تصوير: ريمون زخارى
أجمع علماء الدين الإسلامى والمسيحي، وخبراء الحوار بين الحضارات والثقافات المختلفة، على أن مصر تمثّل النموذج الفريد والراسخ فى العيش المشترك، والتنوّع الفكرى والثقافى والعَقَدى، منذ فَجْر التاريخ، مشيرين إلى أن فترات الفتنة والنزاع هى طارئة وغريبة بل شاذَّة عن مجتمع المصريين، وراءها دوافع وأيادٍ خارجية ذات مصالح وأهداف استعمارية.

دعوا إلى التكاتف والتعاون فيما بين أتباع الأديان السماوية، خاصة الإسلام والمسيحية، لترسيخ قيم التفاهم والمحبّة والعيش المشترك، لما فيه خير البشرية جمعاء، فهذا فرض دينى قبل أن يكون واجبا إنسانيا.
جاء ذلك فى المؤتمر الدولي الذي تنظِّمه رابطة مراكز العلاقات المسيحية الإسلامية (NCCMR) تحت عنوان «مستقبل العلاقات المسيحية الإسلامية: الآفاق والتحديات»، والذي تستضيفه القاهرة بمشاركة واسعة من القيادات الدينية والأكاديمية والباحثين والخبراء من آسيا وإفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لبحث مستقبل الحوار المسيحي الإسلامي ودوره في تعزيز السلام والتفاهم بين الشعوب.
ويواصل برنامج المؤتمر- الذى انطلق صباح اليوم الاثنين، بأحد الفنادق بميدان التحرير- حيث يتضمن عددًا من الجلسات العلمية المتخصصة التي تناقش تاريخ العلاقات المسيحية الإسلامية، الحوار المسيحي الإسلامي ودوره في بناء السلام، التضامن بين أتباع الأديان المختلفة وداخل المجتمعات الدينية، إلى جانب جلسات إقليمية تبحث مستقبل العلاقات المسيحية الإسلامية في السياقات الإفريقية والآسيوية والشرق أوسطية، بمشاركة نُخبة من الباحثين والخبراء من مختلف دول العالم- على أن تُختتم أعماله مساء غد الثلاثاء- بجلسة تستعرض أبرز النتائج والتوصيات الهادفة إلى تعزيز التعاون والحوار بين المؤسسات المعنية بالعلاقات المسيحية الإسلامية. وتديره د. الشيماء الدمرداش، مدير مشروع كتب التراث بمكتبة الإسكندرية.
د. وجيه يوسف: التَّنوُّع عطيَّة وليس مشكلة
أوضح القس د. وجيه يوسف- مدير المركز المسيحي الإسلامي للتفاهم والشراكة ومدير شبكة مراكز العلاقات المسيحية الإسلامية– أن الشَّبكة أطلقت وطوَّرت موقعها الإلكتروني بثلاث لغات: الإنجليزيَّة، العربيَّة، الفرنسيَّة، مع صفحات مخصَّصة للمراكز الأعضاء، والمراكز المنتسبة، والمبادرات الرَّئيسيَّة. وقد ساعد ذلك الشَّبكة على أن تكون أكثر حضورًا، وإتاحةً، واتِّصالًا عبر اللغات والمناطق المختلفة.
هذه الإنجازات مهمَّة، لكنَّها ليست غايات في ذاتها. إنَّها تشير إلى الهدف الأعمق للشَّبَكة: أن تصبح شبكة حيَّة من المؤسَّسات الملتزمة بالبحث العلمي، والصَّداقة، وبناء السَّلام، والانخراط الأمين بين العلماء والممارسين المسيحيِّين والمسلمين.
