د.مختار جمعة: التشدُّد والتسيُّب.. وجهان لـ”عُملة واحدة”
د. عبدالمنعم فؤاد: إقحام الرموز الوطنية في أحكام الآخرة قفزٌ على وظيفة إلهية
نافع الترَّاس: الحفاظ على ثوابت الدين والوطن هو خط الدفاع الأول عن مستقبل الأمّة
شهدت الحلقة الأخيرة من برنامج “المواطن والمسؤول”، المُذاع على قناة “الشمس”، مناقشة قضايا اجتماعية ودينية خطيرة ومثار جدَل على ساحة الفضاء الإلكترونى، وأجمع الضيوف المشاركون على وجوب تكاتف مؤسسات الدولة والأفراد لمواجهة مخططات الهدم والتخريب، من خلال التسلُّح بـ”الوعى” والحقائق فى مواجهة الأكاذيب.
بدأ الإعلامي نافع التراس- مقدِّم البرنامج- بالتحذير من أن الدولة المصرية تواجه في الآونة الأخيرة نمطًا جديدًا ومكثّفًا من حروب الجيل الخامس، لا يستهدف الحدود أو الاقتصاد فحسب، بل يتسلّل مباشرة إلى العقل الجمعي للمواطن من خلال منظومة بثّ سموم فكرية ممنهجة، وتأتي هذه التحركات عبر منصات التواصل الاجتماعي وبعض البرامج الإعلامية التي تورّطت- بقصد أو بدون- في منح مساحات لضيوف يتبنّون أفكارًا مشبوهة تستهدف هدم ثوابت الدين وخلْخَلَة التماسك الاجتماعي.
أوضح أنه بعد فشل المحاولات الخارجية المتكررة لضرب الاستقرار الوطني عبر استغلال الملفات الأمنية والاستراتيجية الحسّاسة مثل ملف سد النهضة أو الأزمات الحدودية المتلاحقة وتكسُّر تلك المحاولات أمام وعي المواطن، انطلقت جبهة هجوم بديلة وأكثر خطورة، تمثّلت في محاولة زعزعة الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية السيادية، كالقوّات المسلّحة والقضاء والشُّرطة، وحين باءت تلك المخططات بالفشل أيضًا، تحوّل الاستهداف مباشرة نحو العمود الفقري للهُوية المصرية وهو العقيدة وثوابت الدين.

أشار إلى أن ضرب الخطاب الديني الوسطي وتشويه أركان الإسلام، ومفاهيم القرآن الكريم، والرسالات السماوية، ليس مجرد ترف فكري أو حرية تعبير، بل هو مخطط مدروس لتحويل الشاب المتديّن بطبعه إلى متطرّف يسهل توجيهه، أو إدخاله في حالة من التِّيْه الفكري والتشكيك التي تنتهي بضرب قيم الولاء والانتماء؛ فالدين الحقيقي هو المحفِّز الأساسي لحُبِّ الوطن، والبناء، والتطوير.
ولفت “الترَّاس” إلى أنه أمام هذا الانتشار السريع وغير العادي لمقاطع الفيديو الممنهجة، والاختيار الدقيق للمواضيع الحساسة والتوقيتات الحرجة، تفرض عدة أسئلة جوهرية نفسها على الساحة: من أنتم؟ وما هي هُويتكم الحقيقية خلف هذه الشاشات والمواقع ذات المشاهدات المليونية؟ ومن يقف وراءكم؟ ومن يموِّل هذا التمدُّد الرقمي المكثّف والمدروس؟ وما هي طبيعة الدعم الخارجي والداخلي؟ ولماذا يتم اختراق البرامج الأكثر جماهيرية في هذا التوقيت بالذات؟!
وأكد أن الإجابة واضحة ولا تقبل اللبس؛ فالأصابع الخارجية التي تحرّك هذه المنصات تكشف عن فكر مشبوه يسعى جاهدًا لهزّ العقيدة، والهدف النهائي من وراء ذلك هو ضرب المواطن المصري في مقتل، باعتباره الركيزة الأساسية للدولة، فالمواطن هو الطبيب، المهندس، القاضي، رجل الأمن، الجندي المرابط على الحدود، مشدّدًا على أن مواجهة هذا الخطر الداهم تتطلّب استراتيجية وطنية شاملة لا تقتصر على الردود التقليدية، بل تستلزم تطهير المنصات الإعلامية ومنع الأصوات التي تبثّ السموم الفكرية من اعتلاء الشاشات تحت شعار نسب المشاهدة، فضلا عن تفعيل دور المؤسسات الدينية وتكثيف الخطاب الديني الوسطي المستنير لتفنيد الأكاذيب بشكل استباقي، علاوة على رفع الوعي الرقمي وتحصين الشباب ضد المحتوى المضلل عبر السوشيال ميديا وتدريبهم على كشف آليات التلاعب بالعقول.
