، وإنما هذه اختياراتهم، وليس يلزم اختياراتهم أحدًا، فإنهم ليسوا بمعصومين، ولا دلّ دليل على لزوم قول واحد» .

لقد كان نموّ القراءات والتوسّع في حدودها أكثر فأكثر (كما حدث قبل عثمان مع انتشار رخصة الأحرف) هو بالتحديد السبب الذي جعل العلماء بحاجة للتدخّل ومحاولة وضع قواعد لتحديد القراءات التي يجب قبولها ورفضها. والحقيقة البسيطة أنّ مناقشة القواعد، والتنازع عليها، ووزنها ضد بعضها بعضًا، تشير إلى أن القراءات في حالتها التي كانت موجودة عليها في هذا العصر لم تنبع من نموذج التلقين، بل من نموذج الرخصة الإلهية. بمعنى آخر: إنّ حقيقة تدخّل العلماء للمفاضلة بين العديد من القراءات ومحاولة تحديد القراءات التي يجب قبولها، أو رفضها، والتفاعل بين هؤلاء العلماء المختلفين أثناء مناقشتهم لتفاصيل هذه القواعد، تشير إلى الواقع الحيّ لنموذج الرخصة الإلهية وليس نموذج التلقين.

في النهاية لعبت الأعمال الرائدة لابن مجاهد دورًا حاسمًا في اختيار القراءات التي ستظلّ قائمة والتي لن تظلّ كذلك. يجب أيضًا ذِكْر دور الدولة في فرض هذا الاختيار، حيث استخدم ابن مجاهد خدمات صديقه، وزير العباسيين ابن مقلة (توفي 941م)، لاتهام، بل ومعاقبة الذين لم يتبنّوا وجهات نظره . يجب أن نتذكر بشكلٍ خاصّ ما حدث لابن شنبوذ وابن مقسم: فقد حاوَلَا الدفاع عن وجهات نظرهما (التي تنبع بوضوح من نموذج الرخصة الإلهية)، وادّعوا أن العلماء السابقين كانوا على رأيهم، ومع ذلك نجح ابن مقلة في إسكاتهم وإسكات غيرهم، إمّا بالعقوبات والتعذيب الفعلي أو بالتهديد به . فتحوّل علم القراءات من القرن الإسلامي الثاني إلى الرابع، ببطء من تخصّص نشط يختار فيه العلماء ويناقشون ويدافعون، إلى تخصّص خامل؛ حيث أصبح الطلاب يحفظون ويحافظون على اختيارات مجموعة معيّنة من القرّاء الذين قد اختارهم ابن مجاهد، ثم (في القرن الإسلامي التاسع) ابن الجزري.

للتلخيص: يدعم نموذج الرخصة الإلهية الزّعم بأنه تمّ منح الجيل الأول تسهيلات للتلاوة بأقرب ما يمكن إلى النصّ الأصلي. ألغَى عثمان هذه التسهيلات وقدَّم إطارًا هيكليًّا نجح في الحفاظ على التلاوة النبوية (الحرف الواحد الذي نزل الوحي به فعليًّا). ومع ذلك، استمرّ وجود مساحة صغيرة جدًّا من الاختلافات، مقيدة بالعمل من خلال هذا الإطار الهيكلي وعلى أساسه. لم تُعتبر هذه الاختلافات مشكلة في المجمل؛ لأن العلماء قاموا بالتفريق بين القراءات والوحي الإلهي، وسمحوا بمجال ضيق للغاية للاجتهاد في القراءات بسبب الرخصة الإلهية الممنوحة من خلال أحاديث الأحرف، مع الإقرار بأنّ هذا لم يؤثِّر على كون هذه القراءات إلهيةً أيضًا.

قبل الانتقال إلى القسم التالي، يجدر بالذِّكْر أنّ الزعم بأن بعض جوانب القراءات تعتمد على الاجتهاد هو أيضًا الرأي الغالب بين المعتزلة والإمامية (الشيعة الاثني عشرية)، وبالطبع فمجرّد وجود هذا الرأي عند هذه الفِرَق ليس بحدّ ذاته محلّ استدلال، ولكن هذا الأمر يدلّ على وجود هذا الرأي في السابق، وأنّه ما زال موجودًا عند بعض الفِرق الأخرى.

ينتقد الباقلاني بعض المتكلِّمين (أي بعض المعتزلة) في عصره، فيقول: «وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات القرآن وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابًا في اللغة العربية ومما يسُوغ التكلّم بها، ولم تقم حُجّة بأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ تلك المواضع بخلاف موجب رأي القائسين، واجتهاد المجتهدين، وأبَى ذلك أهلُ الحقّ وأنكروه، وخطَّؤُوا مَن قال بذلك وصار إليه» .

يلاحظ أنّ الظاهر أنّ الباقلاني يكتب عن رأي لا يزال قائمًا في عصره؛ كما أنّ اللغة التي يستخدمها هادئة نسبيًّا مقارنة بما سيقوم به الكُتّاب اللاحقون، فلا يوجد اتهام بالزندقة، أو الكُفر، ولكنه يزعم فقط بأن هذا الرأي (مخطِئ) ويجب (رفضه) بدلًا من قبوله. وكذلك يُعلمنا الزركشي أن هذا هو موقف بعض المعتزلة: أنّ القراءات تنبع من الاختيارات التي اتخذها القرّاء بناءً على البلاغة وعلى تحليل واستدلال اللغويين المؤهّلين . وتناول المفسِّر المعتزلي الأشهر، الزمخشري (توفي 1143م)، في كتابه الكشاف، القراءات ككلّ باعتبارها تخصصًا يكون الحكم فيه لا على أساس قبول (السبعة) أو (العشرة)، وإنما وفقًا لمبادئ النحو العربي ومعايير البلاغة .

وينسب الكليني (توفي 329هـ= 941م)، الذي يُعتبر كتابه أصول الكافي عند الشيعة الاثني عشرية مساويًا لصحيح البخاري عند السُّنّة، إلى الإمام الخامس محمد الباقر (توفي 114هـ= 732م) القول الآتي: «إنّ القرآن واحدٌ نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قِبَل الرواة» . وذكرَ آيةُ الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (توفي 1992)، أشهر فقهاء الإمامية في القرن الماضي، أن الاختلافات ضمن القراءات تنبع بشكلٍ بحت من الاجتهاد الشخصي (اجتهادات) للقرّاء، ولا يمكن تتبّع هذه الاختلافات وصولًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- .