تابع: إن واحدة من أعمق قناعات الشَّبَكة، إنَّها ليست بوتقة انصهار. نحن لا نسعى إلى محو اختلافاتنا، أو التقليل من شأن قناعاتنا، أو اختزال تقاليدنا الدِّينيَّة إلى قاسم مشترك أدنى. بل نؤمن بأنَّ التَّنوُّع ليس مشكلة يجب حلُّها، بل عطيَّة ينبغي أن تُقبَل بتواضع ومسؤوليَّة. فالحوار الحقيقي لا يتطلَّب من المسيحيِّين أن يكونوا أقلَّ مسيحيَّة، ولا من المسلمين أن يكونوا أقلَّ إسلامًا. بل على العكس، يتيح الحوار الأمين لكلِّ واحد منَّا أن يتكلَّم من داخل تقليده بإخلاص ونزاهة، وأن يصغي إلى الآخر باحترام. وحين نتعلَّم عن الآخر، فإنَّنا نعمِّق أيضًا فهمنا لذواتنا. لكنَّ ذلك لا يحدث إلَّا عندما يُسمح للآخر بأن يتكلَّم بصوته هو؛ لا من خلال الاختزال، أو الانتقاء، أو الشَّكِّ، أو الكاريكاتير، بل من خلال لقاء حقيقي.
تابع: رجاؤنا أن تواصل الشَّبكة نموَّها لتصير منصَّة تُسمع من خلالها، بوضوح أكبر، أصوات المفكِّرين والعلماء والمختصِّين في العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة من آسيا وأفريقيا والشَّرق الأوسط؛ وأن ترتبط هذه الأصوات بعضها ببعض على نحو أعمق؛ وأن تنال دعمًا أكثر قصدًا وفاعليَّة. ونرجو أن نرى أبحاثًا جديدة، وقيادات شابَّة مؤهَّلة، ومراكز محلِّيَّة أقوى، وشراكات تتشكَّل عبر المناطق واللغات والتَّقاليد. وبهذا، يمكن للشَّبكة أن تخدم لا بوصفها مجرَّد شبكة من المراكز، بل بوصفها حركة للتَّعلُّم المشترك، والتَّشجيع المتبادل، والشَّهادة الأمينة من أجل الخير العامِّ.

ومن ثمَّ، فإنَّ اجتماعنا هنا في مصر يحمل دلالة عميقة. فمصر أرض طيِّبة ذات تاريخ طويل وحيٍّ من الحضور المسيحي والإسلامي، ومن اللقاء، والتَّعايش، والحياة المشتركة. وهي بلد حمَلت فيه الكنائس والمساجد، والجامعات والمؤسَّسات الدِّينيَّة، والعلماء، مسؤوليَّة تشكيل العلاقات بين المسيحيِّين والمسلمين. لذلك، ليست مصر مجرَّد مكان لانعقاد هذا المؤتمر، بل هي جزء أصيل من القصَّة التي جئنا لكي نناقشها.
مستقبل العلاقات
أضاف د. وجيه يوسف: إنَّ موضوع مؤتمرنا، “مستقبل العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة: الآفاق والتَّحدِّيات”، يدعونا إلى أن نفكِّر بصدق، وبروح نقديَّة، وبرجاء. نحن هنا لأنَّ المستقبل لا يُمنح لنا تلقائيًّا، بل يجب أن نتخيَّله بحكمة، ونسعى إليه ببصر، ونبنيه بعمل أمين.
ومن إرث بيت الحكمة، حيث تعاون المسلمون والمسيحيُّون وغيرهم في حفظ المعرفة وترجمتها وتوسيع آفاقها، نرث تاريخًا غنيًّا من التَّبادل الفكري والإسهام المتبادل. فقد شهد هذا التَّاريخ انخراط علماء ومفكِّرين مسيحيِّين، مثل قسطا بن لوقا، وعمَّار البصري، وتيودور أبي قُرَّة، ويحيى بن عدي، في فضاء فكري وكلامي تفاعل فيه مفكِّرون مسلمون، من أمثال أبي الهذيل العلَّاف وإبراهيم النَّظَّام والجاحظ، مع أسئلة اللاهوت، والفلسفة، والعقل، والوحي، والبحث عن الحقيقة.
