يُعدّ العقل من أجَلِّ وأعظَم ما امتنّ الله سبحانه وتعالى به على الإنسان، فهو موضِع التكليف، وأداة الفِهم، ووسيلة النظر والاستدلال، وبه يميِّز الإنسان بين الحقّ والباطل، وبين الهُدى والضلال، وبدونه لا تقوم مسؤولية، ولا يثبت تكليف، ومن هنا جاءت عناية الشريعة الإسلامية بالعقل عناية بالغة، فجعلت حفْظه من المقاصد الكلّيّة الكُبرى التي تدور عليها أحكامها، وليس المقصود بحفظ العقل أن يُصان من الآفات الحسّيّة وحدها، كالمُسْكِرات والمخدّرات، وإنما يمتد هذا المقصد ليشمل حماية الوعي نفسه من كل صور العبَث والتضليل، فتراه ينهى عن الكذب لا لمجرد كونه خُلُقًا مذمومًا، بل لأنه يزيّف الوعي، ويقلِب الحقائق، ويصنع واقعًا يحول بين الإنسان وبين الرؤية الصحيحة للأشياء.
ومن هذا المنطلق جاءت نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية داعية إلى إعمال الفِكر، والنظر، والتدبُّر، والتثبُّت، ورفض الانسياق خلْف الشائعات والأوهام، ومن ثمَّ فإن حماية العقل في الإسلام ليست قضية فردية فحسب، بل هي مشروع حضاري، ومسؤولية مشترَكة.
والتطرّف في أي اتجاه، دينيًّا كان أو لا دينيًّا أو سلوكيًّا، أمر مذموم، فهذه الأمّة أمّة الوسط والتوسُّط في كل الأمور، بما يوجب على كل إنسان، تجاه نفسه وتجاه من هُم في مسئوليته، حماية العقل والوعي، أي إن حماية العقل مسئولية مشتركة على الجميع بالتربية والتوعية وحُسن التنشئة والتوجيه وغيرها من السُّبل، وهذا من قبيل التواصي بالحق، والنُّصح الهادئ من أهل النُّصح، كما جاء به الشّرع الحنيف.
وإذا كان التطرّف من السموم الفكرية، سواء أكان دينيًّا يلوي الفِهم للآيات والأحاديث والوقائع التاريخية لتحقيق مكاسب بعينها، أمْ غير ديني يتمثّل في السلوكيات السلبية من غِش وتحرُّش وسوء معاملة وغيرها، فإنه يتلاقَى مع سموم المخدّرات في إتلاف العقل والبَدن، والإضرار بالمال والنفس والدين والعقل والعِرض، وتعريض الإنسان والأُسرة والمجتمع والوطن للخطر، وهو ما يوجب على الجميع، أفرادًا ومؤسسات حكومية وأهلية، مضافَرة الجهود وفاءً بالمسئولية المشتركة التي لا يستقيم حال الفرد ولا المجموع إلا بها.
ولو نظر الإنسان منَّا في أي شيء حاز به أفضلية على غيره، لوجد أن كل أفضلية مردّها إلى العقل؛ فهل بعد هذا يسلِّم الإنسان عقله لتطرّف يحجُبه عن رؤية الحق، أو لمخدِّر يذهب بعقله؟ وإذا كان حفْظ العقل من مقاصد الشرع الخمسة الكبرى، فإن واجب الإنسان أن يحفِّز عقله، وينمِّي قُدراته، ويعظِّم مكتسباته، والسبيل إلى ذلك بالإيمان بحكمة الاستخلاف في الأرض، وبالتعلُّم وكلاهما حاضر في أول ما نزل من الوحي الشريف: (اقرأ).