القسم الثاني: خمسة اعتراضات وردود:

في هذا القسم، يُذكر خمسة اعتراضات تم تقديمها ضدّ نموذج الرخصة الإلهية إلى جانب الردود المحتملة عليها. يجدر بالذِّكْر أن قائمة الاعتراضات هذه ليست شاملة بالطبع، لكنها عيّنة للاعتراضات الرئيسة.

الاعتراض الأول: هو أنّ هذا الرأي ما هو في الحقيقة إلا اختراع بالكامل من قِبَل بعض الكُتّاب المحدَثين، وأنه لم يتبنّاه أيّ عالم سابق. ويتمّ الزعم بأنّ جميع الحوادث أو الاقتباسات التي ذُكرت في القسم السابق عن العلماء السابقين غير صحيحة أو تم فهمها بشكلٍ خاطئٍ من قِبَل أصحاب هذا الرأي .

لإيضاح هذا الاعتراض، سنستخدم الحادثة الشهيرة لابن مسعود والرأي المذكور للشافعي كأمثلة:

فحادثة ابن مسعود التي بدَا أنه استبدل فيها بكلمة )آثِم) مرادفها (فاجِر)، عندما كان صاحبه غير قادر على نطق الكلمة الأُولى، يردّ عليها أولئك الذين يعارضون نموذج الرخصة الإلهية بطريقتين؛ أولًا: يُدّعى أن الحادثة رُويت بإسناد ضعيف فلا يمكن استخدامها كدليل. ثانيًا: يتمّ تفسيرها على أنها محاولة لشرح الكلمة (أي تفسير)، بدلًا من كونها استبدالًا كان المقصود به أن يتمّ تلاوته.

الردّ على الزعم بأن هذه الحادثة قد يكون إسنادها ضعيفًا قد سبق في هامشٍ سابق حيث تمّت مناقشة مسألة (الروايات الضعيفة). والعجيب، وكتأكيد لبعض النقاط التي تمّ ذكرها في ذلك الهامش، قد تكون هذه الحادثة لا تثبت بشكلٍ موثوق عن ابن مسعود بسبب وجود راوٍ معيّن، ولكن رُويت بسند صحيح عن صحابي آخر، وهو أبو الدرداء . فلا يتأثر استخدام هذا المثال كدليل حيث تم التحقق من أن صحابيًّا قد فعل ذلك (بالإضافة إلى النقاط الأخرى التي تم طرحها في وقت سابق حول الأسانيد).

يُدّعى أيضًا أن استبدال الكلمة في هذه الحادثة كان مجرّد بيان وإيضاح، وليس تلاوة. وعلّق على هذه الحادثة الفقيه الحنفي الشهير أبو بكر الجصاص (توفي 370هـ= 981م) فقال: «أراد (أي: ابن مسعود) إفهامه المعنى» .

ويقول ابن تيمية: «وأمّا مَن قال عن ابن مسعود أنه كان يجوِّز القراءة بالمعنى: فقد كذبَ عليه، وإنما قال: (قد نظرت إلى القرّاء فرأيتُ قراءتهم متقاربة، وإنما هو كقول أحدكم: أقبِل، وهَلُمّ، وتعَالَ، فاقرؤوا كما عُلِّمتُم)، أو كما قال» .

وبينما نجد في النقل السابق عن الشافعي أنه كان يرى الأحرف رُخصة من الله، وأن الصحابة كان يمكنهم قراءة المترادفات إذا كانت تعبّر عن المعاني الصحيحة بدلًا من الألفاظ الدقيقة، يدّعي بعضٌ  أنه لا يمكن فهم ذلك كتأييد للقراءة بالمعنى؛ حيث إنّ الشافعي في ذلك النقل يستخدم مفهوم الأحرف لإظهار جواز التنوع في التشهُّد (بمعنى: أنه يبيّن أنه يمكن نطق التشهُّد بطرق مختلفة؛ فإنّ الله إذا كان قد سمح بنطق القرآن بطرق متعدّدة، فإنّ التشهد الذي له قدسية أقلّ يكون السماح فيه من باب الأَوْلى). يقول المعترض: إنّ الشافعي ذَكَر بشكل صريحٍ في موضع آخر في نفس الكتاب (يعني: الأمّ) أنّ التشهُّد تمّ تعليمه بطرق مختلفة للصحابة مباشرةً من النبي -صلى الله عليه وسلم-. ومن ثَمّ يحتجون بأنه يجب فهم المقطع الأول من الشافعي مع الأخذ في الاعتبار المقطع الثاني.

والردّ على هذا يسير: فبدلًا من محاولة فرض تناسق بين مقطعين متناقضين بشكلٍ واضح من مواضع مختلفة في العمل، يمكن القول بأنّ آراء الشافعي حول التشهُّد تغيّرت على مرّ الزمن (كما تغيّرت العديد من آرائه)، وفي لحظة معيّنة كان لديه رأي، وفي أخرى كان لديه رأي آخر. لا يمكن رفض كلام الشافعي حول الأحرف بسهولة لأنه يربط صراحةً رخصة الأحرف بالنسيان؛ لأنّه قال: «فإذا كان الله لرأفته بخلقِه أنزل كتابه على سبعة أحرف؛ معرفةً منه بأنّ الحفظ قد يَزِلُّ، لِيُحِلَّ لهم قراءته وإن اختلف اللفظ فيه، ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى».

فبدلًا من تأويل هذا المقطع بما يخالف ظاهر كلامه، فإن المعنى الأكثر منطقية (ووضوحًا) هو أن لديه وجهتي نظر مختلفتَيْن بشأن التشهد.

ويمكن الجواب على جميع الاعتراضات بنفس المنوال: ففي كلّ مرّة يقوم علماء يتبعون نموذج التلقين ويعترضون على نموذج الرخصة الإلهية بإعادة تأويل جميع الأدلة المقدّمة حتى لو كانت في بعض الأحيان تبدو متناقضة مع معنى الواقعة أو النقل بشكل واضح. والمفارقة أنّ كلام بعض العلماء من القرن الرابع فصاعدًا في الرّفض الصريح لصحة القراءة بالمعنى، يُثبِت بعينه أن ذلك الرأي كان موجودًا! وإلا فكيف يمكن للمرء تفسير قلق ابن الأنباري ، والإدانة من الداني، وادّعاء ابن تيمية بأنّ مَن يعتقد أن ابن مسعود سمح بالقراءة بالمعنى مخطئ؟

فعلى أقلّ تقدير، فإنّ الأدلة الكلية على وجود مَن دعا إلى نموذج الرخصة الإلهية لا يمكن إنكارها. ثم يعود الأمر بعد ذلك إلى كلّ فردٍ ليرى كيف يمكن تفسير الأدلة بشكلٍ أفضل وأيّ من النموذجين يتناسب بشكلٍ أفضل مع البيانات المتاحة. بالطبع، إذا قبِل أحد بتلك الاعتراضات على الأدلة المقدّمة، فإن نموذج التلقين يُبْقِي على جميع الأسئلة الصعبة التي تم طرحها في القسم السابق من هذا المقال، ويظلّ المرء لا يراوح مكانه فيما يتعلّق بالجوانب الغامضة لهذا الموضوع المعقد.