ويذكِّرنا هذا التَّاريخ بأنَّ العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة لم تكن يومًا محصورة في الصِّراع أو الجدل الدِّيني، بل شملت أيضًا البحث، والتَّرجمة، والصَّداقة، والعمل الفكري المشترك، والتَّعاون من أجل خير المجتمع. وبالطَّبع، لا تسعى الشَّبَكة إلى استنساخ الماضي استنساخًا حنينيًّا، بل إلى استعادة أفضل ما فيه: روح الانخراط الجادِّ، والإيمان الواثق، والأمانة الفكريَّة، والمسؤوليَّة المشتركة.
استطرد: وفي زمننا الحاضر، تزداد هذه المهمَّة إلحاحًا. فنحن نعيش في عالم تُطَيِّعه الحروب، والاستقطابات، والنُّزوح، واللامساواة الاقتصاديَّة، وتوظيف الدِّين في الصِّراع، والمعلومات المضلِّلة في الفضاء الرَّقمي. في أماكن كثيرة، يعيش المسيحيُّون والمسلمون جنبًا إلى جنب في ظروف هشَّة ومعقَّدة. وفي أماكن أخرى، لا يعرف بعضهم بعضًا إلَّا من خلال الصُّور النَّمطيَّة، أو العناوين الإعلاميَّة، أو المخاوف الموروثة. وفي كلتا الحالتين، يظلُّ عمل العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة عملًا لا غنى عنه.
وبوصفنا مسيحيِّين ومسلمين، نمثِّل معًا أكبر جماعتين دينيَّتين في العالم، فإنَّنا نحمل مسؤوليَّة فريدة وفرصة عميقة في آن واحد. فإذا استطعنا أن نتعلَّم كيف نتعامل بعضنا مع بعض بصدق، وشجاعة، وسخاء، فإنَّ أثر ذلك سيتجاوز سياقاتنا الدِّينيَّة الخاصَّة. فالسَّعي إلى السَّلام العالمي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحيويَّة العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة، وعمقها، ونزاهتها.
ويصدق هذا بصورة خاصَّة في آسيا وإفريقيا والشَّرق الأوسط. فغالبيَّة المسيحيِّين والمسلمين في العالم يعيشون في هذه المناطق، حيث لا يكون التَّنوُّع الدِّيني موضوعًا نظريًّا مجرَّدًا، بل واقعًا يوميًّا معيشًا. ومع ذلك، كثيرًا ما تتشكَّل البحث الأكاديمي والخطاب العام حول العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة من خارج هذه السِّياقات، وبأصوات بعيدة عن الحقائق اليوميَّة لمن يعيشون هذه العلاقة عن قرب.
تصحيح الاختلال
أضاف د. وجيه يوسف: لقد تأسَّست الشَّبَكة لتسهم في تصحيح هذا الاختلال. فبدعم كريم من مؤسَّسة تمبلتون للدِّين، ومن خلال مؤسَّسة Scholar Leaders، تسعى الشَّبَكة إلى تمكين المراكز المحلِّيَّة من إحداث أثر عالمي. ونحن نسعى إلى إبراز أصوات الباحثين والممارسين والقادة الدِّينيِّين والمؤسَّسات من آسيا وأفريقيا والشَّرق الأوسط؛ وهي أصوات تتَّسم بالخبرة المعيشة، والحكمة اللاهوتيَّة، والذَّاكرة التَّاريخيَّة، والبصيرة العمليَّة.
هذه الأصوات ليست هامشيَّة في مستقبل العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة، بل هي أصوات مركزيَّة. إنَّها تأتي من أماكن لا يكون فيها التَّعايش مجرَّد مثال مجرَّد، بل دعوة يوميَّة؛ ولا يكون فيها الحوار مجرَّد ممارسة أكاديميَّة، بل ضرورة للحياة المشتركة؛ ولا يكون فيها بناء السَّلام شعارًا عامًّا، بل ممارسة هادئة وأمينة وشجاعة في ظروف معقَّدة.
