مَلِيَكة وجرجس “حبايب”.. عند “بَرْقى بِرْقاش”
نزاع أيمن ورجب “خالِص”.. بالحُبِّ والتراضي
رشدي البَرْقى: كل مَنْ له حاجة.. “مَقضيَّة بإذن الله”
عماد البَرْقى: ركيزة أساسية لاستقرار المجتمع
نافع التَرَّاس: تعظيم الإيجابيات.. واجب وطني وديني
مصطفى ياسين: “البَوْتقة المصرية”.. حصْن أمان المصريين
عبدالهادي عبَّاس: سرُّ بقاء مصر وقوّتها.. فى وحدة أبنائها
يُثار الجدل بين الحين والآخر حول جدوى، بل مشروعية المجالس العُرفية؟ ومدى توافُقها أو تعارضها مع دولة القانون ووجود المحاكِم القضائية؟
وبعيدًا عن هذا السِّجال الفلْسفى، واختلاق المعارك السُفسْطائية والجدَلية، فإن واقع مجتمعنا المصري بل العربى عامة، يتميَّز بهذه المجالِس التى تكتسب قوَّتها من الواقع المجتمعى المُعاش.
ويوم الجمعة الماضي لبَّيتُ دعوة لحضور إحدى هذه الجلسات في منْشَأة رضوان- بِرْقاش، الجيزة- خاصة وأن طرَفَيِّ الصُّلح من شُركاء الوطن، في حين أن رئيس المجلس العُرفي مسْلم، فازداد شَغَفي بمُعايشة التجربة عمليا.

مَلِيْكَة وجِرجس
دَبَّت الخلافات بين عائلتي مَلِيْكَة وجِرْجِس، (جِرْجِس ومينا عزيز نسيم، ورومانى نسيم جِرْجِس) حتى بلغت ذروَتها، وقد نشبت بسبب سوء استخدام الوسائل التِقنية الحديثة، واستغلالها في التشهير وتبادُل الشتائم، لكن الجانب المُضيء واللافت للنظر هو اللجوء إلى الحاج “البَرْقِى”؛ فلم ينظر له طرفَا النزاع على أنه يخالفهم العقيدة، وإنما باعتباره أَبًا للجميع- مسلمين ومسيحيين- ولم يُخيَّب ظنَّهم ورجاءهم، فكان بيتُه سَكَنًا وملاذًا لإنهاء الخلافات وعوْدة العلاقات الإنسانية والاجتماعية قبل الحقوق القضائية، ليخرُج الجميع متعانِقي القلوب قبل تشابُك الأيدى وتلاحم الأجساد.
وكذا من اللَّفتات الجميلة أن من قرأ مَحْضَر الصُّلح (المحامى فرَج البَرْقى) ذَكَر التاريخَين الهجرى انتسابًا لسيّدنا المصطفى، والميلادى انتسابًا لسيّدنا المسيح عيسى، عليهما السلام.
نزاع “خالص”!
ولم يقتصر مجلس الصلح على هذه الحالة فقط، بل إن ذات الاطمئنان النّفسي والرّضا الاجتماعي سادَ بين م. أيمن و”خَصْمه” رجب؛ في نزاع وقع بينهما على قطعة أرض، وبعد أن لجآ إلى “بَرْقى الخير” ورِفاقه؛ انتهى الشِقَاق بالتراضى لحُكم اللجنة بعد تدخُّل حكماء الطرَفين، وعلى رأسهم الحاج مرزوق محارِب الذى ظلَّ لآخر الجلسة لإنهاء النزاع.
وفي ذات الجلسة فوجئنا بدخول شخصَين من محافظة الإسكندرية يعرِضان مشكلتهما بوقوعهما في فخِّ النَّصْب لسيارة أحدهما، فحدَّد لهما “بَرْقى الخير” موعداً لاحقا، لاستدعاء المشكو في حقّه، ومع ذلك لم يتركهما يغادران إلا بعد تناول طعام الغداء (واجب الضيافة).