الاعتراض الثاني الذي يطرح: هو أن رأي القراءة بالمعنى يبدو أنه يتعارض مع القاعدة المعروفة والمؤكّدة أنّ (القراءة سُنَّة مُتَّـبَعَة). وقد تمّ نقل هذه القاعدة في صيغ مختلفة على ألسِنة العديد من القرّاء الأوائل وتُعتبر تقريبًا كإجماع تام؛ كما أنها الدليل الرئيس على نموذج التلقين.

يقول الداني: «وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن، على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية. بل على الأثْبَتِ في الأثر، والأصحّ في النقل، والرواية إذا ثبتت لا يردّها قياس عربية، ولا فشوّ لغة؛ لأن القراءة سُنّة متبَعة» .

والأمر الذي يبرز ذلك بشكلٍ أفضلٍ، وفقًا لمن يطرح هذا الاعتراض، هو وجود أسانيد مفصّلة وإجازات تربط بين القرّاء الأحياء والنبي -صلى الله عليه وسلم- بشكلٍ متّصِل.

يمكن الردّ على هذا الاعتراض بالإشارة إلى أنّ هذا المبدأ في الواقع صحيح كقاعدة مطبقة. بمعنى آخر وبدقة، فإن كون الوضع التلقائي الدائم هو الالتزام بما تم تلاوته سابقًا، جعل الاختلافات ضمن الأحرف (وبالتحديد الاختلافات بعد عصر عثمان)، وخاصّة ضمن القراءات =قليلة للغاية. فلم يتمّ تعليم رخصة القراءة بالمعنى كحالة تلقائية ولم يحدث التشجيع عليها البتة. وإنما كانت دائمًا محصورة، منذ بدايتها، كواقع ضروري ولا مفرّ منه للأجيال الأُولى، ثم تم التخلّص من هذا الامتياز عندما لم يَعُد هناك حاجة لاستمرار وجوده. وقد ألغَى الجمع العثماني بشكلٍ فعّال اختلافات الألفاظ المترادفة، وأعاد القراءة إلى أصلها، مع تركِ نطاق ضيق جدًّا للاختلافات.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن الردّ على هذا الاعتراض بالإحالة إلى مجموع الأدلة التي تمّ تقديمها في القسم السابق والتي تشير إلى وجود القراءة بالمعنى وإلى آراء العلماء الأوائل بشأن القراءات. من المنطقي إذًا، الجمع بين هذه المقولة وبين الأدلة على نقيضها وكونها ليست قاعدة عامّة، وأنّ رخصة القراءة بالمعنى كانت استثناء لا مفرّ منه لم يُسمح أبدًا بأن تكون سُنّة متبَعة. في الواقع، هذا هو التفسير الأكثر وضوحًا لكلام ابن مسعود المشهور والذي أُشير إليه في وقت سابق: «إنّي قد سمعتُ القرّاء فوجدتهم متقاربين، فاقرؤوا كما عُلِّمتُم، وإيّاكم والاختلافَ والتّنطّع، فإنّما هو كقول أحدكم: هَلُمّ، وتعالَ» . يُعلِّم ابن مسعود القاعدة ويسمح بالرخصة، مع التحذير من التعصب، ولو كانت هذه الاختلافات نبوية المصدر لَمَا كان هناك حاجة لهذا التحذير من التعصّب ولا للمثال الذي ذكره في النهاية. لذا، فإنّ الردّ على هذا الاعتراض الثاني يتلخّص بوضوح في هذا التوجيه الصادر من أحد صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- البارزين.

بالتأكيد، وجود الأسانيد العائدة إلى القرّاء، ومنهم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، هو شهادة عامة على هذه المقولة. ولكن، الفكرة التي تقول إن الطالب كان يقلّد كل اختيار من اختيارات معلِّمه قبل تدوين القراءات لا تجد دعمًا، وتتعارض مع تاريخ تطوّر القراءات خلال عصرها الذهبي. بدلًا من ذلك، يبدو الأمر كأنّ الأسماء المتقدمة في الأسانيد وبشكلٍ خاصّ من زمن الصحابة إلى القرّاء العشرة الشهيرين، هي سلسلة عامة من التعلُّم والتوجيه، تشبه الإجازات في الفقه وغيرها من العلوم. فكما أنّ الإجازة في الفقه وغيره لا تعني بالضرورة تقليد وتبنّي كلّ رأي الشيخ، بل تعني أنّ الطالب أخذ الفكرة العامة والأصول العامة من الشيخ وأنّه أهلٌ للافتاء، كذلك بالنسبة الإجازة في القرآن في العهود الأُولى. يمكن أيضًا أن نرى أن بعض القرّاء كانوا أكثر دقّة في تقليد معلِّميهم من غيرهم. ونعلم بشكلٍ مؤكّد أنّ الصحابة أنفسَهم لم يقرؤوا بالتغييرات والاختيارات الدقيقة لأيّ من (السبعة) أو (العشرة)، ولدينا أدلّة موثّقة تُظهِر أن بعض القرّاء اختاروا تغييرات مختلفة عن معلِّميهم.

إذن، بينما تحمل المقولة جاذبية معيّنة وتعدّ صالحة كمبدأ عام، فإنها لا تفسِّر بشكلٍ معقولٍ جميع الأسئلة التي تنتج عن نموذج التلقين، كما تم التوضيح سابقًا، وتتعارض مع الحقائق المعروفة بشأن اختيارات القرّاء، وكيف كان أوائل رموز هذا الفنّ يرون اختيارات القراءات كأمور يمكن (قبولها) أو (رفضها)؛ استنادًا إلى عدّة عوامل.

الاعتراض الثالث الذي يُثار: هو أنّ نموذج الرخصة الإلهية سيفتح الباب لكلّ قراءة بدون تقييد، وسيتمّ تدمير نصّ القرآن بأسرِه.