ونجتمع هذا العام شاكرين المولى -تعالى- لما استطاعت الشَّبَكة أن تحقِّقه في زمن قصير نسبيًّا. ففي عام 2025، واصلت الشَّبَكة نموَّها بصورة ملحوظة، إذ رحَّبت بثمانية مراكز جديدة، ليصل عدد مراكزها إلى تسعة وعشرين مركزًا في تسع عشرة دولة في أفريقيا وآسيا ومنطقة الشَّرق الأوسط وشمال أفريقيا. وهذا النُّمو ليس مجرَّد زيادة عدديَّة، بل يعبِّر عن اتِّساع دائرة من المؤسَّسات الملتزمة بتعزيز العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة في سياقاتها المحلِّيَّة، وبلغاتها، وخبراتها، وتحدِّياتها الخاصَّة.
كما أحرزت الشَّبَكة تقدُّمًا كبيرًا في مشروع المعجم السياقي للعلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة. فهذا المشروع يجمع أكثر من مئة مدخل علمي يكتبها خمسة وأربعون مساهمًا ومساهمة من المسيحيِّين والمسلمين، من ثلاث وعشرين دولة، ومعظمهم من أعضاء الشَّبَكة الحاضرين معنا هذا الصَّباح. ويعبِّر هذا المعجم عن واحدة من القناعات المركزيَّة للشَّبَكة، وهي أنَّ العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة ينبغي أن تُدرس دراسة سياقيَّة. فلا ينبغي فهمها من خلال النَّظريَّات المجرَّدة وحدها، بل أيضًا من خلال الوقائع المعيشة، والتَّقاليد اللاهوتيَّة المختلفة، والخبرات العمليَّة للتَّعايش.
ومن المحطَّات المهمَّة الأخرى تطوير دبلومة العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة بالتَّعاون بين الشَّبكة وجامعة دوموني في فرنسا. ويتكوَّن هذا البرنامج الإلكتروني من ثمانية مقرَّرات دراسيَّة، بما يعادل ستِّين ساعة أكاديمية وفق النِّظام الأوروبي، ويهدف إلى تعزيز المعرفة الدِّينيَّة، وإعداد الطُّلَّاب والباحثين والقادة الدِّينيِّين والممارسين لفهم العلاقة بين المسيحيَّة والإسلام برصانة أكاديميَّة وحساسيَّة واعية للسِّياقات المختلفة.
وقد نظَّمت الشَّبَكة أيضًا سلسلة من المحاضرات الإلكترونيَّة في مجال العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة، استضافت فيها أصواتًا بارزة في هذا المجال، من بينهم د. عزَّة كرم، د. عدنان مقرني، د. جوزيف كمنج. وقد تناولت هذه المحاضرات موضوعات مثل التَّماسك الاجتماعي، والتَّعدُّديَّة الدِّينيَّة، والحوار اللاهوتي، والسَّلام، ممَّا وسَّع عمل الشَّبَكة إلى ما وراء الاجتماعات الرَّسميَّة، وأسهم في فتح آفاق أوسع للحوار والتَّفكير المشترك.
كما أصبح برنامج المنح الصَّغيرة تعبيرًا عمليًّا آخر عن رسالة الشَّبَكة. فمن خلال هذا البرنامج، دعمت الشَّبَكة مشروعات في مشاركة الشَّباب، والقراءة المشتركة للنُّصوص المقدَّسة، والتَّدريب على الحوار، وبناء السَّلام، وتعزيز المعرفة الدِّينيَّة، والتَّعاون المسيحي الإسلامي في سياقات محلِّيَّة متعدِّدة. وتذكِّرنا هذه المبادرات بأنَّ الحوار لا يُمارس فقط في المؤتمرات والمؤسَّسات الأكاديميَّة، بل يُعاش أيضًا في المجتمعات المحلِّيَّة، وبين الشَّباب، وفي الفصول الدِّراسيَّة، وفي دور العبادة، وفي برامج التَّدريب، وفي الأماكن التي يحتاج فيها السَّلام إلى أن يتعلَّم ويُمارَس يوميًّا.