“مَقْضِيَّة بإذن الله”
يصوِّر لنا الحاج رُشدى عبدالستار البَرْقي- شيخ المجلس العُرفي بِبِرْقاش- هذه البصورة فيؤكد أن كل القضايا والخلافات التى تقع بين الناس ويتم فيها اللجوء إلى مجْلسنا، نبحثُها من خلال اللجان التي تضم كبارات رجال القرية والمدينة- بإشراف رجال الأمن والأجهزة التنفيذية برعاية اللواء محمد مجدى أبوشميلة مدير أمن الجيزة، اللواء عبدالرحمن سكر نائب مدير الأمن، اللواء علاء فتحى مدير المباحث، العميد محمد مختار مأمور مركز منشية القناطر، الرائد مجدى البكرى نائب المأمور- حتى نصل إلى الحلِّ الذي يُرضي جميع الأطراف دون ظُلم أو إكراه، فنحرص على أن يكون الرّضا والودّ والتسامح والسلام قائماً فيما بين الجميع، خاصة وأن الحياة لابد أن تستمر بينهم لأنهم شُركاء وجيران بل أحيانا يكونوا من عائلة بل أُسرة واحدة.

جولات مكوكية
يلتقط خيط الحديث زكريا عبدالستار البَرْقِى، موضِّحًا: بعض هذه المشكلات تظلُّ عالِقة في مداولات وجولات مكوكية من أعضاء لجنة الصُّلح المتطوّعين حِسْبَة لله لا يبتغون إلا وجهه سبحانه وتعالى، ثم الإصلاح بين الناس، حتى يعيشوا في أمن وسلام، وهذا ينعكس على المجتمع كلّه بالاستقرار ويساعد الدولة في تحقيق أهدافها التنموية والخدَمية، بما يساهم في تحقيق الحياة الكريمة التي ننْشدها جميعا ويدعو إليها فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي دائما.
أجيال ورا أجيال

يتدخُّل فرج يونس عبدالله البرقى، قائلاً: جلسات الصلح الأهلية تَحلُّ أكثر من ٨٠ % من المشكلات والقضايا التي تنشَأ بين المواطنين، ورغم أن ما يصل إلى المحاكم القضائية لا يتجاوز الـ 20 % إلا أننا نرى كيف تكتظ ساحات المحاكِم بالقضايا، لذلك فالمجالس العُرفية تُعتبر ركيزة أساسية من ركائز استقرار المجتمع وأمْنه.
يستطرد عماد فرَّج البَرْقى مؤكدا: بفضل الله، ثم إخلاص أعضاء المجلس العرفي، يتم حلّ جميع المشكلات التي تُعْرَض علينا، لأن الله تعالى تعهد بذلك في قوله سبحانه… إن يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما،
يشير إلى أن هذه الجلسات تتوارثها العائلات والأجيال المتعاقِبة عن طريق الخبْرة والممارَسة العملية، فالأبناء ينشؤون على حبّ الخير والصُّلح بين الناس. وقد تصل عدد الجلسات في اليوم الواحد إلى ٧ أو ٨ جلسات، وضرب مثلا عمليًّا حينما كاد أحد الأطراف يُفسد جلسة الصلح بسبب طلب مبلغ زيادة، سارع “عماد” طالبًا من “الباشا رُشدى البَرْقى الصغير” بإحضار مائة ألف جنيه فورًا لإتمام الصُّلح.
الدور الوطني
من جانبه، أشاد الإعلامى نافع التَرَّاس- مذيع برنامج المواطن والمسئول، بقناة الشمس، نائب رئيس حزب حقوق الإنسان والمواطنة- بالدور الوطني المخلِص لأمثال هؤلاء المصريين الشُّرَفاء الذين يقومون بالإصلاح بين الناس انطلاقاً من الأمر الإلهي “فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ ” (الأنفال:1) والتوجيه النبوي الشريف، فيما رواه عبدالله بن عمر- رضى الله عنهما: “أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، ومن كَظَمَ غيْظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ“.
تابع: هذا هو الدور الإعلامى والحزْبى الذي يجب أن يكون في تشجيع النماذج الوطنية الطيِّبة الساعية فى إصلاح ذات البيْن فإن افسادها هى الحالقة، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: “أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ, وَالصَّلاةِ, وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ, فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ”
وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: “هِيَ الْحَالِقَةُ, لا أَقُولُ: هي تَحْلِقُ الشَّعَرَ, وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ”.

البَوْتَقَة المصرية
يصف الكاتب الصحفي مصطفى ياسين- رئيس تحرير عقيدتى- جلسة الصلح بقوله: هذه هى مصر المحبَّة والمودَّة والتسامُح فيما بين أبنائها لا فرْق بين أحدِهم على أساس الدين أو العِرْق أو اللون أو الجنس، وهى القيم والمبادئ التي أرساها الدين الحنيف، ورسَّختها الدولة المصرية الحديثة بتوجيهات وتأكيدات فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي يحرص دومًا على تجسيدها وتجذيرها في المعاملات الحياتية اليومية.
