أ.د/ نادية قطب إبراهيم
أستاذ الإذاعة والتلفزيون المساعد بكلية الإعلام-بنات- الأزهر
خلال العقود الأخيرة أصبحت قضية تمكين المرأة إحدى القضايا المحورية في الخطابات التنموية والاجتماعية المعاصرة، حيث ارتبطت بمفاهيم العدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص والتنمية المستدامة. وقد شهدت العديد من الدول، ومنها مصر، تطورًا ملحوظًا في التشريعات والسياسات الداعمة للمرأة، بما يضمن مشاركتها الفاعلة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويعزز فرصها في التعليم والعمل وتولي المناصب القيادية، فضلاً عن توفير الحماية القانونية من مختلف أشكال التمييز والعنف. ويقوم مفهوم تمكين المرأة في جوهره على إزالة العوائق التي تحول دون ممارسة المرأة لحقوقها المشروعة، وإتاحة الفرصة لها للمشاركة في بناء المجتمع وفق قدراتها وكفاءتها. ومن ثم فإن التمكين لا يعني منح المرأة امتيازات استثنائية على حساب الآخرين، وإنما يهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص وضمان العدالة في الوصول إلى الموارد والفرص ومواقع اتخاذ القرار.
وتنبع أهمية تمكين المرأة من كونه ضرورة مجتمعية وتنموية، إذ أثبتت التجارب أن مشاركة المرأة في مختلف مجالات الحياة تسهم في رفع معدلات التنمية الاقتصادية، وتحسين جودة الحياة الأسرية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. كما أن المرأة المتعلمة والمستقلة والقادرة على اتخاذ القرار تمثل ركيزة أساسية في بناء أجيال أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل. ومع ذلك، فإن نجاح سياسات التمكين يتطلب وضوحًا في فهم المفهوم ذاته، إذ تظهر أحيانًا بعض الممارسات أو الخطابات التي تخلط بين التمكين بوصفه حقًا مشروعًا وبين السعي إلى الهيمنة أو فرض النفوذ. فتمكين المرأة لا يعني نقل مركز القوة من الرجل إلى المرأة، كما لا يعني استبدال هيمنة تاريخية محتملة بهيمنة مضادة، لأن العدالة لا تتحقق باستبدال طرف مهيمن بآخر، وإنما بإقامة علاقات قائمة على التوازن والتكامل والشراكة.
وفي هذا السياق، يبرز تحدٍ فكري وثقافي مهم يتمثل في ضرورة التمييز بين المطالبة بالحقوق المشروعة وبين تحويل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى علاقة صراع على السلطة. فبعض الخطابات المعاصرة تقدم تمكين المرأة وكأنه مشروع لمنافسة الرجل أو تقليص دوره داخل الأسرة والمجتمع، الأمر الذي قد يؤدي إلى تشويه المفهوم الأصلي للتمكين وتحويله من أداة لتحقيق العدالة إلى أداة لإعادة إنتاج أنماط جديدة من الصراع المجتمعي.
وتزداد أهمية هذا النقاش داخل المجتمعات العربية والإسلامية التي تمتلك منظومة ثقافية وقيمية خاصة، تنظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها علاقة تكامل وتعاون لا علاقة تنافس وصراع. فقد كفل الإسلام للمرأة العديد من الحقوق الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وأكد مبدأ الكرامة الإنسانية المشتركة بين الجنسين، كما نظم العلاقات الأسرية على أساس المودة والرحمة والتعاون في تحمل المسؤوليات. ومن ثم فإن التعامل مع مفهوم التمكين ينبغي أن يتم بوعي نقدي يميز بين المبادئ الإنسانية العامة وبين بعض الأطروحات الفكرية التي قد لا تتوافق مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمعات العربية.
إن المرأة المُمكَّنة ليست بالضرورة المرأة الأكثر سلطة، وإنما المرأة القادرة على الاختيار، والواثقة من نفسها، والقادرة على إدارة شؤونها وتحقيق ذاتها دون أن تفقد إنسانيتها أو توازنها أو أدوارها الاجتماعية التي تختارها بإرادتها الحرة. فالنجاح المهني أو السياسي لا يتعارض مع دورها الأسري، كما أن الاهتمام بالأسرة لا ينتقص من مكانتها أو استقلالها. كما أن الرجل لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه خصمًا في معادلة التمكين، وإنما شريكًا في عملية التنمية والبناء الأسري والمجتمعي. المشكلة لا تكمن في ممارسة الأدوار المختلفة، وإنما في فرض نموذج واحد للنجاح على جميع النساء. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تمكين المرأة فحسب، بل في ترسيخ مفهوم متوازن للتمكين يقوم على الحقوق والمسؤوليات معًا. فالمرأة تحتاج إلى فرص عادلة، وإلى بيئة تحترم كفاءتها وقدراتها، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى ثقافة مجتمعية تدرك أن القوة لا تعني التسلط، وأن القيادة لا تعني الهيمنة، وأن تحقيق الذات لا يعني إقصاء الآخرين.
إن استقرار الأسرة لا يتحقق من خلال هيمنة الرجل على المرأة، كما لا يتحقق من خلال هيمنة المرأة على الرجل، وإنما يتحقق عندما يدرك الطرفان أن العلاقة بينهما تقوم على الشراكة والمسؤولية المتبادلة والاحترام المتبادل. فكلما تحولت العلاقة إلى صراع لإثبات النفوذ أو السيطرة، تراجعت فرص التفاهم والتعاون، وتعرضت الأسرة لاختلالات قد تنعكس على المجتمع بأكمله. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن التمكين الحقيقي للمرأة لا يقاس بحجم السلطة التي تمتلكها على الآخرين، وإنما بقدرتها على ممارسة حقوقها وتحقيق ذاتها والإسهام في تنمية مجتمعها ضمن إطار من التوازن والمسؤولية. فالمجتمعات الناجحة ليست تلك التي تنتصر فيها المرأة على الرجل أو ينتصر فيها الرجل على المرأة، وإنما تلك التي ينجح فيها الطرفان في بناء شراكة إنسانية عادلة تحقق الكرامة والعدالة والاستقرار للجميع. ومن ثم فإن التحدي المطروح أمام المجتمعات المعاصرة لا يتمثل في الاختيار بين تمكين المرأة أو الحفاظ على الأسرة، بل في إيجاد نموذج حضاري متوازن يضمن حقوق المرأة كاملة، ويحافظ في الوقت ذاته على استقرار الأسرة وتماسك المجتمع، ويؤسس لعلاقات قائمة على التعاون والتكامل بدلاً من الصراع والتنافس على السلطة.