د. محمود الهوارى: الحوار ممارسة عملية لا شعارات جوفاء

من جانبه، يؤكد د. محمود الهوارى- أمين مساعد مجمع البحوث الإسلامية، نائبا عن فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر- أن الحوار بين أتباع الأديان لا ينبغي أن يقتصر على الشعارات، بل يجب أن يتحوَّل إلى ممارسة عملية تسهم في صناعة السلام وترسيخ التعايش، مشيرا إلى أن التاريخ الإسلامي يقدّم نماذج مضيئة في حماية الإنسان واحترام الآخر، من بينها موقف النجاشي مع المسلمين الأوائل، وما قام به عمرو بن العاص مع بطريرك الكنيسة القبطية عند دخوله مصر.
وأكد أن الحوار الحقيقي لا يُقاس بكثرة اللقاءات أو الشعارات، وإنما بقُدرته على إنتاج نتائج ملموسة تعزّز الاستقرار والتفاهم بين الشعوب. مشيرا إلى أن النجاشي ملك الحبشة وفَّر الحماية للمسلمين الأوائل خلال هجرتهم، كما أمَّن عمرو بن العاص بطريرك الكنيسة القبطية بعد دخوله مصر، معتبرًا أن هذه المواقف التاريخية تعكس القيم الأصيلة التي يدعو إليها الإسلام في صون الإنسان واحترام معتقده.
أضاف: الإنسان مفطور على الميل إلى السلام، إلا أن بناء السلام يحتاج إلى جهد متواصل وصبر، إلى جانب خطاب مؤثّر قادر على ترسيخ ثقافة التعايش.
أوضح أن الأزهر الشريف يواصل هذا الدور من خلال مبادراته المختلفة، وفي مقدّمتها بيت العائلة المصرية، الذي أصبح نموذجًا وطنيًا لتعزيز العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، بالتعاون مع مختلف مؤسسات الدولة.
د. سيد عبدالبارى: المبادئ القرآنية.. أُسس راسخة لإنجاح الحوار
وأشار د. سيد عبدالبارى- رئيس القطاع الدينى بالأوقاف، نائبا عن د. أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف-إلى أن القرآن الكريم وضع أسسًا واضحة للحوار القائم على الحكمة والاحترام. مستشهدا بقوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ ليحمل في مضمونه دعوة إلى اتّباع الطريق القويم، الذي يقوم على الحوار الراشد وأسلوب الدعوة بالحكمة. ولم يكتفِ القرآن بالدعوة إلى الموعظة، بل قيَّدها بقوله تعالى: ﴿والموعظة الحسنة﴾، كما وجّه إلى أن يكون الجدال بالتي هي أحسن، وأن يخاطب الناس بالكلمة الطيبة، ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ و﴿وقولوا للناس حسنًا﴾، ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾.
وأكد أن هذه المبادئ تمثّل أساسًا راسخًا لبناء حوار ديني مسؤول، يسهم في نشر قيم الرحمة والتسامح، ويعزِّز التفاهم بين أبناء المجتمع.
د. أحمد ممدوح: مسيرة إنسانية ممتدة لا قضية عابرة
أكد د. أحمد ممدوح- أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، فى كلمته نائبا عن المفتى- أن الحوار بين المسلمين والمسيحيين ليس قضية عابرة، بل مسيرة إنسانية ممتدَة تقوم على التعارف والعدل والعيش المشترك، مشيرا إلى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- وجّه المسلمين عند هجرتهم إلى الحبشة بقوله: «إن بها ملكًا عادلًا لا يُظلم عنده أحد»، فقيمة العدل هي التي تصنع الخلود في التاريخ، مؤكدًا أن هذه الواقعة تمثّل إحدى اللحظات المؤسِّسة في تاريخ العلاقات الإنسانية بين أتباع الديانات. والنجاشي لم يخلّده التاريخ بسبب قوّته أو سُلطانه، وإنما لأنه كان صاحب عدل، مؤكّدًا أن العدالة تبقى القيمة الأسمى التي تحفظ مكانة الإنسان والأمم عبر التاريخ.