يمكن تلخيص هذا الاعتراض بشكلٍ جيد عن طريق النحوي الذي عاش في القرن الرابع، ابن الأنباري (توفي 328هـ= 940م)، عند تعليقه على رواية أنس بن مالك والتي تبدو وكأنها تسمح بالتبديل المترادف بناءً على المعنى، فيقول:

«وقد ترامَى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أنْ قال: مَن قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب، إذا لم يخالف معنى ولم يأتِ بغير ما أراد الله وقصد له، واحتجُّوا بقول أنسٍ هذا. وهو قول لا يعرَّج عليه ولا يُلتفَت إلى قائله؛ لأنه لو قرأ بألفاظ تخالف ألفاظ السابقين قاربت معانيها واشتملت على عامّتها، لجاز أن يقرأ في موضع ﴿الحمدُ للهِ ربِّ العالمين﴾: (الشكرُ للبارِي مَلِكِ المخلوقِين)، ويتّسع الأمر في هذا حتى يبطل لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفتريًا على الله -عز وجل-، كاذبًا على رسوله -صلى الله عليه وسلم-» .

يمكن الردّ على هذا الاعتراض بسهولة بالتأكيد على أن هذه الفكرة المتعلقة بـ(فتح الباب)، لم تحدث، ولن تحدث أبدًا، لسبب بسيط وهو أن القراءة بالمعنى كانت دائمًا استثناء، وكانت القاعدة التلقائية هي اتباع مبدأ: (القراءة سُنّة متبَعة). بمعنى آخر، لم يروِّج أيُّ عالم مشهور لرخصة مفتوحة لهذا الاستثناء، ولم يُدرَّس كقاعدة تلقائية. وكانت الممارسة المتعارف عليها منذ الإعلان عن هذا الاستثناء خلال عهد النبوّة هي الالتزام بالتقليد، وهذا هو السبب في اعتراض عمر على زلة هشام! لم يعلِّم أيٌّ من الصحابة رخصة القراءة بالمعنى كقاعدة بحيث يمكن لتلاميذهم اختراع ألفاظ خاصّة بهم، بل حدثَت معظم التباينات في القراءات بسبب الخلافات بين لهجات العرب القبَلية والنطق الإقليمي، ولم تكن هذه الخلافات مقصودة. وبما أن هذا الاستثناء كان مقيدًا دائمًا ولم يتمّ تعليمه، لم يكن هناك ترخيص مفتوح لاستبدال الألفاظ القرآنية عمدًا بألفاظ أخرى، خاصة بعد مشروع التدوين العثماني. ذكر الطحاوي بوضوح أنّ هذه الرخصة كانت متاحة فقط للصحابة وأنّ عثمان قد أغلق هذا الباب، وعلّق ابن قتيبة، الذي كتب قبل ابن الأنباري بقرن، بأن هذه الرخصة كانت متاحة فقط للجيل الأول ولعدد قليل من القرّاء بعدهم، أمّا بالنسبة للأجيال اللاحقة، فقد أكّد بشكل قاطع أن هذه الرخصة لم تَعُد قائمة ولم يكن هناك خيار سوى الالتزام بالقراءات التي نُقلت عن القرّاء السابقين .

النقطة المثيرة هنا هي أن الحقيقة التي يرفضها ابن الأنباري بشأن فكرة القراءة بالمعنى تدلّ على أن عين هذه الفكرة كانت لا تزال قائمة حتى في القرن الإسلامي الرابع بحيث كانت تستحقّ رفضًا صريحًا. هذا الاقتباس يبرز في الواقع وجود الرأي الذي ينفي وجوده كثير من الباحثين الحديثِين (أي الاعتراض الأوّل).

الاعتراض الرابع: يدور حول أن هذا الرأي يُعَدّ غريبًا، حتى وإن نُقل عن عدد قليل من الأفراد. لذا، يتمّ رفضه لأنه رأي منكر أو شاذّ، وليس جزءًا من الفكر السائد المشهور. بمعنى آخر: يبدو أن الشخصيات البارزة في هذا المجال مثل الداني وابن الجزري وغيرهما، لم يتبنّوا هذه الآراء بشكلٍ واضح. فالمعترض كأنّه يقول: إنّ نموذج التلقين هو القول الراجح لأنّه قول المحقّقين، الذين هم أكثر سمعةً وتفوّقًا من العلماء القائلين بالنموذج الآخر.

ومرّة أخرى فإنّ الجواب على هذا الاعتراض يكون مباشرًا وبسيطًا. يرى المؤيّدون لنموذج الرخصة الإلهية أن هناك تحوّلًا حدث بشأن حقيقة الأحرف والقراءات بالتحديد بسبب الداني وابن الجزري وأمثالهما، فقد تمّ تبني موقف جديد يحلّ محلّ الأول ليصبح العادة الجديدة على يد السلطات اللاحقة. بعد سيادة نموذج التلقين، أصبح تحدّيه أمرًا يكاد أن يصل إلى الزندقة (لعلّ إدخال ابن مجاهد سُلطة الحاكم في هذا الأمر كان محفزًا بالتأكيد).

ومن الواضح هنا أنّ لدينا دَوْرًا في المفاهيم، عندما يكون تعريف (الاعتقاد الصحيح) مستندًا إلى آراء العلماء الرموز، ويكون اعتبار هؤلاء الأشخاص سلطاتٍ ورموزًا بسبب أنهم عرفوا (الاعتقاد الصحيح). فكأنّ المعترض يقول: هؤلاء هم العلماء المحقّقون لأنّهم حقّقوا هذه المسألة وأتوا بالقول الصواب فيها، ونعرف أنّه هو القول الصواب لأنّ الذين جاؤوا به هم العلماء المحقّقون! إنّ تعيين أشخاص وأفراد كـ(محقّقين) في أيّ مجال أمر اجتهادي ونسبي، وليس لأحدٍ أن يتخذ قولَ عالمٍ ما كحُجّة بحدّ ذاته، مع احترامنا لجميع العلماء والباحثين، فالقول بأنّ (نموذج التلقين) هو النموذج الصحيح لأنّه قُدّم من العلماء المحقّقين لا يُعتبر دليلًا، اللهم إلا لمن أراد أن يُعْلِن عن نفسه أنّه يقلّد آخرين، والتقليد ليس من شأن الباحث فضلًا عن العالم.

