د. مختار جمعة: خدمة المجتمع والإنسانية هي الترجمة الحقيقية لعظمة الإسلام
د. أحمد نعينع: لا مجاملة في القرآن.. ونبحث عن بلدوزر تلاوة
د. محمد أبو هاشم: الإسراء والمعراج.. معجزة وثّقها القرآن
نافع الترَّاس: نخوض معركة الوعي وزرع الأمل لبناء مجتمع قوي ومتماسك يليق بمصر
فجَّر برنامج “المواطن والمسئول”، مع الإعلامي نافع الترَّاس، المُذاع على قناة الشمس، العديد من القضايا الاجتماعية والدينية المثارة على الساحة فى الوقت الراهن.
ففي تجربة إنسانية ملهمة تعكس واقع العمل الخدمي، طرح الإعلامي نافع الترَّاس، تساؤلات حاسمة حول حجم التضحيات التي يقدّمها الشرفاء في العمل العام؛ حيث يمتد العطاء إلى ساعات الفجْر الأولى من خلال النزول الميداني الفوري للمستشفيات، وحلّ الأزمات الطارئة للمواطنين، والمساهمة في بناء وتطوير المنشآت الحيوية كالمراكز الرياضية لحماية الشباب من براثن الإدمان، وتشييد المدارس والمعاهد التعليمية والمساجد، لتقديم نماذج شبابية فاعلة تتكامل مع رؤية القيادة السياسية والمشروعات القومية الكبرى مثل مبادرة “حياة كريمة”.
أوضح التراس، أنه رغم هذه الجهود، يواجه المخلصون أحيانًا محاولات لإحباط عزيمتهم وتقليل طموحهم من قِبل بعض الأصوات الهدامة، مما يجعل التساؤل عن الأجر المعنوي والديني أمرًا بالغ الأهمية لشحذ الهمم واستدامة العطاء وتفريخ كوادر جديدة تخدم الوطن.

وأعلن التراس، عن ميثاق شرف وعهد أمام الله والوطن، مؤكدًا أن البرامج الإعلامية الخدمية والتحركات السياسية والحزبية الميدانية، بكل ما تتطلبه من مجهود بدني ومادي وفكري، مجردة تمامًا من أي غرض لشغل منصب أو نيل جاه.
وأكد أن هذا الإعلان بمثابة إشهاد للرأي العام بأن الهدف الأسمى هو خدمة المواطنين ومناقشة قضاياهم بكل جرأة، وشفافية، ومصداقية، فضلًا عن فتح قنوات اتصال مباشرة ومستدامة بين المواطن والمسئول لحل المشكلات على أرض الواقع، علاوة على محاربة السلبيات بوعي ومسؤولية، وزرع سواعد الأمل لبناء مجتمع قوي ومتماسك يليق ببلدنا.
منهج الحياة
قال التراس: إنه في عالم يتسارع بخطوات مجنونة، وتتلاطم فيه أمواج التحديات، يظل البحث عن منهج للحياة هو الشغل الشاغل للشباب، مؤكدًا أن القرآن الكريم هو كتاب الحياة، وحلول كل المشكلات وإجابات كل الأسئلة تكمن بين دفات هذا الإعجاز الخالد، شريطة أن نعيشه بوسطية دون تشدد أو تفريط، اقتداءً بنهج الرسول صلى الله عليه وسلم.
ودعا لصناعة النموذج الصالح للمواطن المصري الذي يترجم آيات الوحي إلى طاقة عمل وخدمة وبناء في شتى المجالات، متسائلا: “كيف يجمع الإنسان بين التميّز المهني، والعمل العام، والصلة بالله؟
وأكد أن هذه النماذج تقول للشباب علانية: لا تضعوا سقفًا لأحلامكم، فالمصري قادر على أن يدير مائة ملف في وقت واحد وبكفاءة تبهر العالم”.