أوضح أن الحديث عن العلاقات المسيحية الإسلامية ليس ملفًّا طارئًا أو قضية مؤقّتة، بل هو حديث عن إنسان واحد عاش على هذه الأرض عبر قرون من التفاعل المشترك. واستشهد بقوله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾، مؤكدًا أن الاختلاف بين البشر ليس سببًا للصراع، وإنما من أبواب التعارف والتعاون، كما أن المسيحية أيضًا تدعو إلى السلام من خلال قول السيد المسيح: «طوبَى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون».
وأكد أن دار الإفتاء تعمل على ترسيخ ثقافة الحوار وتعزيز قيم العيش المشترك، انطلاقًا من دورها في بناء الوعي وصياغة خطاب ديني وطني مسؤول، مشدّدًا على أن الاعتداء على دور العبادة أو المساس بحُرمتها لا يمُّت إلى الدين بصِلة.
وأشار إلى أن القرآن الكريم وضع قاعدة راسخة في التعامل مع الآخرين، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين أن تبرّوهم وتُقسطوا إليهم﴾، باعتبارها أساسًا للعلاقات الإنسانية القائمة على البر والعدل.
واختتم بالتأكيد على أن المؤتمر يبعث برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن مصر، بعلمائها ومفكِّريها ومؤسساتها الدينية، ستظل حصنًا للعقل والاعتدال، ومنارة للحوار والتفاهم في مواجهة الصراعات وخطابات الكراهية.
د. أندريه زكي: التجربة المصرية.. نموذج حضارى للإنسانية
أعرب القس د. أندريه زكي- رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، رئيس الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية- عن تقديره لرابطة مراكز العلاقات المسيحية الإسلامية، مؤكدًا أنها تؤدي دورًا رائدًا في تعزيز التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والحوارية، وبناء مساحات جديدة للحوار والتفاهم والسلام، في وقت يشهد فيه العالم تحديات متسارعة وصراعات متشابكة أعادت إلى الواجهة قضايا الهوية والتنوع والانتماء، وأسهمت في تنامي خطاب الكراهية والاستقطاب.
أشار إلى أن التجربة المصرية تمثِّل نموذجًا حضاريًا فريدًا في التعددية الدينية والثقافية، يقوم على الانتماء المشترك للوطن والمواطنة الكاملة، مؤكدًا أن السنوات الأخيرة شهدت تطوّرًا ملحوظًا في دعم قيم المواطنة وتعزيز التماسك المجتمعي.

كما حذَّر من مخاطر خطاب الكراهية، خاصة في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، مؤكّدًا أن مواجهته تتطلب تكامل أدوار المؤسسات الدينية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني، من خلال نشر ثقافة الحوار والاحترام والتعاون، مشيرًا إلى أن الدولة المصرية والمجتمع بمختلف مؤسساتهما حقَّقا تقدُّمًا ملحوظًا في الحدّ من هذا الخطاب.
واستعرض د. أندريه، تجربة الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية في دعم ثقافة الحوار وبناء السلام، مؤكِّدًا أن الهيئة تبنَّت منذ تأسيسها رؤية تربط بين التنمية الإنسانية وصناعة السلام، وعملت عبر برامجها المختلفة على تعزيز المواطَنة والعيش المشترك، وبناء جسور الثقة بين المواطنين، ودعم القيادات الشابة، وترسيخ قيم احترام التنوع ومواجهة التمييز وخطابات الإقصاء والكراهية، إلى جانب الدور الذي يقوم به منتدى حوار الثقافات في إيجاد مساحات حقيقية للحوار بين القيادات الدينية والفكرية والثقافية.
