ليست كل قوة تُرى، ولا كل هيبة تُقاس بما يحيط بها من مظاهر السلطان، فهناك سلطان آخر لا تفرضه القوانين، ولا تصنعه المناصب، وإنما تنسجه الأيام في الضمائر، وتغرسه المواقف في الأفئدة، حتى يغدو راسخًا رسوخ الجبال، ساكنًا في القلوب سكون الإيمان في النفوس، ذلك هو السلطان الذي يملكه الأزهر الشريف.
فكم شهدت مصر من أحداث جسام، وكم مرت بها من محن وخطوب، فإذا الأزهر حاضر فيها حضور الأب في أسرته، والحكيم في قومه، والراعي في رعيته؛ يجبر كسرًا، ويطفئ فتنة، ويجمع شملًا، ويضمد جرحًا، حتى صار في وجدان المصريين جميعًا رمزًا للوحدة، وعنوانًا للاعتدال، وملاذًا يأوون إليه إذا اضطربت الأحوال وتشابكت السبل!
وقد تجلَّت هذه الحقيقة في الحادث الأليم الذي أدمى القلوب، وأسال الدموع في مركز أبنوب بمحافظة أسيوط، وراح ضحيته ثمانية من المواطنين الأبرياء إثر إطلاق نار عشوائي من شخص ابتلي باضطراب نفسي، فكانت الفاجعة ثقيلة الوطأة على النفوس، موجعة للأسر التي فقدت أبناءها وأحبتها، حتى خُيِّل للناظر أن الجراح أعمق من أن تندمل، وأن الأحزان أكبر من أن تُحتوى،
غير أن الأزهر الشريف لم ينتظر أن يُدعى، ولم يترقب أن يُطلب منه التدخل، بل بادر من تلقاء نفسه إلى أداء رسالته التي حملها منذ أكثر من ألف عام، ونهض إلى واجبه الأخلاقي والوطني والإنساني؛ فأوفد إمامه الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف لجنة الصلح العليا برئاسة د. عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء ووكيل الأزهر الأسبق، يرافقه وفد أزهري كريم، يحمل رسالة الأزهر الخالدة في الإصلاح بين الناس، وتقريب القلوب، وإعلاء صوت الحكمة فوق صخب الجراح وآلام الفقد.
وكان ذلك المشهد من المشاهد التي تستحق أن تُروى للأجيال؛ إذ اجتمع الوفد الأزهري الرفيع بأسر الضحايا من المسلمين والمسيحيين، فوجد قلوبًا موجوعة، ونفوسًا مثقلة بالألم، وجراحًا لم يكد الزمن يمس أطرافها بعد!
ومع ذلك كله فقد قابلت تلك الأسر الكريمة مساعي الأزهر بالتقدير والإجلال، واستجابت لنداء الصلح، وقبلت العفو، وصفحت عن حقها، لا رهبة من أحد، ولا طلبًا لمصلحة عاجلة، وإنما إكرامًا لفضيلة الإمام الأكبر، وإجلالا للأزهر الشريف، وتوقيرًا لعلمائه، وثقة في رسالته، وإيمانًا بمكانته التي سكنت القلوب قبل أن تتصدر المنابر.
وهنا ينبغي أن يقف القلم مليا فليس العجب أن ينجح الصلح، وإنما العجب أن ينجح في مثل هذه الظروف؛ حيث الفقد حديث، والدموع لم تجف، وليس السر في كلمات قيلت، ولا في إجراءات اتخذت، وإنما السر في ذلك الرصيد العظيم من المحبة والثقة الذي بناه الأزهر في نفوس المصريين جيلاً بعد جيل!
لقد كان قبول الصلح في حقيقته شهادة شعبية صادقة لمكانة الأزهر الشريف، وبرهانًا حيًا على أن هذا الصرح العريق ما زال يحتفظ بموقعه الفريد في وجدان الأمة، وأن كلمته ما تزال تجد طريقها إلى القلوب لأنها تخرج من قلب صادق، وتحمل رسالة مخلصة، وتستند إلى تاريخ طويل من العطاء والإصلاح.
ثم جاءت اللفتة الكريمة من فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بعد تمام الصلح وإعلان العفو، فاتصل بأسر الضحايا مواسيًا ومخففًا ومشاركًا لهم أحزانهم، في موقف يجسد المعنى الحقيقي لرسالة الأزهر الإنسانية التي لا تكتفي بأداء الواجب، بل تتجاوز ذلك إلى مواساة القلوب وجبر الخواطر؛ ليقول أهل الضحايا جميعا في صوت واحد: “جرحنا طاب يا فضيلة الإمام”.
ولم يكن ذلك الاتصال مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل كان رسالة وفاء من إمام يحمل هموم الناس في قلبه، ويشعر بآلامهم، ويحرص على أن يصل إليهم صوته كما تصل إليهم دعواته.
ومن الحق أن تُرفع في هذا المقام أكف التقدير لأسر الضحايا جميعًا؛ تلك الأسر التي قدمت درسًا بليغًا في الصبر وسعة الصدر وسمو الأخلاق، فما أيسر أن يستسلم الإنسان لمرارة الجراح! وما أصعب أن يرتفع فوقها؛ طلبًا للخير العام، وإيثارًا للمصلحة الوطنية! وقد فعلت تلك الأسر ذلك كله، فاستحقت الاحترام والإجلال، وأثبتت أن النفوس الكبيرة تظهر عظمتها الحقيقية في ساعات المحن لا في أوقات الرخاء.
ولله در أزهرنا الشريف الذي يستحق كل الثناء على هذا الدور النبيل الذي يضطلع به في خدمة المجتمع وحفظ تماسكه، إذ لم يكن يومًا مؤسسة تعليمية فحسب، بل كان وسيبقى ضميرًا للأمة، ومنارة للهداية، وجسرًا للمحبة بين أبناء الوطن الواحد.
وهكذا يظل الأزهر، كما كان عبر تاريخه الطويل، حصنًا للوحدة الوطنية، وملاذًا للمكلومين، ورايةً للإصلاح، وكلمةً جامعة إذا تفرقت الكلمات.
وصدق من قال: إن بعض المؤسسات تُبنى بالحجارة، أما المؤسسات الخالدة فتُبنى في القلوب.
وفي قلوب المصريين لا يقيم الأزهر فحسب، بل يملك منازلها، ويتربع على عروش محبتها، سلطانًا لا تنزعه الأيام، ولا تهز أركانه الحوادث، ولا تنال منه السنون.





