وفي مواجهة صريحة مع معوّقات النجاح، وجّه “الترَّاس” رسالة شديدة اللهجة إلى الشباب، محذرًا إياهم من قوى شد العكس واللجان السلبية التي تحاول بشتّى الطُّرق النَّيل من عزيمة الشاب المصري، وإقناعه بأن الإنجاز مستحيل، أو أن عليه الاكتفاء بمسار واحد ضيق، معقبًا: “المصريون في الداخل والخارج يضربون أروع الأمثلة؛ لدينا أطباء ساسة، ومهندسون خدميون، وإعلاميون يقودون مبادرات مجتمعية، نحن لا نريد نموذجًا واحدًا أو اثنين، بل نطمح إلى استنساخ ملايين النسخ من المواطن الإيجابي الصانع للمعجزات”.
وشدّد على أن الحياة السعيدة لا تعني الانفصال عن العالم أو الانعزال في الصوامع، بل تعني الانخراط في المجتمع بقلب ينبض بالقرآن وعقل يتسلح بالعلم؛ فالدين جاء ليدفع الإنسان نحو المقدمة، والشباب اليوم مطالبون بامتلاك الطموح، وكسر حواجز اليأس، ليكون كل منهم منارة تضيء طريق المستقبل لوطنه وأمَّته.
الإنسان الخدَمى
ردَّ د. محمد مختار جمعة- وزير الأوقاف السابق- على تساؤل حول: كيف أكون شابًا خدميًا ونافعًا لمجتمعي، انطلاقًا من منهج القرآن والسنَّة؟ موضحًا أن الإجابة عن هذا التساؤل لا تبدأ من السلوك الخارجي فقط، بل تنبثق أولاً من التدبُّر في ملكوت الله، والوقوف أمام آياته التي تهزّ الوجدان.
أوضح، أن كل شيء مخلوق بقدر وحسبان دقيق حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}، حيث يتكامل معنى هذه الآية مع معنى آية سورة يس: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَر»، مشيرًا إلى أنه إذا استدعينا علماء الفلك والكونيات اليوم، لوقفوا مذهولين أمام هذا النظام الصارم؛ فمسار الشمس ثابث، وللقمر مدار لا يتخطّاه، مؤكدًا أن هذا الحساب الدقيق هو ما يجعلنا نمسك بالتقاويم الورقية والإلكترونية لنقرأ مواقيت الشروق، والظهر، والمغرب بدقة الأجزاء من الثانية، متساءلا: “فهل تخلف الكون يومًا؟، وهل تأخرت الشمس عن شروقها أو غربت قبل موعدها في صيف أو شتاء؟”.

ولفت إلى أنها دعوة للشباب لإدراك القوانين الكونية، فالذي يعيش في هذا الكون المنضبط يجب أن يكون سلوكه وعطاؤه منظمين ونافعين، وهنا يبرز التحدي الإلهي الخالد الذي ألقاه نبي الله إبراهيم في وجه النمرود: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ}، مؤكدًا أننا اليوم، لو اجتمعت البشرية كلها، بل لو طلبنا منهم مجرد تقديم الشروق أو تأخير الغروب لعشر دقائق فقط، لعجزوا، إنه النظام الإلهي الدقيق للكون، وهو سبحانه الذي رفع السماء ووضع به الميزان، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة لقمان: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}، ليتجلى التحدي في آية أخرى ترسم حدود العجز البشري: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ}، موضحًا أن الأمر لا يتوقف عند الخلق فحسب، بل يمتد إلى الإعجاز العملي: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}، مشيرًا إلى أنه لو أخذت هذه الذبابة ذرة من طعامك، لن تستطيع بكل تكنولوجيات العالم استردادها منها بعد أن يفرز عليها لعابه ويحللها، إنه ضعف الإنسان أمام عظمة الخالق، وصيحة تحذير تقول: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
وأكد أن القرآن يأمرنا بطاعة الرسول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، وفي السنة النبوية المطهرة، تتجلّى أعلى درجات الإنسانية والمواطنة الصالحة في قاعدتين ذهبيتين؛ أولهما “خير الناس أنفعهم للناس”، والثانية “إن لله عبادًا اختصّهم بقضاء حوائج الناس، حببهم في الخير وحبب الخير إليهم، أولئك هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة”.