واختتم د. أندريه، بالتأكيد على ضرورة تطوير خطاب جديد للعلاقات الإسلامية المسيحية، ينتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن مجرد قبول الآخر إلى التعاون والشراكة الإيجابية، داعيًا إلى بناء شبكات تعاون حقيقية بين المؤسسات الدينية والأكاديمية والمدنية، والاستثمار في الأجيال الجديدة، حتى يصبح السلام ثقافة مجتمعية راسخة ومشروعًا إنسانيًا متكاملًا، مشدّدًا على أن التنوّع يمثّل فرصة لبناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا، وأن الحوار هو الطريق الأمثل لصناعة السلام والرجاء.
المطران سامي فوزي: مصر تقدِّم نموذجًا راسخًا للعيش المشترَك
أكد المطران سامي فوزي- رئيس أساقفة إقليم الإسكندرية للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية- أن الاحترام الحقيقي بين أتباع الأديان لا يرتبط باتّفاقهم في العقيدة، وإنما بالإيمان بحرية كل إنسان في معتَقَدِه وفكْره، مشدِّدًا على أن مصر تمتلك إرثًا حضاريًا طويلًا في التعايش المشترك، وأن بناء السلام يبدأ بتربية الأجيال الجديدة على احترام الآخر لا الخوف منه.
مستشهدا بوجود هذا العدد للمشاركين الذين قَدِموا من دول مختلفة، بأنه يعكس قناعة مشترَكة بأهمية الحوار بين أتباع الديانات. مشيرا إلى إن الحديث عن الحوار الديني تكرَّر كثيرًا خلال السنوات الماضية، إلا أن السؤال الأهم يظل: «كيف نحترم عقيدة الآخر؟»، موضّحًا أنه كمسيحي مصري يتوجّه إلى جاره المسلم لأن إيمانه يدعوه إلى ذلك، وأن الجميع يتشاركون الطريق والحياة والخُبز، ويعيشون على أرض واحدة سيعودون إليها جميعًا يومًا ما. مؤكّدا أن الاحترام الحقيقي يقوم على الاعتراف بحرية الآخر في عقيدته وفكره، وأن احترام الإنسان لا يعني بالضرورة الاتفاق معه، ولا ينبغي أن يكون احترام الآخرين مشروطًا باعتناقهم العقيدة نفسها.
أشار إلى أن الحوار قد يكون كلمات تُقال، بينما الاحترام موقف عملي يُترجَم في الحياة اليومية، متسائلًا: إذا كانت هذه القناعات موجودة، فلماذا نحتاج إلى مراكز متخصصة للحوار المسيحي الإسلامي؟! فأوضح أن اللقاءات والمؤتمرات قد تنتهي بعد ساعات، لكن المراكز العلمية والبحثية تواصل رسالتها في ترسيخ ثقافة الحوار، وتبادل الأفكار والخبرات، وتعزيز قيم الاحترام المتبادل بين أتباع الأديان، بما يُسهم في بناء جسور من الثقة والتفاهم.
وأكد المطران سامي، أن مصر تمتلك رصيدًا حضاريًا وإنسانيًا كبيرًا في مجال العيش المشترك، وهو ما يجعلها نموذجًا مهمًّا في ترسيخ ثقافة التفاهم بين أبناء المجتمع الواحد، داعيًا إلى الحفاظ على هذا الإرث وتعزيزه عبر المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية.
واختتم بالتأكيد على أهمية إعداد جيل جديد يؤمن باحترام الآخر ويتعامل معه بثقة ومحبّة، بدلًا من الخوف أو الانغلاق، مشدّدًا على أن نشر ثقافة السلام مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع، ومستشهدًا بقول السيد المسيح: «طوبَى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون».
