ما الهجرة التي نحتفي بذكراها كل عام إلا سُنَّة ماضية في الكون، وقانون جارٍ في الحياة، فما استقرَّ ماءٌ إلا آسَن، ولا ركدت ريحٌ إلا خَبُثَت، ولا أقام إنسان على حاله إلا نالَه من الفساد بقدر ما ناله من الجمود.
وإنما الحياةُ في جوهرها هجرة لا تنقطع، وارتحالٌ لا ينقضي، وانتقال دائم من طور إلى آخر، ومن منزلة إلى أخرى.
وما أضيقَ الناسَ حين يحصرون الهجرةَ في انتقال الأجساد من الأوطان!
وما أوسعَ معناها حين تُدرَك على حقيقتها!
إن الهجرةَ في أصلها خلعُ ما يثقل الروح، وطرحُ ما يعوق المسير، ومفارقةُ كل ما يحول بين الإنسان وبين غايته التي خُلِق لها.
وإن الأمةَ اليوم لا ينقصها عددُ الشباب، وإنما ينقصها شبابٌ يعرفون إلى أين يهاجرون.
لقد ابتُلينا بجيل تُستنزف أعمارُه في معاركَ لا تُكسب مجدًا، وتُهدر ساعاته في ميادينَ لا تُثمر علمًا، يُطارد سرابًا رقميًّا، ويطلب بطولة من وراء شاشة، ويظفر بانتصارات لا تُغيِّر من واقعه شيئًا، حتى غدا بعضهم أميرًا في عالَم مُتوَهَّم، وهو في دنيا الحقيقة أسيرُ فراغه، رهين عجزه، ثقيل الخُطى عن معالي الأمور.
وأيُّ مصيبة أعظم من شاب يملك من العُمر كنزًا، ومن القوّة ذروة، ومن الفراغ فسحة، ثم يُنفق ذلك كله فيما لا يورث إلا الحسْرة، ولا يُخلِّف إلا الندامة؟
إن الهجرة التي تنتظرها الأمّة ليست هجرة الأبدان، وإنما هجرة العقول من الغفلة إلى اليقظة، وهجرة القلوب من التعلُّق بالتوافه إلى التشوُّف إلى المعالي، وهجرة الهِمم من سفوح الدعة إلى قِمم المجد!
وهجرة الطالب من دفاتر الأمنيات إلى ميادين الإنجاز!
وأن يهاجر الشاب من أَسْر الألعاب الإلكترونية إلى فضاءات القراءة والمعرفة والإبداع! وأن يهاجر من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج! ومن انتظار الفرصة إلى اقتناصها! ومن قتل الوقت إلى صناعة التاريخ!
إن الوقت ليس نهرًا يمر بنا، بل هو العُمر نفسه، ومن أنفق ساعة فيما لا ينفع، فقد اقتطع من حياته قطعة لن يملك استردادها ولو افتداها بملء الأرض ذهبًا!
وما رأينا أمّة سادت إلا وقد هاجرت من الراحة إلى التعب، ومن الترَف إلى الكفاح، ومن الأحلام المرسَلَة إلى الأعمال المحْكَمة، وما سقطت أمّة إلا حين استمرأت اللهو، واستطابت الفراغ، واستعذبت العيش على هامش الحضارة، تستهلك ما يصنعه غيرها، وتتباهى بما لا يد لها فيه.
إن أخطر أنواع الهجرة أن يهاجر الإنسان من نفسه العظيمة إلى نفسه الصغيرة، ومن رسالته إلى شهوته، ومن مستقبله إلى لذته العاجلة.
وإن أعظمها قدرًا أن ينتفض على ضعفه، ويعصي كسله، ويكسر قيود عاداته، ثم يشق لنفسه طريقًا بين العاملين.
وفي كل عام هجري جديد، لا يحتاج الشباب إلى أن يسألوا: متى كانت الهجرة؟ بل أن يسأل كل واحد منهم نفسه: ممَّ أهاجر؟ وإلى أين أهاجر؟ أيترك الجهل إلى العلم؟ أم يترك العلم إلى الجهل؟ أيهجر الفراغ إلى العمل؟ أم يهجر العمل إلى البطالة؟ أيصعد إلى معارج الكمال، أم يهبط إلى دركات التوافه؟
فما الهجرة في حقيقتها إلا قرار جليل بأن تموت فيك النفس الكسْلَى، وتحيا النفس العالية؛ وأن تُدفن عادات التضييع، وتولد عادات البناء؛ وأن يخرج الإنسان من سجن العجز إلى فضاء القدرة، ومن ظلمات العبث إلى أنوار الرسالة!
وهكذا تبقى الهجرة سُنَّة العظماء؛ لأن العظماء لا يرضون بالمقام في منازل النقص، ولا يأنسون بالركون إلى المألوف، وإنما دأبهم الارتحال إلى الأكمل، وديدنهم الصعود إلى الأعلى، والتطلع إلى الأسمى.
فطوبَى لشاب هجَر الكسَل إلى العمل، وهجر الفراغ إلى الإنجاز، وهجر اللهو إلى الجد، وهجر التفاهة إلى المعالي؛ فإن مثل هذا لم يقطع أرضًا، ولكنه قطع مسافة أبعد من الأرض كلها، قطع الطريق من إنسان عاديٍّ إلى إنسان يصنع الحياة، ويترك فيها أثرًا لا يزول!