وشدّد على أن المعركة الحالية هي معركة وعي بامتياز، والحفاظ على ثوابت الدين والوطن هو خط الدفاع الأول عن مستقبل هذه الأمّة.
وتعهَّد “الترَّاس”، بمواصلة معركته الضارية ضد كل ما يُبثّ من سلبيات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا التزامه الراسخ بعدم ترك الشائعات أو الأفكار الهدّامة تمر دون مواجهة وتفنيد، موضحًا أن هذه المواجهة تأتي مدعومة بآراء أهل الذّكر والاختصاص؛ حيث يُستَدعى علماء الأزهر الشريف في القضايا الدينية، والمسؤولون والخبراء في القضايا السياسية والاستراتيجية، لتقديم وعي حقيقي وبناء.
وطرح ” التراس”، تساؤلًا جوهريًا حول غياب العادات والتقاليد الفطرية التي ميّزت المجتمع المصري لقرون، والتي كانت تدفع المواطنين للانشغال بالقضايا البنّاءة بدلاً من الهدّامة، متسائلا: لماذا لا تُستغل الطفرة الرقمية وانتشار السوشيال ميديا لتسليط الضوء على النماذج الإيجابية التي تعيد إحياء الفطرة الإنسانية السليمة المتطابقة مع تعاليم الأديان؟!
أشار إلى أن الجرائم الدخيلة التي شهدها المجتمع مؤخّرًا كعقوق الوالدين والجرائم الأسرية الصادمة ليست إلا نتاجًا مباشرًا لهذا الجفاء الاجتماعي والتصحّر القيمي الذي بات يغزو بعض الفئات، نتيجة تصدير السلبيات وتضخيمها، مقارنًا بين ما كان عليه المجتمع بالأمس وما يشهده اليوم من مظاهر الجفاء، داعيًا إلى استعادة حزمة من السلوكيات الراقية، أبرزها حقّ الجوار والودّ، متسائلا: “أين ذلك الزمن الذي كان يتفقَّد فيه الأخ جاره، ويتأكد من كفاية طعامه وشرابه حتى لو كان ميسور الحال؟ وأين الابتسامة التي كانت تزيّن الوجوه، والرغبة التلقائية في تفريج هموم المارّة ومساعدتهم؟ وأين الرجال الكبار الذين كانوا يقضون الساعات الطوال لمنع خراب البيوت، أو للصلح بين العائلات وأْد الفتن وحقن الدماء من قضايا الثأر بسبب كلمة طائشة؟”.
وأكد أن الانشغال بقضايا الشأن العام والخدمات العامة هو طوق النجاة، فلو تحرّك كل مواطن بدافع إيجابي لإصلاح ما يراه تالفًا في طريقه، أو لمساعدة الأجهزة التنفيذية في تحسين الخدمات العامة والخاصة، لتغيّرت ثقافة المجتمع بالكامل، ولما احتجنا إلى جهود مضاعفة، ولانتقلت الدولة والمجتمع إلى مكانة أرْقى بكثير، محذّرًا من المخطّط الخبيث الذي يسعى لشغل الرأي العام بتفاهات الأمور وتشكيكه في ثوابته وقيمه، مشدّدًا على أن مواجهة انقراض الإيجابيات وتصدُّر السلبيات للمشْهد هي مسؤولية تضامنية بين الإعلام الواعي والمواطن الإيجابي لإعادة إحياء روح التضامن الفِطري.