الأنبا إرميا: التاريخ يؤكّد قُدرة المصريين على التعايش
من جانبه، استشهد الأنبا إرميا- رئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي- بواقعة تاريخية تؤكّد عُمق العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في مصر، وهى عودة بطريرك الكنيسة القبطية إلى كُرْسِيِّه تمَّت في عهد القائد الإسلامي عمرو بن العاص، معتبرًا أن هذا الحدث يجسّد نموذجًا مبكِّرًا للتعايش والشراكة الوطنية، وداعيًا إلى البناء على هذا الإرث التاريخي لمواجهة التحديات المعاصرة. مؤكّدا أن مستقبل الحوار بين المسلمين والمسيحيين ينبغي أن يستند إلى التاريخ المشترَك الذي جمع أبناء الوطن، موضحا أن هذه النماذج التاريخية تؤكّد أن التعاون بين أبناء الوطن كان حاضرًا عبر العصور، وأن الحفاظ على هذا النهج يمثّل مسؤولية مشتركة في مواجهة التحديات الراهنة. داعيًّا إلى توسيع مجالات التعاون بين المؤسسات الدينية في القضايا التي تمسّ المجتمع، وفي مقدّمتها حماية الأسرة، ترسيخ القيم الأخلاقية، خدمة الفقراء واللاجئين، إلى جانب تنظيم أنشطة ثقافية مشتركة، وتعزيز الحوار عبر منصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى الأجيال الجديدة.

وأكد “إرميا” أن العالم يواجه اليوم صراعات متزايدة، وهو ما يجعل الحوار والتعاون بين أتباع الأديان ضرورة لتحقيق الاستقرار، مشدّدًا على أن مستقبل العلاقات المسيحية الإسلامية يتوقّف على الإرادة المشتركة والابتعاد عن التوتّر والانغلاق الّلذين يقودان إلى الاحتقان والانقسام.
وأشار إلى أن الاختلاف بين البشر ظاهرة طبيعية فرضها التنوِّع الإنساني، لكنه لا ينبغي أن يتحوّل إلى سبب للكراهية أو الصراع، مُعربًا عن أسفه لتراجع ثقافة قبول الرأي الآخر، ومستشهدًا بقول الإمام الشافعي: «رأييّ صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».
أضاف: مصر عُرفت عبر تاريخها معنى التعدّدية، وتعاقبت على أرضها حضارات وثقافات متعدّدة، بينما دَعَت الأديان السماوية جميعها إلى التعارف واحترام الإنسان وكرامته، مشيرًا إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذَكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾.
وشدَّد، على أن نجاح الحوار يتطلّب التخلّي عن الأحكام المسبَقة والادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، والبحث عن القواسم المشتركة، موضحًا أن الإنسان مطالَب بأن يكون مستمعًا جيدًا، لأن الحوار الحقيقي يقوم على الإصغاء المتبادل، بينما يعكس الفشل في الحوار رغبة في التسلُّط وضعفًا في القُدرة على التواصل.
تواصل الفعاليات

ويواصل- غدا الثلاثاء- برنامج المؤتمر الذى يتضمن عددًا من الجلسات العلمية المتخصصة التي تناقش تاريخ العلاقات المسيحية الإسلامية، الحوار المسيحي الإسلامي ودوره في بناء السلام، التضامن بين أتباع الأديان المختلفة وداخل المجتمعات الدينية، إلى جانب جلسات إقليمية تبحث مستقبل العلاقات المسيحية الإسلامية في السياقات الإفريقية والآسيوية والشرق أوسطية، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء من مختلف دول العالم، على أن تُختتم أعماله بجلسة تستعرض أبرز النتائج والتوصيات الهادفة إلى تعزيز التعاون والحوار بين المؤسسات المعنية بالعلاقات المسيحية الإسلامية.