وشدَّد “د. مختار”، على أن المنهج الإسلامي يرفض الأنانية والانعزال؛ فالشاب الخدمي هو الذي يترجم إيمانه بعظمة الله إلى طاقة عمل تسعى بين الناس بالخير والمنفعة وقضاء الحوائج، مشيرًا إلى الحكمة البليغة التي تختصر فلسفة الوجود الإنساني في مجتمعاتنا: “ما استحق أن يولد.. مَن عاش لنفسه فقط”.
كواليس لجان الاختبار
وكشف القارئ الطبيب أحمد نعينع- شيخ عموم المقارئ المصرية- عن خريطة الطريق للأجيال الجديدة الراغبة في حفر أسمائها بمداد من نور في تاريخ القرآن الكريم، معيدًا صياغة الروشتة التي تضمن لمصر الحفاظ على ريادتها العالمية في هذا المجال.
وحسَم ” نعينع”، الجدل الدائر حول بداية الطريق للشاب الموهوب، مؤكدًا أن الخطوة الأولى والأهم هي الحفظ الجيد والمجود تجويدًا سليمًا، ليأتي بعد ذلك دور الالتحاق بإذاعة القرآن الكريم.

وعن كواليس لجان الاختبار التي يشغل عضويتها، قال “نعينع”: “في مجال القرآن الكريم.. لا توجد مجاملة إطلاقًا، والقرآن أولى بالنزاهة والموضوعية، نحن لا نبحث عن مجرد أصوات جيدة، بل نبحث عن بلدوزر تلاوة؛ قارئ فذ يمتلك النفس الطويل، ولا يتلعثم أو يهتز عندما يُطلب منه تسجيل ربع ساعة كامة على الهواء”.
وكشف عن دقّة الاختبارات، مؤكدًا أن اللجنة تفحص الصوت أولاً، فإذا نجح، ينتقل إلى اختبار الحفظ الشفهي الذي يتضمن 30 سؤالًا بواقع سؤال من كل جزء، ثم مرحلة التسجيل للتأكد من صلاحيته للبث عبر أوتوميشن الإذاعة.
وأكد أن اللجنة من فرط تدقيقها وبحثها عن معايير تضاهي العمالقة كالشيخ محمد رفعت، مصطفى إسماعيل، عبدالباسط عبدالصمد، لم تعتمد أحدًا منذ قرابة ثلاث أو أربع سنوات، مشددًا على أن التقديم مفتوح طوال العام كطلب كتابي بالاذاعة تسبقه دورة تدريبية، ولا سقف للأعداد المقبولة بشرط الامتياز الحقيقي.
واستعاد “نعينع” ذكريات طفولته وكيف قاده جدّه إلى الكتّاب في سنّ الثالثة من عُمره بمحافظة كفر الشيخ (مركز مطوبس)، ليتعلّم القراءة والكتابة على السبورة قبل دخول المدرسة.
وروى المفارقة الطريفة وضريبة التعلّم في الصِّغر قائلاً: “كنت طفلاً في سنّ الثالثة، وعندما قرأ المحفظ قوله تعالى: {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً}، ردّدت خلفه بنطقي الطفولي: (أخواجاً)، فظن الشيخ أنني أتهَكَّم عليه أو أسبّه فضربني. لكن هذا الحزم الممزوج بطول بال المحفِّظين كان وراء نبوغ جيلنا”، مؤكدًا أن هذا التأسيس القرآني المبكّر جعل الطفل أحمد نعينع مؤهَّلاً لدخول المدرسة الابتدائية في سنّ الرابعة فقط، حيث استُعين بأطفال الكتّاب الأذكياء لملء قاعات الدراسة في مدرسة جديدة أُنشئت بالبلدة آنذاك، ليدخل الصف الأول الابتدائي وهو يمتلك حصيلة لغوية ودينية تفوق عمره بسنوات.
وشدّد على أن الكُتّاب لم يكن مجرد مكان لحفظ الآيات، بل كان السلم الطبيعي لبناء الشخصية السوية، وتعليم اللغة العربية الفصحى بشكل صحيح، وتحصين النشء أمنيًا وفكريًا من الانزلاق وراء الأفكار المتطرفة أو التيارات المنحرفة، فضلاً عن حمايتهم من الوقوع في فخ الإدمان والمخدرات من خلال ملء عقولهم بالنور وعزائمهم بالبناء، مؤكدًا أن صبر المُحفظ ووعي الأسرة هما المكونان السحريان اللذان ينتظر منهما المجتمع إشعاعًا جديدًا يُعيد لمصر صدارتها في دولة التلاوة والعلم.
