بقلم: الداعية الإسلامي د. أحمد شتيه
مدرس الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بجامعة دمنهور
في السنوات العشر الأخيرة شهدنا قفزات متتالية في مستويات الانحراف الفكري والأخلاقي، وليس هذا سوى صدى مباشر – لا أقول لارتفاع مستويات الفتن فحسب – بل لتعدد مداخلها إلى الإنسان في مختلف مراحله العمرية، رجلًا كان أو امرأة.
وأقصد بتعدد مداخل الفتن تعدد الطرق المؤدية إليها، وسهولة الوصول إليها، حتى أصبحت بعض الفتن متاحة وقريبة المنال. وتتعدد في ذلك الأشكال والأنواع، وهو أمر واضح ومفهوم لكل ذي لب.
لعنة الهواتف
ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن الآلة التي صارت في يد كل واحد منا هي السبيل الذي عرفت الفتن من خلاله طريقها إلى العقول والقلوب، سواء كانت فتنًا سلوكية أو فكرية. فلعنة الهواتف هي القاسم المشترك الذي يقف وراء حالة الفساد التي أصابت النفوس، مهما تعددت الأسباب وتشعبت الدوافع.
ومن الأمثلة الفكرية على ذلك ما يمكن تسميته بـ«عشوائية التلقي». فقديمًا، وقبل اختراع هذه الهواتف، كان العلم محصورًا في كتبه ومكتباته، ولم يكن متداولًا بهذا الشكل العشوائي عبر صفحات لا نعلم شيئًا عن الخلفيات الفكرية لأصحابها.
عشوائية الطرح
أصبحت الأفكار، صحيحها وسقيمها، مطروحة أمام كل ناظر، دون ضابط أو منهج يحدد ما يؤخذ منها وما يترك. وكانت النتيجة المباشرة والسريعة لهذه العشوائية في الطرح والتناقل ظهور طبقة مشوهة فكريًا، لا يمكن وصفها إلا بأنها نتاج طبيعي لهذه الطروحات المشوهة.
ومن هؤلاء من يمكن أن نطلق عليهم:
متطرفو الميديا.
علمانيو الميديا.
ومن سار على نهجهم.
انحصار طبقي
أما في الجانب السلوكي والأخلاقي، فقد كانت وتيرة التأثير أكثر خطورة وتسارعًا، وربما يرجع ذلك إلى انحصار طبقة الباحثين عبر الميديا عن الفكر والمعرفة، مقابل اتساع طبقة الباحثين عن التسلية والترفيه.
ولو أخذنا انتشار المحتوى غير الأخلاقي مثالًا، لكانت النتيجة صادمة إلى حد بعيد. فإتاحة وسائل التكنولوجيا والتواصل للأبناء دون توجيه أو إرشاد إلى كيفية الاستخدام الرشيد، مع غياب المتابعة والمراقبة، وحالة الاستسهال التي يسميها بعض الآباء «الثقة في الأبناء»، كل ذلك أدى إلى انتشار تداول هذا المحتوى بين شرائح من الشباب.
توغل التكنولوجيا
إن هذا الجانب من تحولات المرحلة لا بد أن يوضع أمام القارئ الكريم بهذه الصورة التي قد تبدو قاسية أو صادمة، لكنها ليست سوى الحقيقة، بل بعض ما ظهر لنا منها حتى الآن.
لقد توغلت التكنولوجيا في كل بيت، بل في كل غرفة، وتمكنت من كل نفس تعاملت معها دون وعي أو بصيرة. وأحسب أن الوقت قد حان للمراجعة الجادة، والنظر في نتائج المرحلة المنصرمة، والتكاتف من أجل إيقاف هذا المد وآثاره.
وهو أمر لا بد أن تتعاون فيه الأفراد والمؤسسات، لكنه يبقى – في أصله ومنطلقه – مسؤولية تبدأ من الأسرة، فهي الجهة الأولى المنوط بها توجيه دفة نفوس أبنائها، وحمايتهم من الفتن ومداخلها، وبناء الوعي القادر على التعامل الرشيد مع مستجدات العصر.































