ما هى إلا أيام قلائل ويبدأ العام الهجرى الجديد 1448، وطبقا الحسابات الفلكية سيكون الثلاثاء المقبل 16 يونيو- إن شاء الله- ومعروف أن شهرُ اللهِ المحرَّمُ هو أوَّلُ شهرٍ من الأشهُرِ الهِجريَّةِ، وأحدُ الأربعةِ أشهُرِ الحُرُمِ، وقد بيَّن لنا نبيُّنا- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أحكامَه الواردةَ في كتابِ الله تعالى، أو في السُّنَّةِ المطَهَّرةِ، ومن أهَمِّها: فَضلُ المُحَرَّمِ: فهو من الشُّهورِ الحُرُمِ التي عظَّمها الله وذكَرَها في كتابِه، فقال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهور عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} (التوبة- 36).
وقد شَرَّفه اللهُ من بين سائرِ الشُّهورِ، فسُمِّي بشهرِ اللهِ المُحَرَّمِ، فأضافه إلى نفسِه؛ تشريفًا له، وإشارةً إلى أنَّه حرَّمه بنفسه، وليس لأحدٍ من الخلْقِ تحليلُه. كما بيَّن رسولُ الله تحريمَ الله لهذه الأشهُرِ الحُرُمِ، ومِن بينِها شهرُ المُحَرَّمِ؛ لِما رواه أَبو بَكْرَةَ- رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: (إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الذي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)، وقد رجَّح طائفةٌ من العُلَماءِ أنَّ مُحَّرمًا أفضَلُ الأشهُرِ الحُرُمِ؛ قال ابنُ رجب: وقد اختلف العلماءُ في: أيُّ الأشهُرِ الحُرُمِ أفضَلُ؟ فقال الحسَنُ وغيرُه: أفضلُها المُحَرَّمُ، ويدُلُّ على هذا ما أخرجه النَّسائيُّ وغيرُه عن أبي ذرٍّ- رضي الله عنه- قال: (سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ اللَّيلِ خيرٌ، وأيُّ الأشهُرِ أفضَلُ؟ فقال: خيرُ اللَّيلِ جَوفُه، وأفضَلُ الأشهُرِ شَهرُ اللهِ الذي تَدْعونَه المُحَرَّمَ).
وقد اختص الله هذا الشهر بعدد من الأحكامِ أهمَّها: تحريمِ ابتداءِ القتالِ فيه، وكانت العرَبُ تعَظِّمُه في الجاهليَّةِ، وكان يسمَّى بشهرِ اللهِ الأصَمِّ؛ مِن شدةِ تحريمِه. والصَّومُ في شهرِ محَرَّم مِن أفضل التطوُّعِ؛ فقد أخرج مسلمٌ من حديث أبي هريرةَ- رضى الله عنه- أنَّ النبيَّ قال: (أفضلُ الصِّيامِ بعد شَهرِ رمضانَ، شهرُ اللهِ الذي تَدْعونَه المُحَرَّمَ، وأفضَلُ الصَّلاةِ بعد الفَريضةِ قيامُ الليلِ).
كما بيَّن رسولُ الله فَضْلَ صيامِ شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ بقَولِه: (أفضَلُ الصِّيامِ بعد رمضانَ شَهرُ اللهِ المُحَرَّمُ). وإن اختلف أهلُ العلمِ في مدلولِ الحديثِ: هل يدلُّ على صيامِ الشهرِ كاملًا أم أكثَرِه؟ والظاهِرُ يدُلُّ على فَضلِ صيامِ شهرِ المُحَرَّمِ كاملًا، وحمَلَه بعضُ العُلماءِ على الترغيبِ في الإكثارِ من الصِّيامِ في شهرِ المُحَرَّم لا صومِه كُلِّه؛ لقولِ أم المؤمنين السيدة عائشةَ- رضي الله عنها-: (ما رأيتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استكمَلَ صيامَ شَهرٍ قَطُّ إلَّا رمضانَ، وما رأيتُه في شهرٍ أكثَرَ منه صيامًا في شعبانَ) أخرجه مسلم، ولكِنْ قد يقال: إنَّ السيدة عائشةَ ذكَرَت ما رأَتْه هنا، ولكِنَّ النَّصَّ يدُلُّ على صيامِ الشَّهرِ كاملًا.
وفى شهرِ المُحَرَّم، يأتى يومُ عاشوراءَ، وهو اليومُ العاشِرُ؛ ولهذا اليومِ مزيَّةٌ، ولصومِه فضلٌ، اختصَّه اللهُ تعالى به، وحَثَّ عليه رسولُ اللهِ، فهو اليومُ الذي أنجَى اللهُ تعالى فيه سيدنا موسى وقومَه، وأغرقَ فرعونَ وقومَه؛ فصامه موسى شُكرًا، ثم صامه النبيُّ؛ لِما رواه ابنُ عبَّاسٍ- رضي الله عنهما- قال: (قَدِمَ رسولُ اللهِ المدينةَ، فوجد اليهودَ يصومون يومَ عاشوراءَ، فسُئِلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليومُ الذي أظهر اللهُ فيه موسى وبني إسرائيلَ على فِرعونَ؛ فنحن نصومُه تعظيمًا له، فقال رسولُ الله: (نحن أَولى بموسى منكم، فأمَرَ بصيامِه)، وفي روايةٍ لمسلمٍ: (فصامه موسى شُكرًا، فنحن نصومُه…).
وقد دَلَّ الحديثُ الذي رواه أبو قتادةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن فضل صومِ يوم عاشوراءَ: (أحتَسِبُ على اللهِ أن يُكَفِّرَ السَّنةَ التي قَبْلَه).
فها هي البركات والفضائل تغمُرُنا، وعلينا التمسُّك بها، وعدم التفريط فيها، وكل عام والجميع بخير وأمن وسلام.






