اختلافات جذرية
فكَّك د. محمد أبو هاشم- نائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق، عضو مجمع البحوث الإسلامية- الأطروحات المتطرفة التي تستغل ظاهر بعض الآيات القرآنية لتحريم العمل الحزبي والسياسي. وبمنهج علمي رصين، حدَّد د. أبو هاشم، ثلاثة اختلافات جذرية بين المسميات، موضحًا أن غزوة الأحزاب المقصود بها في القرآن “غزوة الخندق”، وحين تحزّب كفار مكة مع اليهود والقبائل لاستئصال شأفة الإسلام، فهو تحزّب كفر وضلال؛ أما الحزب القرآني فهو اصطلاح تنظيمي لمجموعة من الآيات لتسهيل قراءة وختم كتاب الله (القرآن 60 حزبًا)، أما الحزب السياسي المعاصر فهو تنظيم مدني مباح، يجمع مجموعة من المواطنين على مبادئ وبرامج مشتركة لخدمة الدولة والمجتمع، ولا علاقة له مطلقًا بمفهوم التحزب ضد الدين.

وربط د. أبو هاشم، بين الانضباط الكوني لمدارات الشمس والقمر، وبين المعجزات النبوية التي خرَق الله فيها قوانين الفيزياء؛ مشيرًا إلى ما تواتر في الأثر عن توقف الشمس للمصطفى ﷺ ولبعض الخلفاء الراشدين لإدراك الصلاة.
وحول خروج بعض المدَّعين أو المفكّرين عبر الشاشات لإنكار رحلة “الإسراء والمعراج”، ردَّ د. أبو هاشم بشكل حاسم ومؤصَّل قائلًا: “القرآن الكريم أفرَد سورتين كاملتين لتوثيق المعجزة؛ فسورة (الإسراء) وثّقت الرحلة الأرضية بـ{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}، وسورة (النجم) وثّقت المعراج السماوي بـ{لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ}، وعلميًا، عندما عاد النبي ومكانه ما زال دافئًا، فهذا يعني أن الله تعالى أوقف الزمان بشل حركة دوران الأرض والشمس والقمر حتى انتهت الرحلة، وهو أمر يسير على مَن خلق الناموس الكوني.
وكشف د. أبو هاشم عن صمام أمان شرعي لكل من يعمل في الحقل الخدمي والسياسي، مؤكدًا أن العمل الحزبي والتطوّعي يدخل في دائرة المباحات، لكنه يتحول إلى عبادة عظمى أو رياء محبط للأعمال بناءً على تطهير النية.
واستشهد بالحديث الشريف «إنما الأعمال بالنيات»، موجّهًا نصيحة حاسمة للسياسيين قائلًا: احذروا فخ الوجاهة، فمن كان ينزل إلى الشارع ليقال عنه ناشط، أو نائب خدمي، أو من أجل حصد الأصوات في الانتخابات المقبلة، فقد أخذ جزاءه في الدنيا من الشهرة والثناء، وهو يوم القيامة مخذول كالعالم والمتصدق اللذين طُلبا للرياء فكانت عاقبتهما النار، ومن يبتغي بعمله وجه الله أولاً، ثم رفعة وطنه ومحاربة السلبية، فإن كل خطوة يخطوها، وكل مجهود بدني أو مادي أو فكري يبذله في حل قضايا المواطنين بجرأة وشفافية، يُحتسب له جهادًا في سبيل الله، ويكون صاحبه ممن اختصهم الله بقضاء حوائج الناس والآمنين من عذابه.
وشدَّد على أن السياسة في المنظور الإسلامي الوسطي ليست مرادفًا للميكافيلية أو المصالح الضيقة، بل هي أسمَى آيات العبادة إذا تخلصت من حظوظ النفس، وصارت سواعدها بنّاءة في جسد الوطن.































