تشريعات مرتقبة لحماية النشء من مخاطر العالم الرقمى
كتب_ محمد لملوم
في ظل تصاعد المخاطر الرقمية التي تهدد الأطفال والناشئة، وتنامى الاتجاهات الدولية نحو تشديد الضوابط على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أكد المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، أن الدعوات المتزايدة، وفى مقدمتها التوجه البريطانى لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، تمثل تحولًا مهمًّا فى السياسات الدولية لحماية الأطفال، وتنسجم مع النهج الاستباقي الذي تبنته دار الإفتاء المصرية منذ سنوات عبر مشروع “الفتوى الرقمية الوقائية” القائم على بناء الوعي قبل وقوع المخاطر.
تصويب رؤية
وأكد المؤشر، في تقرير جديد، أن اتجاه عدد من الدول نحو سن تشريعات تمنع الأطفال دون السادسة عشرة من استخدام منصات التواصل الاجتماعي يعكس تحولًا نوعيًّا في السياسات الرامية إلى حماية الأطفال من الآثار النفسية والفكرية والسلوكية الناجمة عن الاستخدام غير المنضبط للمنصات الرقمية، مشيرًا إلى أن هذه التوجهات تؤكد صواب رؤية دار الإفتاء المصرية في الانتقال من معالجة آثار الاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا إلى بناء وعي رقمي رشيد يرسخ الوقاية قبل العلاج.
وأوضح التقرير أن دار الإفتاء انتهجت مسارًا متطورًا في التعامل مع القضايا الرقمية، تجاوز الدور التقليدي للفتوى باعتبارها استجابة للمشكلات بعد وقوعها، إلى دور استباقي يهدف إلى ترسيخ السلوك الرقمي الرشيد، وتعزيز المناعة الفكرية والسلوكية لدى الأطفال والناشئة، من خلال إنتاج محتوى توعوي يخاطبهم وأولياء أمورهم بلغة عصرية، وتوظيف الوسائط الرقمية الحديثة، مع دعم دور الأسرة في المتابعة والرقابة الواعية.
توظيف الدراما
وأشار المؤشر إلى أن تجربة مسلسل “أنس AI”، الذي شاركت دار الإفتاء المصرية في إنتاجه وعُرض خلال شهر رمضان الماضي، تُعد نموذجًا عمليًّا لتجسيد مفهوم “الفتوى الرقمية الوقائية”، حيث انتقلت الرسالة الدينية من إطار الوعظ التقليدى إلى توظيف الدراما في تقديم محتوى تربوي يعالج أبرز التحديات التي تواجه الأطفال في البيئة الرقمية، ويعزز قيم الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا. ولفت إلى أن العمل حقق نجاحًا واسعًا، إذ تجاوزت مشاهداته تسعة ملايين مشاهدة عبر منصات دار الإفتاء الرقمية، فضلًا عن نسب المشاهدة التي سجلها عبر التلفزيون المصري وقنوات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.
وأكد التقرير أن تجربة “أنس AI” عكست تطورًا ملحوظًا في وظيفة الفتوى ورسالتها المجتمعية، فلم تعد مقتصرة على بيان الأحكام الشرعية، بل أصبحت أداة فاعلة في بناء الوعي المجتمعي واستشراف التحديات الرقمية، وترسيخ ثقافة الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا بما يحد من مخاطر التطرف والعنف والتنمر والابتزاز والإدمان الرقمي، مشددًا على أن نجاح هذا النموذج يتطلب تكامل أدوار المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والأسرة لبناء منظومة وطنية للتربية الرقمية.
مهام الرقابة
ورصد المؤشر استناد التوجه البريطاني إلى دراسات ومؤشرات علمية كشفت عن تصاعد التأثيرات السلبية لاستخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، موضحًا أن الحكومة البريطانية تتجه إلى إلزام شركات التكنولوجيا بالتحقق من أعمار المستخدمين، ومنع من هم دون السادسة عشرة من إنشاء الحسابات أو استخدامها، مع إسناد مهمة الرقابة إلى هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (Ofcom)، بما يعكس تحميل شركات التكنولوجيا مسؤولية أكبر في توفير بيئة رقمية آمنة.
وأضاف أن هذه الخطوات جاءت مدعومة بنتائج مشاورات أجرتها مؤسسة YouGov بمشاركة أكثر من 116 ألفًا من أولياء الأمور وممثلي قطاع التكنولوجيا والشباب، أظهرت أن ثمانية من كل عشرة من أولياء الأمور يرون أن وسائل التواصل تؤثر سلبًا في أطفالهم، فيما أيد 77% من أولياء الأمور فرض حظر على استخدامها لمن هم دون السادسة عشرة، وأكد 88% ضرورة قيام شركات التكنولوجيا بدور أكبر في حماية الأطفال، بينما أفاد 38% بأن أبناءهم تعرضوا بالفعل لتأثيرات سلبية نتيجة استخدام تلك المنصات.
كما أشار التقرير إلى أن استطلاعًا آخر أجرته المؤسسة نفسها فى ست دول أوروبية هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا، كشف عن تأييد 79% من المشاركين فرض حظر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، بما يعكس تزايد القناعة الأوروبية بضرورة وضع ضوابط أكثر صرامة لحماية الأطفال في البيئة الرقمية، مؤكدًا أن الرأي العام الغربي بات يبحث عن حلول تشريعية وعملية تحقق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال.