صكوك الغفران
حذّر د. محمد مختار جمعة- وزير الأوقاف السابق- من ظاهرة خطيرة باتت تهدّد السِّلم المجتمعي والسَّكينة الروحية للمواطنين، وهي ظاهرة التألِّي على الله واحتكار صكوك الغفران، مؤكّدًا أن الحُكم بمصائر العباد في الآخرة، وتصنيف الخلْق بين جنّة ونار، هو أمر يختص به ربّ العزّة وحده، ولا يجوز لأي بشر كائنًا من كان أن ينصِّب نفسه حَكمًا على عقائد الناس ومصائرهم الأخروية، باستثناء من جاء فيهم نصّ قطعي من الأنبياء والرسل والمبَشَّرين بالجنّة.
واستشهد د. مختار جمعة، بحديث نبوي شريف يحمل دلالات عميقة ومخيفة في آن واحد، يرويه النبي عن رجلين كانا متآخيين؛ أحدهما طائع والآخر عاصٍ، وكان الطائع لا يفتأ يوجّه النصح للعاصي قائلًا: “أقصر عن ذنبك”، حتى ضاق العاصي ذرعًا بكثرة المواعظ فقال: “خلّني وربّي، أبُعِثْتَ عليَّ رقيبًا؟”، وفي لحظة زهو بالطاعة وغرور نفسي، قال الطائع: “والله لا يغفر الله لك، أو والله لا يدخلك الله الجنّة”.
ولفت إلى أن النبي يروي أن الله قبض أرواحهما، فقال للعاصي: “ادخل الجنّة برحمتي”، وقال للطائع الذي استعظَم طاعته وصادَر رحمة الله: “أكنت بي عالمًا؟! أم كنت على ما في يدي قادرًا؟! اذهبوا به إلى النار”، يقول نبينا الكريم معلِّقا على هذا المتألِّه على الله: “لقد تكلّم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته” أي أهلَكت دنياه وآخرته.

أوضح أن أعظم قامات الأمّة الإسلامية لم يجرؤوا يومًا على تزكية أنفسهم أو الحُكم لغيرهم، وذَكر أن نبينا الكريم كان يُكثر من الدعاء: “اللهم يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك”، وحين سألته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن ذلك، أجابها بأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، وفي ذات السياق النبيل يقول الصديق أبو بكر: “لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدَماي في الجنّة”، ويقول الفاروق عمر بن الخطاب: “لو نجوت كفافًا لا عليّ ولا لي إني لسعيد”، والإمام علي بن أبي طالب يضع قاعدة ذهبية بقوله: “لا تنزلوا المؤمنين الموحّدين الجنّة، ولا العصاة النار، حتى يقضي الله فيهم بأمره”.
وشدّد على ضرورة التناول المسؤول للقضايا العقائدية في وسائل الإعلام، مؤكدًا أنه لا يجوز طرح القضايا الجدلية واجتزاؤها أو تركها معلّقة دون ردود وافية ومستوفاة تفهم العامة وتبدّد حيرتهم؛ فالهدف ليس إطلاق التصريحات العابرة بل ترسيخ الوعي وتنوير العقول.
وطرح د. مختار جمعة، منهج الإمام مالك بن أنس كطوق نجاة للمجتمع في هذا التوقيت الحرِج، حيث كان يقول: “نحن لا نتحدث فيما يترتّب عليه جدل، بل يجب أن نتحدّث فيما يترتّب عليه عمل”، مؤكدًا أن المجتمع اليوم، في ظل التحديات الراهنة، لا يحتمل إثارة الفتن الفكرية أو الدخول في معارك صفْرية حول مصائر البشر، بل يحتاج إلى الكلمة الطيبة التي تجمع ولا تفرّق، وتبني ولا تهدم، مع الحفاظ الكامل على الاحترام والتقدير لكل القامات الوطنية والعلمية دون الدخول في النوايا أو الأحكام الإلهية.
استراتيجية حاسمة
ووضع د. مختار جمعة، استراتيجية حاسمة لتفكيك ظاهرة التطاول على الدين عبر المنصات الإعلامية، ملخصًا القضية في ثلاثة أبعاد رئيسية تحذر من خطورة التسيب الفكري وتأثيره المباشر على الأمن المجتمعي.
ووجّه تحذيرًا شديد اللهجة إلى أولئك الذين يتطاولون على ثوابت الدين، مؤكّدًا أنهم يضعون أنفسهم في حالة محادّة ومعاداة صريحة مع الله ورسوله، مشيرًا إلى أن حلم الله وإمهاله لهؤلاء لا يعني إهمالاً، بل هو استدراج بنص القرآن الكريم: «سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ»، مشددًا على أن أخذ الله إذا جاء يكون أخذ عزيز مقتدر، وأن عذاب الآخرة أشد وأبقى.