ويؤكد “ياسين” أن مصر ستظل عصيَّة على الانكسار طالما كانت لُحْمَتُها الوطنية ونسيجها الاجتماعي متماسِكًا منْصهرًا في بَوْتقة المصرية الخالصة، لا تعرف التفرِقة بين أبنائها، مُحذِّرًا من مخطَّطات التفريق التى تُحاك للمصريين على مرِّ العصور: بين مسلم ومسيحى، سُنِّى وشيْعى، صعيدى وبحراوى، مؤكدًا أن فضل الله على هذه الأرض الطيبة المباركة أن تظل دائما أبدًا موحَّدة صامدة، فقد تعهَّد المولى عزَّ وجلَّ بحفظها فقال على لسان سيدنا يوسف: “ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ” (99)، وما رواه عمرو بن العاص: حدَّثني عمر- رضي الله عنهما- قول سيّدنا النبي: “إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتّخذوا فيها جُنْدًا كثيفًا؛ فذلك الجُند خير أجناد الأرض”. فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: “لأنهم في رِباط إلى يوم القيامة”.
وحذَّر “ياسين” من التَسَرُّع فى النّشر أو المشاركة لِمَا يُبَثُّ عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وضرورة التثَبُّت والتريُّث، ناصحًا بقوله: “فَكِّر قبل ما تُشَيِّر”، فالكلمة أمانة، وكل منّا مسئول عما يقول أو ينشر، وقد حذّرنا سيدنا النبي، فيما رواه معاذ بن جبل- رضى الله عنه-: “ قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أخبِرْني بعملٍ يُدخِلُني الجنَّةَ، ويباعدني منَ النَّارِ، قال: لقد سألتَ عن عظيمٍ، وإنَّهُ ليسيرٌ علَى من يسَّرَه اللهُ عليه، تعبدُ اللهَ ولا تشرِكُ بِه شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ، وتؤتي الزَّكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ، ثمَّ قالَ: ألا أدلُّكَ علَى أبوابِ الخيرِ؟ الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدَقةُ تطفئُ الخطيئةَ، كَما يطفئُ الماءُ النَّارَ،وصلاةُ الرَّجلِ في جوفِ اللَّيلِ، ثمَّ تلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ الْمَضَاجِعِ) حتَّى بَلغَ: يَعمَلونَ) ثمَّ قال: ألا أُخبِرُك بِرأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروَةِ سَنامِه؟ قلت: بلَى، يا رسولَ اللهِ، قال: رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصَّلاةُ، وذِروةُ سَنامِهِ الجِهادُ، ثمَّ قال: ألا أخبرُك بمِلاكِ ذلِك كلِّه؟ قلتُ: بلَى، يا نبيَّ اللهِ، فأخذَ بلسانِهِ، وقال: كُفَّ عليكَ هذا، فقُلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إِنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكلَّمُ بِه؟ قال: ثَكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهل يَكبُّ النَّاسَ في النَّارِعلَى وجوهِهِم، أوعلَى مناخرِهم، إلَّا حصائدُ ألسنتِهم”.
سرُّ بقائها وقوّتها
وأشار الكاتب الصحفي عبدالهادي عباس- رئيس تحرير جريدة “اللواء الإسلامى”- إلى تأكيدات فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي دائما بأن مصر ستظل قويّة طالما كنَّا نحن المصريين يدًا واحدة متماسِكة مترابطة، موضّحًا أن هذه المجالس العرفية تخفِّف الضغط كثيرًا على المحاكِم القضائية لأنها تحلّ المشكلات والقضايا قبل استفحالها، ما يساعد على استقرار المجتمع وأمْنه.
وأشاد بالدور الوطنى الذى تلعبه القيادات الشعبية من إقرار الأمن والسلم الاجتماعى، والذى يجب أن يحظى بدعم الإعلام الوطنى وكل المؤسسات بل الأفراد المخلصين، لتظل مصر وحدة متماسكة لا يستطيع العدو النفاذ من أى ثغورها، وهذا هو سرّ بقائها وقوّتها.






























