إن من ينظر إلى الفكر المتطرف نظر تأمل وتَفَحُّص يَتَبَيَّن له أن هذا الفكر لا يتواكب مع الفطرة الإنسانية السويّة، ولا يَمُتُّ بصلة من قريب أو بعيد إلى الإسلام ووسطيته، بل يتعارض مع ما جاء به من سماحة شريعته ويسر تعاليمه، ويقوده هذا النظر وينتهي به إلى الآتي:
1- أن التطرف الفكري لا ينتمي إلى دين معين أو جنس معين، وإنما هو ظاهرة مرضية شاذة نتيجة اختلال في فكر المتطرف وعقله وفهمه واستيعابه، وخروجه عن الوسطية والاعتدال في أفكاره وتصوراته؛ ولذا فالشخص المتطرف فكريًّا شخص مريض يتسم بالجمود، والانغلاق، والاضطراب عقليًّا ومعرفيًّا، والحِدَّة في الخطاب، والتعصب لرأيه، والطاعة العمياء للرموز التي يتبعها، وكراهية الآخر، وسوء الظن به، وعدم تقبله، وعدم تقبل النقد أو الحوار والنقاش.
2- أنه ليس مقصورًا على أمر الدين، وإنما هو موجود في مختلف المجالات الفكرية، وأنه حقيقة واقعية لا يسع أحدًا إنكارُها، ولم تأت اعتباطًا، ولم تنشأ جزافًا، وإنما أتت ونشأت بسبب مجموعة من الأسباب يجب على المجتمع بأسره -كلٌّ في موقعه- أن يقوم بمواجهتها ومعالجتها حسب ما يتطلب ويقتضي كلُّ واحد منها.
3- أنه كما يكون بالإفراط والغلو والتجاوز يكون أيضًا بالتفريط والتقصير والتحلل، ويكون كذلك بعدم التوازن بين الأمور الازدواجية والمتعددة الأطراف، وكلٌّ من الإفراط والتفريط وعدم التوازن يؤدي إلى هلاك الأمم، والإضرار بحضارتها؛ ولذا يجب على المتطرف أن يعلم أن الأحكام الشرعية في الإسلام -ولا سيما في مجال المعاملات والسياسة الشرعية- تدور مع عللها وجودًا وعدمًا، لكن نظرًا لضيق أفقه بفقه هذه القاعدة، وعدم فهمه للعلل الصحيحة للأحكام، فإنه يؤول النصوص على غير مرادها، ويعلل الأحكام بغير عللها.
4- أن الأصل الذي أمر الله به في مخاطبة الناس بالإسلام هو الدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، والقول اللين، واللفظ الحَسَن، والمجادلة بالتي هي أحسن، أما ما يقوم به المتطرفون من الغلظة والجفوة في القول، والفظاظة والحِدّة في الأسلوب، والخطاب المُنَفِّر، فليس من تعاليم الإسلام وأخلاقه.
5- أن محاولة العدو إلصاق تهمة التطرف الفكري بالإسلام تَذَرُّعًا بتطرف بعض المنتسبين للإسلام محاولة فاشلة وبائسة؛ لأن الإسلام بريء من التطرف بكل صوره وأشكاله، فهو دين الوسطية والاعتدال، ولا بد أن نفرق بين الإسلام وتطرف بعض المنتسبين إليه؛ لأن التصرفات الخاطئة من بعض المسلمين لا تمثل الإسلام، بل هي مخالفة لتعاليمه وأخلاقه، وقد يكون الإسلام الصحيح محجوبًا عن غير المسلمين بسبب سوء تصرف بعض المسلمين.
6- أن الفكر المتطرف يتنافى مع وسطية الإسلام وسماحته، ويشوه صورته وقيمه السامية، ويشجع على أعمال العنف والتخريب والإخلال بأمن المجتمع، ويؤدي إلى الفُرْقة والتنازع، وتمزيق الصف، وذهاب الريح، وضعف الإبداع، والتراجع الحضاري، وإفساد العقول بالزيغ في الفهم والوعي، والانحراف في الفكر والاستنباط، والفساد في التصور والتفسير، والجور في الحكم، والخطأ في التعليل، ويُنَفِّر غير المسلمين من اعتناق الإسلام واتباعه، ويعطي أعداءه المبررات لمقته، والطعن فيه، ونبذه، ورميه بالتخلف والرجعية، واتهامه بالعجز في سياسة الدنيا، وعدم مواكبته لاحتياجات العصر وتطورات الحياة، والإسلام من ذلك برئ.
ولذا أوصي بالآتي: 1- التمسك بالمنهج الوسطي الذي دعانا إليه الإسلام، والذي هو طريق الفوز والفلاح، وسبيل السعادة والنجاة في الدارين. 2- التركيز على الاهتمام بدور الإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية -ولا سيما الأزهر الشريف- لما له من قبول، ودعمه بكافة السبل والوسائل، وإعلاء دوره في نشر الفكر الوسطي المعتدل في جميع الدول، ولا سيما أن به طلابًا وافدين من أغلب دول العالم. 3- الاهتمام بالمراجعات الفكرية ومواجهة الفكر بالفكر، وتكثيف الندوات والمؤتمرات التي تتناول هذه الظاهرة المرضية. 4- تعزيز الحوار والتفاهم بين الثقافات والحضارات المختلفة، وتعزيز التعايش السلمي، وحقوق الإنسان، والقيم الإنسانية المشتركة كالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة. 5- تفكيك هذا الفكر وتفنيده، وكشف زيفه وبطلانه، وإيضاح مخاطره وأضراره، ومعالجة بواعثه وأسبابه. 6- ألا تقف مواجهة الفكر المتطرف عند المواجهة الأمنية، وإنما تشمل أيضًا المواجهة الفكرية بمناقشة ومحاورة المتطرفين، ومراجعة أفكارهم، وتصحيح أخطائهم، وتوضيح ما يشكل أو يلتبس عليهم؛ لأن الاقتصار على المواجهة الأمنية يكون بمثابة علاج العَرَض دون المرض. 7- وجوب ربط القضايا الفكرية بملابسات عصرها وبيئتها، وفهمها من خلال سياقاتها والطبيعة النفسية والاجتماعية لأصحابها. 8- أن تكون دراسة الأفكار ذات التوجهات الحادة والمتطرفة دراسة شاملة لمجتمعات المتطرفين والظروف السياسية والاجتماعية والأسرية والصحية التي أحاطت بهم، وأثرت في تكوينهم النفسي والفكري.