إضافة إلى ذلك، فقد عاش كلّ هؤلاء الرموز في القرن الإسلامي الخامس وما بعده: يبدو أنه من الملفت للنظر أن نجد نقولًا صريحة عن العلماء المتقدِّمين قد تتعارض مع آراء الرموز اللاحقة. في الواقع، فإنّ عنوان الكتاب الذي كتبه المؤلِّف المعاصر صالح الراجحي حول هذه القضية هو ردّ صريح على هذا الاعتراض: المسائل الكبرى التي خالف فيها القرّاءُ المتأخِّرون إجماعَ المتقدِّمين من القرّاء). الشيخ الراجحي يرى أنّ هذا ليس رأي (الأقلية) أو (المحقّقين)، بل هو الإجماع الكامل للجيل الأول من القرّاء! أو لنعبّر عنه بطريقة أخرى، كان نموذجُ الرخصة الإلهية هو الرأيَ الوحيدَ الذي كان يعرفه الصحابة والجيل الأول من القرّاء؛ ومع مرور الوقت، اكتسب نموذج التَّلقين زخمًا وشعبية متزايدة حتى أصبح الاعتقادَ الصحيحَ المعترفَ به.

أخيرًا، يجدر بالباحثين تذكير أنفسهم بالمبدأ العام الذي يعمل داخل النموذج الإسلامي وخارجه: أنّ صحة أيّ رأي لا تعتمد على شُهرة الأشخاص الذين يقولون به، بل على الأدلة التي تدعمه ومدى توافقه مع الحقائق المعروفة، أو كما حُكي عن عليّ بن أبي طالب: «اعرِف الحقَّ تعرِف أهْلَه»، فالحقّ لا يرتبط برجالٍ معيّنين كما هو معلوم.

الاعتراض الخامس والأخير (في هذه المقالة): هو الزعم بأنّ هذا الرأي يبدو أنه يتعارض مع الوعد الإلهي بحماية القرآن، وقد يدمِّر الطبيعة الإعجازية للقرآن الذي يتجلَّى في صياغته وأسلوبه وبلاغته. قد يضيف بعضهم إلى هذه النقطة الزعم بأنّ مثل هذا الرأي يتعارض أيضًا مع العقيدة التي تقول بأنّ كلّ كلمة من كلمات القرآن قد تكلّم بها الله وأسمعها جبريل بالصيغة نفسها الموجودة في القراءات، وهي بالطبع العقيدة الكامنة في (نموذج التلقين).

هذه نقطة مثيرة للاهتمام وقد ألقَت بظلالها على العلماء في وقت سابق. على سبيل المثال، تعليق المفسِّر الأندلسي ابن عطية (توفي 468هـ= 1075م) بعد اقتباسه لمثال عن استخدام أنس بن مالك للمترادفات أثناء القراءة:

«وعلى هذا يُحمَل قول أنس بن مالك حين قرأ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَصْوَبُ قِيلًا﴾، فقيل له: إنما تُقرأ: ﴿وَأَقْوَمُ﴾، فقال أنس: (أصْوَب وأقوَم وأهيَأ؛ واحدٌ). فإنما معنى هذا أنها مروية عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإلا فلو كان هذا لأحدٍ من الناس أن يضعه لبطل معنى قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾» .

تشير النقولات السابقة عن ابن الأنباري وابن عطية إلى اعتراضات تتعلّق بنموذج الرخصة الإلهية؛ لأنه يبدو أنها تتعارض مع حماية الله للقرآن وطبيعته المعجزة. على الرغم من أن هذا الاعتراض يبدو قويًّا من النظرة الأُولى، لم يتمكن الباحث من العثور على دفاع مفصَّل من قِبَل أولئك الذين يؤيّدون نموذج الرخصة الإلهية. ومع ذلك، يمكن تقديم بعض النقاط نيابة عنهم:

بدايةً، يجب التنويه إلى أنّ هؤلاء العلماء الذين دعموا نموذج الرخصة الإلهية كانوا يؤمنون بشكلٍ واضحٍ بحماية الله للقرآن وطبيعته المعجزة. فلم يكن هناك تعارض جوهري في أذهانهم بين القراءة بالمعنى وحماية القرآن أو طابعه المعجز.

يمكن أيضًا القول بأنّ الجمع العثماني للقرآن هو نتيجة لحفظ الله، وهو بطبيعته حرف مُنزل أصلي، وهذا الحرف هو المعجز به لا يمكن الإتيان بمثله. الاختلافات البسيطة جدًّا ضمن القراءات المعترف بها، خصوصًا عندما يتم مقارنة تلك الاختلافات بالاختلافات المعروفة قبل الجمع العثماني، لا تؤثِّر على دعوى الحفظ ولا على الطابع المعجز للقرآن. ويجدر التنبيه إلى أنّ ابن تيمية نفسه كان يرى أن العديد من الاختلافات ضِمن القراءات تنبع من اختلافات اللفظ بين مختلف المتحدِّثِين بالعربية، وأنّ هذا كان مسموحًا به من قِبَل الله .

أمّا القول بأنّ كلّ حرف قد تكلَّم به اللهُ وأسمعه جبريلَ ومن ثَمّ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيمكن تجاوزه إذا نظرنا إلى أنّ هذا اعتقاد الحنابلة دون غيرهم، ومَن سواهم من طوائف المتكلّمين يجعلون الصوت والحرف عبارة عن الكلام النفسي لا أكثر، أو ينفون الكلام النفسي أصلًا كالمعتزلة .

وحتى على قول الحنابلة بأنّ كلامه سبحانه بصوت وحرف، يمكن أن نقول: لا نسلِّم أصلًا أن كلّ حرف من الأحرف السبعة تكلَّم به الله، وإنما وقع ذلك مع حرف واحد هو الذي جرى جمعه في المصحف. ويشهد لهذا أنّ الإمام أحمد بن حنبل نفسه لا يبدو أنّه كان يرى أن القراءات السائدة في عصره هي نفسها الكلام الإلهي؛ كما أشرنا سابقًا لموقفه من قراءة حمزة.

والخلاصة: أنه بينما يرى مؤيدو نموذج التلقين أن نموذج الرخصة الإلهية يشكِّل تهديدًا للحفظ والإعجاز القرآني، فإنّ أولئك الذين دعموا نموذج الرخصة الإلهية أنفسهم لم يكن لديهم مثل هذا الاعتقاد بالتأكيد، وأكدوا أيضًا على كلٍّ مِن حفظِ القرآن وإعجازِه.