توجيهات جديدة
وفى سياق متصل، رصد المؤشر اهتمامًا متزايدًا من المؤسسات الإسلامية في الغرب، ولا سيما في بريطانيا، بقضية حماية الأطفال من مخاطر الاستخدام المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع التوجهات الحكومية الجديدة، حيث ركز الخطاب الديني والإفتائي على مسؤولية الأسرة في التوجيه والرقابة الواعية، محذرًا من مخاطر الإدمان الرقمي والتنمر الإلكتروني والتعرض للمحتويات غير الملائمة وما تتركه من آثار سلبية على منظومة القيم والسلوك.
وأشار إلى ترحيب مجلس مسلمي بريطانيا بالتوجهات الرامية إلى تشديد الضوابط على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أنها خطوة مهمة لحماية الأطفال وتعزيز صحتهم النفسية والجسدية، مع التأكيد على ضرورة نشر الثقافة الرقمية، ومساءلة شركات التكنولوجيا عن مسؤوليتها في توفير بيئة إلكترونية أكثر أمنًا، فضلًا عن دعوة الأسر إلى استثمار هذه الخطوة في تعزيز الأنشطة الأسرية، وتشجيع الأبناء على التفاعل المباشر، وترسيخ القدوة في الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا.
مبادرات وبرامج
وأكد المؤشر أن التحولات الدولية الراهنة تعزز أهمية النهج الذي تبنته دار الإفتاء المصرية خلال السنوات الماضية في التعامل مع تحديات العصر الرقمي، موضحًا أن الدار لم تكتف بإصدار الفتاوى والبيانات التحذيرية، بل أطلقت مبادرات وبرامج توعوية تستهدف الأطفال والناشئة وأولياء الأمور، انطلاقًا من قناعة بأن الوقاية الفكرية والسلوكية تبدأ قبل وقوع الضرر، وأن حماية النشء تتطلب خطابًا يجمع بين التأصيل الشرعي والفهم العميق للتطورات التقنية.
وأشار التقرير إلى أن دار الإفتاء حذرت في مناسبات متعددة من مخاطر الإدمان الرقمي والتنمر الإلكتروني والابتزاز عبر الإنترنت، والألعاب والتطبيقات التي تحرض على العنف أو إيذاء النفس أو المقامرة، مؤكدًا أن حفظ النفس والعقل والأخلاق من المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، وأن كل وسيلة يثبت ضررها تستوجب التوعية والحد من آثارها.
وأضاف أن تحذيرات دار الإفتاء المبكرة من بعض الألعاب الإلكترونية عكست وعيًا استباقيًّا بالمخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال، وهو ما أكدته لاحقًا إجراءات الدولة، ومنها حجب لعبة «روبلكس» لما ارتبط بها من مخاطر، فضلًا عن مواكبة بعض الجهات الإعلامية لهذا التوجه عبر إنتاج أعمال درامية توعوية، مثل مسلسل “لعبة وقلبت بجد” الذي تناول التأثيرات النفسية والاجتماعية للألعاب الإلكترونية على الأطفال والأسرة.
نقطة تحول
وشدد المؤشر على أن مواجهة هذه التحديات لا تتحقق بالمنع وحده، وإنما ببناء شخصية رقمية واعية قادرة على التمييز بين الاستخدام النافع والضار للتكنولوجيا، وهو ما يتوافق مع فلسفة “الفتوى الرقمية الوقائية” التي تنطلق من بناء الإنسان وتعزيز المسؤولية الفردية والمجتمعية قبل اللجوء إلى الحلول العلاجية.
وتوقع التقرير أن يشكل القرار البريطاني نقطة تحول في السياسات الدولية المنظمة لاستخدام الأطفال للمنصات الرقمية، بما قد يدفع مزيدًا من الدول إلى تبني تشريعات مماثلة، مع احتمال اتجاه بعض الدول إلى نماذج تنظيمية أكثر مرونة تعتمد على الضوابط العمرية، وتحديد ساعات الاستخدام، وتعزيز الرقابة الأبوية، وتطوير خوارزميات أكثر كفاءة لتصنيف المحتوى الموجه للأطفال.
سياسة مستدامة
وأكد أن نجاح أي تشريعات مستقبلية سيظل مرهونًا بقدرتها على مواكبة التطور التقني المتسارع، إلى جانب الاستثمار في بناء الوعي الرقمي وترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، باعتبار ذلك الركيزة الأساسية لأي سياسة مستدامة لحماية الأطفال، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد توسعًا في إنشاء منصات رقمية آمنة مخصصة للأطفال، بما يعزز التعاون بين المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية وشركات التكنولوجيا لإنتاج محتوى رقمي هادف يحافظ على الهوية والقيم وينمي شخصية الطفل.
برنامج وطنى
وفي ختام تقريره، أكد المؤشر العالمي للفتوى أن حماية الأطفال في العصر الرقمي أصبحت ضرورة وطنية ومجتمعية، داعيًا إلى تبني رؤية متكاملة تجمع بين التشريع والتوعية والتربية، وأوصى بإطلاق برنامج وطني بعنوان “الأسرة الرقمية الآمنة” تشارك في تنفيذه المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والجهات المعنية بحماية الطفل، إلى جانب توسيع برامج التوعية الرقمية داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج تطبيقات ومنصات تفاعلية تقدم محتوى دينيًا وتربويًا موثوقًا للأطفال والناشئة، مع تعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والجهات التشريعية وشركات التكنولوجيا لوضع معايير أكثر فاعلية لحماية الأطفال من المحتوى الضار، وبناء مجتمع رقمي أكثر وعيًا وأمانًا.































