د. سيد عبد الباري: أنقذت الهوية الدينية من محاولات الاختطاف
د. أسامة فخري: تطوير الأئمة أصبح مشروعًا وطنيًا لبناء الوعي
د. إبراهيم نجم: معركة الوعي لا تقل أهمية عن مواجهة الإرهاب
د. ربيع الغفير: تجديد الخطاب الديني وليس تغيير الثوابت
تحقيق: إسراء طلعت
مثلت ثورة 30 يونيو 2013 نقطة تحول تاريخية في مسار الدولة المصرية، ليس على المستوى السياسي فحسب، بل امتدت آثارها إلى المجالين الديني والفكري، بعدما واجهت مصر واحدة من أخطر محاولات توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية وحزبية.
وخلال السنوات التي أعقبت الثورة، أطلقت المؤسسات الدينية الرسمية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية، مشروعًا متكاملًا لاستعادة الخطاب الديني الوسطي، وتأهيل الدعاة، وتجديد الفكر الديني بما يتناسب مع تحديات العصر ويحافظ على الهوية الوطنية.
وفي ظل التحديات الفكرية التي فرضتها الجماعات المتطرفة، برز تساؤل مهم حول كيفية نجاح المؤسسات الدينية في استعادة دورها بعد 30 يونيو، وأبرز ملامح تطوير الخطاب الديني وبرامج إعداد الأئمة خلال السنوات الماضية.
إنقاذ الهوية الدينية
أكد د. سيد عبد الباري، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، أن ثورة 30 يونيو مثلت لحظة فارقة في تاريخ الدولة المصرية، بعدما نجحت في إنقاذ الهوية الدينية الوطنية من محاولات الاختطاف والسيطرة التي مارستها جماعة الإخوان.
وقال إن الجماعة سعت، خلال فترة وجودها في الحكم، إلى إيجاد كيانات دينية موازية للمؤسسات الرسمية، ومحاولة تقديم نفسها باعتبارها المرجعية الدينية البديلة عن الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، وهو ما كان يهدد بنسف منظومة التدين المصري الوسطي التي تشكلت عبر قرون.
وأضاف أن الدولة المصرية، عقب ثورة 30 يونيو، اتخذت إجراءات تنظيمية وإدارية حاسمة لضبط المجال الدعوي، وكان من أبرزها تنظيم الخطابة وقصرها على المؤهلين علميًا، وإعادة هيكلة العمل الدعوي داخل المساجد، بما ضمن وصول الخطاب الديني الصحيح إلى المواطنين.
وأوضح أن مواجهة التطرف لم تعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها، بل تطلبت بناء وعي مجتمعي حقيقي، مؤكدًا أن المؤسسات الدينية الرسمية نجحت خلال السنوات الماضية في استعادة ثقة المواطنين، وتقديم خطاب ديني وطني مستنير عزز قيم الانتماء والمواطنة.
إعداد الأئمة
من جانبه، أكد د. أسامة فخري الجندي، وكيل وزارة الأوقاف، أن مرحلة ما بعد 30 يونيو شهدت تطورًا غير مسبوق في برامج إعداد وتأهيل الأئمة، موضحًا أن الوزارة انتقلت من مفهوم التأهيل التقليدي إلى بناء شخصية الداعية القادر على التعامل مع قضايا العصر.
وأشار إلى أن برامج التدريب الحديثة لم تعد تقتصر على العلوم الشرعية فقط، وإنما شملت مهارات الاتصال والإقناع، ومواجهة الفكر المتطرف، واستخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التدريب على القضايا المجتمعية والفكرية المعاصرة.
وأوضح أن وزارة الأوقاف أطلقت العديد من المبادرات والبرامج التدريبية المتخصصة، إلى جانب تطوير الأكاديمية الدولية لتدريب الأئمة والواعظات وإعداد المدربين، بهدف تخريج أئمة يمتلكون أدوات العلم الشرعي والفكر المستنير والوعي الوطني.
وأضاف أن استراتيجية الوزارة قامت على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، والحفاظ على الثوابت الدينية مع تطوير آليات الخطاب، بما ضمن وصول الرسالة الدينية بصورة أكثر تأثيرًا وفاعلية، خاصة لدى الشباب.
تشكيل الوعي
ورأى د. ربيع الغفير، الأستاذ بجامعة الأزهر، أن أهم ما تحقق بعد 30 يونيو تمثل في استعادة المؤسسات الدينية الوطنية لدورها الطبيعي في تشكيل الوعي المجتمعي، بعدما تعرضت لمحاولات ممنهجة لإضعافها.
وأكد أن مفهوم تجديد الخطاب الديني تعرض خلال السنوات الماضية للعديد من التفسيرات الخاطئة، موضحًا أن التجديد لم يعنِ أبدًا تغيير النصوص أو الثوابت، وإنما عنى تجديد وسائل الفهم والعرض والتعامل مع القضايا المستجدة.
وأضاف أن المنهج الأزهري القائم على الوسطية والاعتدال أثبت قدرته على مواجهة الأفكار المتشددة، لأن جوهر التجديد الحقيقي تمثل في تقديم الفهم الصحيح للدين بما راعى الواقع وحافظ على الثوابت الشرعية.
وأشار إلى أن الجامعات والمؤسسات الدينية لعبت دورًا مهمًا في تصحيح المفاهيم المغلوطة، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز قيم التعايش وقبول الآخر، مؤكدًا أن بناء الوعي أصبح ضرورة وطنية ودينية في آن واحد.
وفي السياق ذاته، أكد د. إبراهيم نجم، مستشار مفتي الجمهورية والأمين العام السابق لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن ثورة 30 يونيو مثلت نقطة انطلاق حقيقية لاستعادة الدولة الوطنية ومؤسساتها الدينية، وحماية الدين من الاستغلال السياسي.
وأوضح أن التجربة المصرية أثبتت أن مواجهة التطرف لم تقتصر على المواجهات الأمنية، بل اعتمدت بالأساس على المواجهة الفكرية والعلمية، من خلال مؤسسات دينية قوية امتلكت القدرة على تصحيح المفاهيم وكشف زيف الخطابات المتشددة.
وأضاف أن دار الإفتاء المصرية والمؤسسات الدينية الوطنية عملت خلال السنوات الماضية على تطوير أدواتها العلمية والإعلامية والتكنولوجية؛ لمواجهة خطاب التطرف والكراهية، وإيصال الرسالة الدينية الصحيحة إلى مختلف الفئات، خاصة الشباب.
وأشار إلى أن معركة الوعي أصبحت إحدى أهم معارك الدولة الحديثة، مؤكدًا أن الحفاظ على الهوية الوطنية والدينية تطلب استمرار جهود التجديد، وتطوير أدوات التواصل، وإعداد أجيال جديدة من العلماء والدعاة القادرين على فهم الواقع والتعامل مع تحدياته.
المؤسسات الدينية
وعلى مدار السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو، نجحت المؤسسات الدينية المصرية في استعادة دورها الوطني والتنويري، من خلال الجمع بين الحفاظ على الثوابت الشرعية، وتجديد أدوات الخطاب، وتأهيل الكوادر، ومواجهة الفكر المتطرف.
وأثبتت التجربة المصرية أن حماية الهوية الدينية والوطنية لم تتحقق بالشعارات، وإنما عبر مؤسسات قوية، وعلم راسخ، وخطاب ديني مستنير، ومشروع متواصل لبناء الوعي، وهو ما جعل من تجديد الخطاب الديني أحد أبرز إنجازات الدولة المصرية في مرحلة ما بعد 30 يونيو.































