د. إبراهيم الهدهد: الإيمان يقوم على ركني الصبر والشكر وهما طريق النجاة
كتب_ محمد لملوم
أكد فضيلة الدكتور إبراهيم الهدهد، أستاذ البلاغة والنقد ورئيس جامعة الأزهر الأسبق، أن الصبر في الإسلام ليس مجرد وسيلة لمواجهة المصائب والابتلاءات، وإنما هو منهج حياة متكامل يضبط النفس، ويقود الإنسان إلى الثبات على الحق، ويعينه على مجاهدة الهوى، مشددًا على أن الصبر يمثل أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها الإيمان.
جاء ذلك خلال خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالجامع الأزهر، والتي تناول فيها تفسير قول الله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، مقدمًا رؤية فكرية وتربوية عميقة حول مفهوم الصبر ومكانته في حياة المسلم.
صبر جميل
وسلط فضيلته الضوء على مفهوم الصبر، موضحًا أن هذه الآية الكريمة ترسخ لمفهوم الصبر باعتباره منهج حياة متكامل، يمثل نصف الإيمان، ومحركًا لضبط النفس البشرية في مواجهة أهوائها، مؤكدًا أن اختصار مفهوم الصبر في مواجهة المصائب والابتلاءات يُعد قصورًا في الفهم، فالصبر في حقيقته الشرعية هو “حبس النفس عن الشهوات”.
وأوضح أن الله سبحانه وتعالى خص الإنسان بفضيلة الصبر دون غيره من المخلوقات؛ فالبهائم مسيرة بداعي الشهوة فقط، والملائكة مجبولة على الطاعة، بينما الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يعيش في “جهاد دائم” بين داعي الدين وداعي الهوى، ومن هنا تبرز الحاجة الماسة إلى الصبر باعتباره الأداة التي تمكن الإنسان من التحكم في هذه الصراعات الداخلية.
جهاد النفس
وأكد د. الهدهد أن الإيمان يقوم على ركنين عظيمين هما الصبر والشكر، مستشهدًا بقول أهل العلم: “الإيمان شطران: الصبر والشكر”، مبينًا أن الصبر مطلوب في جميع مراحل العمل؛ فهو يكون قبل العمل بمقاومة الكسل والتراخي، ويلازم الإنسان أثناء العمل بمدافعة الرياء والوسوسة، ويستمر بعده بصيانة العبادة من المن والأذى.
وأضاف أن داعي الشهوة لا يفارق الإنسان، بل قد يشتد حتى في أوقات المحن والشدائد، محاولًا أن يدفعه إلى سوء الظن بالله، وهنا تتجلى قيمة الصبر الذي يثبت المؤمن على طريق الحق، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، موضحًا أن الصبر هو الوقود الذي يعين الإنسان على تجاوز عقبات الحياة، ويقوده إلى رضا الله والفوز في الدنيا والآخرة.
شكر النعم
وشدد أستاذ البلاغة والنقد على أن الشكر لا ينفصل عن الصبر، فالإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة قد تدفعه نفسه إلى نسبة الفضل لقدراته وجهده، وهنا يأتي الصبر ليكبح الغرور، ويعينه على رد الفضل إلى الله سبحانه وتعالى، مؤكدًا أن الصبر يحفظ الإنسان من الطغيان عند النعمة، كما يحفظه من اليأس عند البلاء.
منهج قرآنى
وأوضح فضيلته أن القرآن الكريم يقدم الصبر باعتباره منهجًا متكاملًا لبناء الشخصية المؤمنة، يجمع بين قوة الإرادة، وضبط النفس، والثبات على الطاعة، والقدرة على مواجهة الشهوات والابتلاءات، بما يحقق للمؤمن التوازن في مختلف أحواله.
وصايا إيمانية
وفي ختام الخطبة، أوصى رئيس جامعة الأزهر الأسبق بضرورة أن يكون التدبر منهجًا دائمًا في حياة المسلم؛ فيستعد قبل الشدة بالإيمان واليقين، ويواجهها بالصبر والاحتساب وترك التسخط، ويستقبل ما بعدها بالشكر والاعتراف بفضل الله، كما يصبر في أوقات النعم على أداء شكرها، ويحذر من نسبتها إلى نفسه أو الوقوع في الكبر.
وأكد أن هذا المنهج يجعل الصبر أسلوب حياة، وقوة دافعة تضبط النفس وتسمو بها، فيصبح الإنسان قائدًا لشهواته لا أسيرًا لها، وينال بذلك الفلاح في الدنيا والآخرة.