القسم الثالث: إجابات النموذج البديل على الأسئلة الخمسة عشر:

بعد إبراز الرأي البديل، والردّ على مختلف الاعتراضات الواردة عليه، دعُونا لنعود إلى الأسئلة الخمسة عشر التي طرحناها أولًا على نموذج التلقين، ونرى ما إذا كانت الإجابات عليها بناءً على هذا النموذج أكثر معقولية وقبولًا، دون الحاجة إلى تكلّف. سوف نردّ على جميع الأسئلة السابقة، س1 – س15، بإجابات ج1 – ج15.

تتمثّل الفكرة الرئيسة للأحرف (ج1) في هذا النموذج بوضوح في أنّ القراءة بالمعنى تتيح للأشخاص الكبار في السنّ وغير القادرين على القراءة وغير المتعلمين =القراءة بما يتذكرونه، مع تجاهُل أيِّ أخطاء غير مقصودة. لا يمكن لأيّ رأي آخر بشأن حقيقة الأحرف أن يفسّر هذه الـ(علّة النبوية) المعلنة بوضوح أكثر من نموذج الرخصة الإلهية. وبالطبع فإنّ الشرط الضروري هو أنه (ج2) يجب أن يتمّ نقل الدلالة المناسبة؛ لذا فإنّ قول: ﴿اللهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بدلًا من: ﴿اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، سيكون مثالًا على ذلك إذا سمح سياق الآية بذلك. وهذا يبيّن أيضًا (ج3) أن بعض الصحابة اختاروا ألفاظًا معيّنة كمرادفات، لا سيّما الذين كانوا ينتمون إلى القبائل غير القرشية مثل أُبيّ بن كعب الخزرجي أو ابن مسعود الهُذَلي؛ وتمّ نسبة هذه الاختيارات اللفظية (أي حرفهم الفريد) إليهم. لذا، كانوا هم وأصحابهم فقط معروفين بأنهم يتلون بهذه الاختيارات، ولم يكن لدى الصحابة الكبار الآخرين أيّ سبب لتلاوة الاختيارات اللفظية الخاصة بالصحابة الآخرين. في بعض الأحيان، كما في حالة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم، (ج4) قد تكون تغييرات اللفظ ناتجة عن النسيان، خاصة وأنّ هشامًا كان معتنقًا جديدًا للإسلام. لم يكن هناك درس نبوي خاصّ تمّ منحه لهشام بمعزل عن الصحابة الكبار الآخرين، ومن هنا عندما قال: «هكذا علَّمَني النبي صلى الله عليه وسلم»، لم تكن الإجابة تأكيدًا بـ: (نعم، قد علّمتُك هذه الكلمات)، وإنما: (أُنزِل بهذه الصورة؛ لأن القرآن نزل على سبعة أحرف)، مما يعني في الواقع كأنّه -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنّ تلاوتَك مُعتمَدة أيضًا مِن قِبَل الله وتُعتبر قرآنًا؛ لأن الله سمح بتلاوة القرآن بعدّة عبارات) .

فإنّ دهشة عمر عندما علمَ بوجود الأحرف (ج5) تُظْهِر أنه بما أنها كانت ترخيصًا، فإنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يشجِّع المسلمين على ممارستها بشكلٍ نشط، حيث كانت العزيمة هي الالتزام بالأصل. ويمكن فهم السماح بها في الفترة الأخيرة من فترة المدينة (ج6) لأنّه في ذلك الوقت كان المزيد والمزيد من القبائل والخلفيات المختلفة قد اعتنقت الإسلام، وزاد عدد المؤمنين بشكلٍ كبيرٍ؛ فجاءت الرخصة الإلهية بالأحرف تلبيةً لحاجة الأمّة، ولم يكن هناك حاجة له في مكة المكرمة في وقت مبكِّر. وبما أنّ هذه الترخيص قد تمّ منحه للعامّة من المؤمنين، لم يكن هناك حاجة لإعادة الوحي بجميع الآيات التي نزلَت قبل هذا الترخيص. وهذا يفسّر أيضًا لماذا (ج7) لم يتلُ النبي -صلى الله عليه وسلم- نفس الآية بطرقٍ مختلفة.

خلال العقدَين الأوّلين، ومع انخفاض الأميّة وتوسّع الدولة الإسلامية، أصبحت الأحرف المختلفة التي كان يتلوها الصحابة إقليمية (اعتمادًا على أماكن إقامة الصحابة أو طلابهم الكبار). وعادةً ما كان المسلمون الجُدد يجهلون رُخصة الأحرف، حيث لم يُنشَر هذا التصريح بشكلٍ نشط حتى أدّت القراءات المتغيرة إلى الإرباك والجدل. وبما أنه لم تَعُد هناك حاجة لهذا التصريح، (ج8) اتفق عثمان والصحابة على الحفاظ على الكلمات الأصلية للوحي، التي كانت تتميز أيضًا بكونها بلهجة قريش، واتفقوا على (ج9) تجاهل جميع الاختلافات التي كانت مرخصًا بها وليس لها قدسية المصدر. لم يكن هناك حاجة لتسويغ استبعاد الأحرف الأخرى حيث كان الهدف الصريح وشروط اللجنة هو الحفاظ بدقّة على الكلمات التي تلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه. ببساطة، لماذا يجب الحفاظ على اختيارات (أو: حرف) أُبيّ أو ابن مسعود (التي كانت صالحةً ومسموحًا بها في أوقاتهم) بينما لديهم الآن القدرة على ترميز وكتابة كلمات النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه؟ لقد نجح مشروع عثمان في الحفاظ على الحرف الأصلي الذي تمّ به الوحي القرآني، وإن بقي بعض الاختلافات اليسيرة التي لا تؤثِّر في هذا الحفظ. (ج10) اللغة العربية، كما هو الحال مع أيّ لغة، تحظى بتنوّع واسع في النطق والظواهر اللغوية بين مختلف القبائل والمناطق، وليس من الممكن بشكل بشري، ولا هو مطلوب دينيًّا، توحيد نطق كلّ حروف وعلامات الضم والكسر والفتح. إنّ قواعد التجويد والفروق بين القواعد الخاصة بالغنة والإمالة والإدغام وغيرها من القضايا الخاصّة هي أمثلة على هذه الظاهرة. وأيضًا، الخطّ الذي كان متاحًا في ذلك الوقت يسمح بقراءات متعدّدة لهيكل كلمة معيّنة، ثم إنّ (ج11) الاختلافات البسيطة بين المخطوطات لا تحتوي على اختلافات جوهرية وهي مصرّح بها إلهيًّا بموجب رخصة الأحرف. فكان مشروع التوحيد العثماني ناجحًا تمامًا. من الممكن أن يكون عثمان قد سعى للقضاء على رخصة الأحرف بشكلٍ كاملٍ، ومع ذلك، لا يزال الامتياز ظاهرًا في نطاق ضيق: في نطق حروف العلة والمقاطع الصوتية، وتنوّع الألفاظ التي تتوافق جميعها مع الرسم العثماني، واختلافات الكلمات بين المصاحف الأربعة.