وأكد أن هؤلاء الموتورين فكريًا يُمثّلون الوقود الحقيقي للتطرف؛ فالتسيب والطعن في الدين يولدان تلقائيًا تطرفًا مضادًا، مؤكدًا أن الشعب المصري متدين بطبعه وفطرته، ولا يقبل المساس بمقدّساته، وتطبيقًا للقاعدة العلمية (لكل فعل ردّ فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه)، فإن هذا الاستفزاز يدفع بعض الشباب نحو التشدّد كفرة فعل لحماية دينهم.
وشدّد على أنه لن يتم القضاء على التطرف من جذوره إلا إذا قُضي على التسيُّب من جذوره، داعيًا إلى مواجهة خطاب التمييع والتسيُّب بنفس القوة والحماس التي يُواجه بها خطاب التشدّد، فكلاهما وجهان لعملة واحدة.
ولفت إلى أن كل من يستضيف شخصًا يعلم أنه هدّام لدين الله، أو يطعن في القرآن والسُّنة، أو يُمكّن له، أو ينشر ويشارك محتواه بغرض الشهرة وصناعة المشاهدات، فهو آثمٌ قطعًا ويساهم مباشرة في نشر الشّر، مستشهدًا بقول النبي: “كفى بالمرء إثماً أن يحدِّث بكل ما سمع”، مؤكدًا أنه إذا كان مجرد النقل دون تثبُّت إثمًا، فكيف بمن يمهّد المنصات ويسوِّق لمن يهدم الثوابت؟!
وأكد أن هؤلاء لا يهلكون في النهاية إلا أنفسهم، فدين الله محفوظ بإرادته سبحانه التي لا تقف أمامها إرادة بشر، مصداقاً لقوله تعالى: «وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ»، موضحًا أن التاريخ أثبت أن محاولات النَّيل من العقيدة تنتهي دائمًا بالزوال، ويبقى الحق راسخًا بنص الآية المحكمة: «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ».
وظيفة إلهية
حذَّر د. عبدالمنعم فؤاد- أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر- من محاولات بعض المنصات والبرامج الإعلامية استغلال قامات ورموز وطنية ناجحة ولها مكانتها الإنسانية الكبيرة، مثل جرّاح القلوب العالمي د. مجدي يعقوب، لتوظيف أسمائهم دون إذن في تصفية حسابات فكرية وإثارة قضايا جدَلِيّة تمسّ العقائد وثوابت الأديان، بهدف تحقيق نِسب مشاهدة عالية أو صناعة تريند مشبوه على حساب وعي المجتمع.

ورَدَّ على مقاطع فيديو متداولة تطرّقت لمسألة دخول الجنّة والنار لغير المسلمين، مؤكدًا أن العقيدة الإسلامية واضحة ومحدَّدة وليست مجالاً للمجاملات الفكرية أو التبرّع بالأحكام؛ فالإسلام يحترم عقائد الآخرين بنص الآية الكريمة: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ».
أوضح أن د. مجدي يعقوب قيمة إنسانية ووطنية قدّمت خدمات جليلة للبشرية وللفقراء دون تفرقة، ويستحق منا كل الثناء والتقدير والتصفيق، ومنحه أرفع الأوسمة والنياشين في الدنيا؛ لكن إقحام اسمه أو اسم أي شخصية أخرى في أحكام الآخرة، هو قفز على وظيفية إلهية؛ إذ إن الجنّة والنار ملكٌ لله ربّ العالَمين وحده، وهو الحَكَم العدل فيها.
أشار إلى أن الإسلام يضع ضوابط واضحة للجزاء في الآخرة ترتبط بالإيمان والنية، موضحًا أن القرآن الكريم يقرّر شروط قبول العمل الأخروي في قوله تعالى: «وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا»، وقسّم النبي الأعمال بناءً على المقاصد في الحديث الشريف: “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها.. فهجرته إلى ما هاجر إليه”.
