قالت الداعية جيهان عبدالعزيز بدر (الشهيرة بـ”سما الشاطبى”– الواعظة بأوقاف شبراخيت، البحيرة-: ودَدتُّ لو أدرك الناس أن أعظم ما جاء القرآن لإصلاحه ليس شكل الحياة من الخارج وإنما فوضى القلوب من الداخل، لأن الإنسان قد يتقن عباداته أمام الناس بينما يهدم من حوله بكلمة قاسية أو ظنٍّ سيّئ أو خذلان لا يراه أحد، وقد رأيت أن الله حين أنزل القرآن لم يترك علاقة بشَرية دون ميزان يحفظها من الانهيار، فجعل العلاقة مع الوالدين قائمة على الرحمة حتى مع الاختلاف فقال تعالى: “فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا” (الإسراء: 23)، لأن النفس حين تعتاد الجفاء مع أقرب الناس تفقد شيئا من إنسانيتها دون أن تشعر.
أضافت- خلال درسها الأسبوعى للسيدات بمسجد الرحمة-: ثم تأمَّلت كيف ضبَط الله العلاقة بين الزوجين فلم يجعلها معركة لإثبات القوة ولا سجنًا للمشاعر وإنما سَكَنًا نفسيًّا يأوي إليه القلب بعد تعب الحياة، فقال سبحانه: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (الروم: 21)، فبدأ بالسَّكن قبل الحب لأن الإنسان قد يعيش عُمرا كاملا يبحث عمن يطمئن إليه، لا عمّن يبهره فقط.
الاتّزان والاستقرار
أشارت إلى أن الدراسات النفسية الحديثة أثبتت أن الاستقرار العاطفي والأمان النفسي من أعظم أسباب الاتزان العقلي وانخفاض نسب القلق والاكتئاب، وكأن العلم يعيد اكتشاف ما قرّره القرآن منذ قرون!

تابعت: ثم وجدتُّ القرآن يضبط حتى العلاقات الاجتماعية العابرة، فلا يسمح بسُخرية تهين إنسانا ولا بكلمة تزرع الكراهية فقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” (الحجرات: 11)، لأن الاستهزاء لا يقتل الثقة فقط وإنما يزرع تشوُّهًا نفسيا قد يبقى في الروح سنوات طويلة. ولهذا نهى الله عن الظنِّ السيّئ والتجسّس والغيبة لأن العلاقات لا تموت فجأة وإنما تنهار بالتراكم الخفي للكلمات والشكوك فقال سبحانه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ” (الحجرات: 12)، حتى الخصومة لم يتركها القرآن لغضب البَشر وتقلّباتهم وإنما قيّدها بالعدل فقال تعالى: “وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” (الأنعام: 152)، لأن الإنسان وقت الغضب يميل للانتقام لا للإنصاف، فجاء الشرع ليحفظ بقايا الرحمة داخل القلوب.
وحتى الطلاق حين يصبح البقاء مستحيلا أمر الله فيه بالإحسان فقال: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ) (البقرة: 229)، وكأن القرآن يعلّمنا أن نهاية العلاقات تكشف حقيقة الأخلاق أكثر من بدايتها!
تستطرد “الشاطبى”: والعجيب أن القرآن لم يربط صلاح العلاقات بالمشاعر وحدها وإنما ربطها بالتقوى، لأن القلوب تتغيّر، أما مراقبة الله فتبقى، ولهذا قال سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا” (النساء: 1)، ليشعر الإنسان أن الله يرى نبرَة صوته كما يرى أفعاله، ويرى كسْر الخواطر الذي لا يسمعه الناس، ويرى الصمت الذي يخفِي وجعًا طويلا.
وأدركتُ أخيرا أن أكثر العلاقات التي تنهار لم تكن تفتقر إلى الحب، وإنما كانت تفتقر إلى خوف الله، لأن المشاعر وحدها لا تكفي لبقاء القلوب متماسكة، فالإنسان حين يغيب عنه وازع الرحمة يتحوّل الحب عنده إلى تملُّك، ويتحوّل العتاب إلى إهانة، ويتحوّل الاختلاف إلى قسوة صامتة تقتل الأرواح ببطء.
ولهذا كان القرآن يعالج أعماق النفس قبل ظاهر السلوك لأن الله يعلم أن خراب القلوب يبدأ من أشياء صغيرة لا يلتفت إليها أحد، نظرة مستهينة، كلمة جارحة، تجاهل متكرِّر، صمت بارد، ثم تستيقظ الأرواح يوما لتجد نفسها غريبة عن أقرب الناس إليها وكأنها لم تعرفهم يوما!
ولذلك كان القرآن رحمة لأنه لم يحمْ العلاقات من الانفصال فقط وإنما حاول أن يحمي الإنسان من التحوُّل الداخلي المخيف حين يفقد قُدرته على الحب الصادق ويعتاد الأذى دون أن يشعر!





