خصّص قرّاء القرآن والنحاة طاقاتهم في فترة زمنية ضيقة (ج12) حيث بذلوا الكثير من الجهد خلال القرنَين الأوّلين من الإسلام في تحسين فنّ القراءة وتوثيق كلّ كلمةٍ ولهجة، بل كلّ وقفٍ. كان الاتّباع في القراءة محافَظًا عليه دائمًا، ولكن في مناسبات نادرة وفي نسبة صغيرة من الكلمات، اختلف القرّاء حول النطق الخاص بالنصّ العثماني، وفي تطبيق قواعد اللغة العربية التي تتنافس فيما بينها حول ما هو متجسّد في اللهجات القبَلية والشِّعر المعترف به. وقُبلت جميع القراءات في الحالات التي اختار فيها القرّاء قراءات محدّدة، ما دامت الشروط العامة قد تحقّقت، ولكن (ج13) وفي مناسبات نادرة، كان هناك نقاش وجدل. في بعض الأحيان، كانت بعض الخيارات (الاختيار) التي قام بها القرّاء تعتبر خارجة عن القواعد المقبولة للغة العربية، أو لم تكن على مستوى بلاغة القرآن؛ ولذلك لم يجد عمالقة كالطبري والعديد ممن هم على دراية تامّة بواقع القراءات في تلك الحقبة، أيّ تحفظ في تضعيف قراءات معيّنة من قرّاء مقبولين في الأصل. واستمر هذا الجدل بين مختلف العلماء حتى مشروع تقنين ابن مجاهد وإغلاقه النهائي على يد ابن الجزري. وبالتوازي مع هذا المشروع، كان هناك أيضًا جهد من بعضهم (ج14) لرؤية ما إذا كان بالإمكان العثور على أحاديث تُظْهِر الطريقة الأصلية التي قد يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بها كلمةً ما، مع الإقرار في ضوء رخصة الأحرف بأنّ البدائل كانت صالحة بشكلٍ متساوٍ إذا تم تحقيق الشروط الصحيحة. ومن ثَمّ قد يختار بعض علماء الحديث الذين قاموا بتجميع هذه الأحاديث لأنفسهم قراءات أخرى، حيث سمحت هذه الرخصة بتلك القراءات المتنوعة.

هذا التفسير للأحرف (ج15) يجلِّي هذه القضايا المثيرة للجدل ويُظهِر واقع القراءات كامتدادٍ لها، وذلك بشكلٍ أكثر وضوحًا وبدون الحاجة إلى افتراضات بعيدة أو تفسيرات غير معقولة. كما أن هذا ليس رأيًا جديدًا أو غير مسبوق – نجده في أُولى التفسيرات ومنقولًا ومدافَعًا عنه بوضوح من قِبل العديد من الرموز المبكِّرة في هذا المجال، وعبر جميع عصور الفكر الإسلامي . في الواقع، يمكن القول: إنه يمكن العثور على هذا الرأي فقط في أقدم الاقتباسات والمصادر في هذا الباب. كلّ ما على المرء فعله هو السماح لهذه النقولات والأدلة الصريحة بالتحدُّث عن نفسها، بدلًا من محاولة فرض وجهة نظر لاحقة على كلّ نقطة تبرز تناقضًا معها. فيبدو أنّ مثل هذه المحاولات لفرض هذه السردية القياسية الحديثة على البيانات السابقة تترك -بشكلٍ لا مفرّ منه- المزيد من الفجوات بدلًا من تقديم الإجابات.

كتب الشيخ صالح الراجحي، ملخِّصًا الفَرْقَ الجوهري بين نموذج التلقين ونموذج الرخصة الإلهية :

«كلّ تلك الإشكالات السابقة ما كانت لتوجد إلا بعدما اشتهر القول المخالف لما هو مشهور ومعروف عند السَّلَف والقرّاء القدامَى، من أن القراءات القرآنية والأحرف كلّها مُنزلة، أَنزلها جبريلُ على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقرأه إيّاها وأقرأها النبيُّ للصحابة؛ فلما أُخِذ بهذه القاعدة وُجدت كلّ الإشكالات السابقة وأصبحت نتيجة حتمية لذلك القول المخالف للحقيقة. أمّا حين تعرف الحقيقة وهو أنّ جبريل لم ينزل إلا بحرف واحد وقراءة واحدة، وأن الأحرف والقراءات الأخرى الكثيرة ما هي إلا رُخصة من الله فحَسْب، فحينئذ تتقشّع سُحُب تلك الإشكالات وتنحلّ تلقائيًّا، مما يؤكّد تأكيدًا بيِّنًا أنه هو القول الصواب الموافق لقول القرّاء، والسَّلَف، والمنقول، والمعقول. وكلّ ما صحّ عند العشرة منها فله قدسية القرآن؛ لأن الله -تبارك وتعالى- هو الذي أراد أن يُقرأ هكذا وهكذا».

الخاتمة:

قدَّمَتْ هذه المقالة نموذجًا بشأن مفهوم الأحرف وعلاقته بالقراءات خلاف النموذج الشائع حاليًا، وإن كان يحظى ببعض الدّعم مؤخرًا. وهو أيضًا نموذج -أعني نظرية الرخصة الإلهية- مبنيٌّ على الواقع الفعلي لتاريخ القراءات، وهو أنَّ القراءات هي النتيجة العملية لرُخصة الأحرف السبعة، ولا يستند هذا الرأي إلى قواعد عقدية صارمة لا أساس لها من الصحّة! وربما كان هو الفهم التلقائي لأكثر العلماء في البداية، وإنْ خَفَتَ صوتُه بعد ذلك من القرن الخامس الهجري تقريبًا.