وأكد أن العلماء والمخترعين الذين قدّموا خدمات للبشرية مثل مكتشفي الكهرباء أو القوانين العلمية يُثنَى عليهم وتُحفَظ كرامتهم ومكانتهم في الدنيا، لكن مصائر الآخرة لا تُقاس بالأهواء العاطفية، بل تُفوَّض إلى الله سبحانه.
خلخلة الهوية
من جانبه، حذّر الزميل صبحي مجاهد- مدير تحرير مجلة روزاليوسف- من خطورة تسييس المنابر وتمرير أفكار شاذة تطعن في العبادات المستقرة كصلاة الاستخارة بدعوى رفض الغيبيات، معتبرًا أن هذه الموجة لا تستهدف تجديد الخطاب الديني بل خلخلة الهوية الوطنية.

أوضح أن بعض المنصات تواجه اتهامًا صريحًا بغياب الضمير الأخلاقي، حيث يتم اللهث وراء المواد المثيرة وصناعة التريند لرفع نسب المشاهدة دون أدنى اعتبار لما تسبّبه هذه المواد من بلبلة مجتمعية، ويكتفي المذيع بأخذ موافقة الضيف على العرض، متنازلاً عن مسؤوليته الوطنية والمهنية.
ولفت إلى أن خطورة تصدير هذه الشخصيات المضللة لا تقف عند حدود الشاشة، بل تمتد لتلويث الفضاء الرقمي، فعندما يبحث المواطن أو الشاب عن فتوى دينية عبر محرّكات البحث مثل جوجل، تفرض الخوارزميات الفتاوى والأفكار الشاذة لأنها الأكثر مشاهدة، مما يؤدي إلى تضليل الرأي العام وتزييف الوعي الجماعي.
وأكد أن أدعياء التنوير الذين يهاجمون الثوابت الإسلامية الممتدة عبر 1500 عام بدعوى الحرية، يعجزون تمامًا عن انتقاد الأفكار المنحرفة والدخيلة على مجتمعاتنا مثل الشذوذ الجنسي خوفًا من الصدام مع الجهات الخارجية تحت لافتة “حقوق الإنسان”، مما يكشف عن ازدواجية معايير فجَّة.
وتساءل حول الأجندات الخفية والمستفيد الحقيقي من هذه الفوضى، موضحًا أن المخطط يتحرّك في مسارَين؛ مسار استهداف مؤسسات الدولة، حيث جرت محاولات مستميتة للتشكيك في مؤسسات الدولة السيادية، كالقوّات المسلّحة رغم دورها التنموي وحمايتها للمواطن، وجهاز القضاء العادل، لضرب ثقة المواطن في جبهته الداخلية، فضلا عن مسار استهداف العقيدة والوعي؛ فبعد فشل ضرب المؤسسات، جرى التحوّل إلى ضرب الثوابت الدينية لإشغال المجتمع بمعارك فكرية صفرية، بهدف تشتيته عن قضايا البناء، والتنمية، والاقتصاد، والثقافة.
وردًا على سؤال حول التصنيف الصحيح لهؤلاء الأشخاص الذين يطلقون على أنفسهم لقب مفكّر إسلامي وهم لا ينتمون للمؤسسات الدينية الرسمية، أكد أن صفة كاتب أو إعلامي لا تمنح صاحبها الحق في اختراق خصوصية الدين أو التجرّؤ على الثوابت، وهؤلاء يُصنَّفون في خانة المتطرفين فكريًا؛ فالتطرف ليس قاصرًا على الجماعات الإرهابية المتزمتة، بل إن تمييع الدين وتشويه أركانه هو تطرف مضاد يبيع فيه صاحبه دينه بعرض من الدنيا من أجل الشهرة أو التمويل الخارجي.
وشدّد على أن الأزهر ودار الإفتاء يقومان بدورهما كاملاً، لكن الحل الحاسم يتطلب تحرُّكًا إعلاميًا وتنفيذيًا عاجلًا يشمل تفعيل ميثاق الشرف الإعلامي وتطبيق القانون بحسم ومنع غير المتخصصين من الحديث في الشأن الديني عبر كافة المنابر، فضلا عن تصحيح بوصلة الشاشات الكبرى وغلق الأبواب أمام مثيري البلبلة، وتوجيه النوافذ الإعلامية لدعم قضايا الوعي الحقيقي والبناء الإنساني والوطني.































