بقلم الدكتور سيد خيري
استاذ أصول التربية بجامعة الأزهر
لا شك أن الملايين قد تابع مباراة منتخب مصر أمام الأرجنتين، وانقسم الناس بعدها بين فرحٍ وحزن، ومدحٍ ونقد، وكأن النتيجة وحدها هي المعيار الذي يُقاس به كل شيء. لكن المؤمن ينظر إلى الأحداث بمنظار أوسع وأعمق؛ فالإسلام لم يجعل قيمة الإنسان فيما يحصده من نتائج، وإنما فيما يبذله من صدق السعي، وإخلاص العمل، وحسن التوكل على الله.
ولقد قرر القرآن الكريم قاعدة عظيمة لا تتغير بتغير الأزمنة، فقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39-40]. فالإنسان مأمور بالسعي، أما النتائج فهي بيد الله سبحانه وتعالى، يُعطيها من يشاء بحكمته وعدله، وقد يؤخرها لحكمة، أو يمنعها لخير لا يعلمه إلا هو.
ولعل من أعظم الدروس التي ينبغي أن نتعلمها من الرياضة والحياة معًا، أن النجاح ليس دائمًا دليلًا على صحة العمل، كما أن الإخفاق ليس دائمًا دليلًا على فشله. فقد يبذل الإنسان كل ما في وسعه، ويؤدي ما عليه بإتقان، ثم تأتي النتيجة على غير ما يشتهي، لحكمة أرادها الله. قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216].
وقد علمنا النبي ﷺ هذا المنهج العملي حين قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». فجمع الحديث بين الأخذ بالأسباب، والاستعانة بالله، ورفض الاستسلام، دون تعليق القلب بالنتائج.
إن أخطر ما يفسد النفوس أن يصبح العمل مرهونًا بالمكسب، والاجتهاد مرهونًا بالتصفيق، والعطاء مرتبطًا بالفوز. فالمؤمن يعمل لأنه مأمور بالعمل، ويجتهد لأنه يبتغي رضا الله، لا لأن الناس سيصفقون له أو لأن النتيجة ستكون مضمونة.
ولهذا كان الأنبياء عليهم السلام أعظم الناس سعيًا، ومع ذلك لم يؤمن ببعضهم إلا القليل، ولم يكن ذلك انتقاصًا من رسالتهم، لأن الله يحاسب على أداء الأمانة لا على عدد الأتباع.
إن مباراة منتخب مصر أمام الأرجنتين ليست مجرد تسعين دقيقة في ملعب، بل هي تذكير بأن الحياة كلها ميدان اختبار. نبذل، ونجتهد، ونتقن، ثم نرضى بما قسم الله، لأن الرضا بعد بذل السبب هو حقيقة التوكل، ولأن القلب إذا تعلق بالله لا بالنتائج عاش مطمئنًا، سواء جاء الفوز أو تأخر.
فلنجعل شعارنا دائمًا: اعمل بإخلاص، واسعَ بإتقان، واترك النتائج لرب النتائج؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.