نموذج الرخصة الإلهية واضح ومباشر. إنّ معنى كون القرآن قد أُنزل على (سبعة أحرف) هو أنه تمّ منحُ الإذن لجيلٍ لا يستطيع القراءة والكتابة بتلاوته بـ(عدة صيغ) ما دام المعنى منقولًا بدقّة. لم يُنشر هذا الامتياز بشكلٍ نشط؛ حيث كان الأصل هو نقل العبارة الأصلية بأمانة قدر الإمكان. وفي غضون نصف جيلٍ، عندما أصبحت الأميّة أقلّ وسلطة الحكم أمكن، أراد الخليفة عثمان إلغاء هذه الامتيازات والحفاظ على الألفاظ الأصلية التي أُنزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم-. فالنسخة الرسمية التي أعدّها عثمان قد حقّقت ذلك بالضبط: تجاهَلَت جميع الاختلافات التي نشَأت من الصحابة الآخرين، وحَفِظَت الألفاظ التي قرأها جبريل على النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وبسبب واقع اللهجات في اللغة العربية، وقصور الخطّ في ذلك الوقت، والاختلافات بين المصاحف العثمانية، ظلَّتْ هناك اختلافات طفيفة وتنويعات في النطق لمدة قرنَيْن آخرين: كانت هذه هي حقبة ازدهار علم القراءات. وكانت كلّ هذه الاختلافات الطفيفة مسموحًا بها بموجب الترخيص الإلهي بالأحرف، وانبثقت القراءات من المفهوم نفسِه الذي انبثقت منها الأحرف، مع فارقٍ وحيد، هو أنّ القراءات أكثر تقييدًا بكثير، بناءً على المصحف العثماني وعلى السوابق الحاصلة في عهد الأجيال الأُولى. يمكن القول أيضًا: إن القراءات هي تدوينات لرخصة الأحرف وذلك من خلال النصّ الأصلي الذي حفظه عثمان (أو: القراءات هي أمثلة طفيفة لرخصة الأحرف المطبقة على الحرف الأصلي الذي حفظه عثمان). ومع مشاريع توثيق ابن مجاهد (وفيما بعد ابن الجزري)، انتهت فترة ازدهار علم القراءات، وحاز تعيين الـ(سبعة) والـ(عشرة) مع فروعهم الـ(طُرُق) والفروع الفرعية الـ(أَوجُه) =على قَبُول الأمّة. وكلّ هذه القراءات هي إلهية بالتساوي (استنادًا إلى الأحاديث المتواترة حول الأحرف التي تعلمنا أن «ليس منها إِلَّا شَافٍ كافٍ»)، وكلّها لها مكانة القرآن، خاصةً في ضوء إجماع الأمّة عليها، وانتهت رخصة القراءة بالمعنى عمليًّا. وأُلغيتْ بإجماع الصحابة وجميع العلماء اللاحقين، ومن خلال إغلاق باب القراءات بواسطة مشاريع توثيق ابن مجاهد وابن الجزري.

كما هو واضح، يحلّ هذا النموذج كلّ مجالات الالتباس الرئيسة بشكلٍ معقول فيما يتعلّق بمناقشة الأحرف والقراءات، مع وجود تخمينات بسيطة لكن بدون أيّ افتراضات خيالية. وبينما يمكن أن تجيب وجهة النظر هذه عن العديد من الأسئلة الصعبة، أو ربما كلّها، بخصوص هذا الموضوع المثير للنقاش، إلا أنها في الوقت نفسه تثير مجموعة أصغر من الأسئلة الجديدة التي يمكن أن تفتح مجالات أوسع في دراسة هذا الموضوع واستكمال البحث فيه :

أولًا: الحاجة إلى إجراء تحليل شامل لمدى انتشار هذا الرأي على مَرّ القرون؛ لتجيب عن سؤال: كيف هُجِرَت الآراء السابقة تدريجيًّا واستُبدلت بها آراء لاحقة لإعادة تعريف (الاعتقاد الصحيح)؟ بمعنى آخر: من الجدير بالدراسة توثيق الانتقال التاريخي من نموذج الرخصة الإلهية إلى نموذج التَّلقين. سيكون لهذا التحليل فائدة كبيرة في دعم دعوى المؤيّدين لهذا الرأي بأنه كان -مبكِّرًا- أمرًا رئيسًا في الإسلام.

ثانيًا: دراسة تطوّر القراءات والاختيارات اللغوية والنحوية التي اتخذها بعض القرّاء (بما في ذلك ما زاد عن العشرة)، وبشكلٍ خاصّ القراءات الفريدة، إلى جانب قبول أو رفض مختلف القرّاء وخياراتهم، ستكون إضافة مرحَّب بها جدًّا لهذا الموضوع؛ فإنه بينما أُجرِي العديد من الدراسات، إلا أن معظمها يأخذ نموذج التَّلقين كافتراض تلقائي، ويُبْذَل الكثير من الجهد في إعادة تفسير البيانات لتتناسب مع نموذجهم. فسيكون من المهم إظهار كيف تمّ اتخاذ هذه الخيارات وكيف تدعم ببساطة وبشكل مباشر نموذج الرخصة الإلهية.

ثالثًا: ما تزال هناك حاجة إلى إجراء استقراء منهجي ودقيق لكيفية توافق نموذج القراءة بالمعنى مع العقيدة المعيارية في حفظ القرآن وإعجازه.

وفي النهاية، وكما هو الحال مع جميع القضايا، فإنّ الله أعلم بالصواب بلا شكّ، وبِغَضّ النظر عن النموذج الذي يفضِّله الشخص، فإنه يكفي المسلمَ أن يعلم وأن يؤمن بأنّ القرآن الذي هو كلام الله، قد تم حِفْظه بشكلٍ تامّ وحمايته بشكلٍ كاملٍ بقوّة الله تعالى الذي أنزله وقال فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

لوجو جريدة عقيدتي

مدير تحرير الموقع : إســلام أبو العطا

تصنيفات

  • إتصل بنا
  • من نحن

جميع الحقوق محفوظة © 2023 لـ عقيدتي - يُدار بواسطة إدارة التحول الرقمي.

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In
لا توجد نتائج
مشاهدة كل النتائج
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • تحقيقات
  • حوارات
  • دين و حياة
  • المرأة
  • دعوة و دعاة
  • نبض القراء
  • المزيد
    • المسلمون حول العالم
    • روضة الصائم
    • خاطرة دعوية
    • أهل القرآن
    • الرأي
    • لعلهم يفقهون
    • مساجد لها تاريخ
    • شاشة وميكروفون
    • ندوات عقيدتي و الأوقاف

جميع الحقوق محفوظة © 2023 لـ عقيدتي - يُدار بواسطة إدارة التحول الرقمي.