“عقيدتى” فتحت باب “التمحيص”.. والأزهر عنده “القول الفصل”
ألف حذار من شهوة “التريند” الملعون.. والمزايدة على بعضنا!
في اعتقادي أن الأزمة المفتعلة على الساحة الفكرية والدينية، خاصة حول أسماء سور القرآن الكريم، كشفت بجلاء ووضوح عن وجود بعض المتربصين والمتصيدين لعلمائنا الأجلاء، في الماء العكر الذى يصطنعونه ويتخيلونه في أذهانهم المريضة بـ”داء التريند الملعون”، حتى أنهم “استكبروا” ولم يذكروا اسم “عقيدتى” وهى التى نشرت الخبر على صفحتها الرسمية على الفيس بوك، ولم يعدُ الأمر كونه تصريحًا لعالمنا الجليل د. عبدالكريم صالح- رئيس لجنة مراجعة المصحف بالأزهر الشريف- أدلى به لزميلنا النابه والمجتهد الأستاذ محمد لملوم، الذى نقل التصريح بكل دقة وأمانة علمية وصحفية، ولم يبتغ- كما هو منهج عقيدتى منذ صدورها في ديسمبر ١٩٩٢- أى إساءة أو “تصورات” أو حتى ما نسميه نحن “السبق الصحفي”، فهذا ليس منهجنا ولا أسلوبنا، بل نحن نعمل على ترسيخ الوعى الديني الصحيح بشتى الفنون الصحفية في إطار من الدقة والموضوعية والمصداقية، وقبل كل ذلك، الواجب الديني والوطني.
ما نشرته “عقيدتى”
كانت”عقيدتى” قد نشرت تأكيد “رئيس لجنة مراجعة المصحف”، من أن ما تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن تداول مصحف صادر عن جمعية البر الإماراتية، يحمل تسمية سورة الإسراء باسم “سورة بني إسرائيل”، ليس أمرًا جديدًا، وإنما سبق تداوله وإثارته قبل عدة سنوات.
وأوضح، أن سورة الإسراء عُرفت في كتب التفاسير والتراث والمصاحف بأكثر من اسم، مشيرًا إلى أن من أشهر أسمائها “الإسراء” و”بنو إسرائيل” و”سبحان”، وهي تسميات لها أصل في كتب التفسير وعلوم القرآن.
وأكد أن أسماء السور المثبتة في المصاحف المتداولة هي الأسماء التي استقرت عليها الأمة الإسلامية وتلقّتها بالقبول عبر القرون، ولا ينبغي أن تكون التعددات الواردة في كتب التراث مدخلًا لإحداث تغيير في الأسماء المستقرة بالمصاحف أو إثارة الجدل حولها، محذرًا من توظيف مثل هذه المسائل لإثارة التشكيك والبلبلة بين المسلمين، ومشددًا على ضرورة الرجوع إلى المصادر العلمية المعتبرة والمتخصصين قبل تداول أو تفسير مثل هذه الوقائع.
هكذا كانت تغطية “عقيدتى” للخبر، بكل موضوعية ومناقشة علمية، ومع ذلك، حينما استشعرنا أن ضررًا ما قد يقع على عالمنا الجليل د. عبدالكريم صالح- حتى لو كان معنويًا- آثرنا حذف المنشور نهائيًا، انطلاقًا من التوجيه النبوي الشريف “لا ضرر ولا ضرار”.
مع ملاحظة أن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، وهو المركز الذي يمثل قمة الهرم الديني والعلمي في العالم الإسلامي، أكد منذ عام ٢٠١٧، بكل وضوح أن تسمية سورة الإسراء بـ”بني إسرائيل” تسمية صحيحة، وليست مجرد قول، بل وردت في أثرين صحيحين، وهما شاهدا عدل لا يقبل الجدل: الأول: قول الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: “فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْكَهْفِ، وَمَرْيَمَ إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي”، وهذا الأثر موجود في صحيح البخاري.
الثاني: قول أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: “كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالزُّمَرِ”، رواه الإمام الترمذي وصححه.
حملة ممنهجة!
وإزاء هذا التصريح الذي أعتبره بمثابة “التمحيص” لنميز به الخبيث من الطيب، كما جاء في سورة آل عمران “وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ” (154)، وأيضًا “مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ” (١٧٩).
وجدنا حملة منظمة وكأنها ممنهجة! انطلقت كـ”المسعورة”، تنهش وتلوك وتخوض في سيرة ومسيرة عالمنا الجليل د. عبدالكريم صالح، وتصفه بما ليس فيه، بل تعيب دماثة خلقه، وطيب معشره، وتنال من مكانته العلمية والدينية، حتى وصل بها الأمر إلى استعداء فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب- شيخ الأزهر الشريف؛ وفضيلته أكبر وأوعى لمثل هذه الافتراءات والأباطيل- وتدعي على الرجل ما ليس فيه، وما لم يقله!
الأدهى والأمر، ادعاء البطولة، والمزايدة على الوطنية، وإطلاق كلمات رنانة وشعارات براقة، مثل التطبيع، الصهيونية العالمية، الديانة الإبراهيمية، جريمة في الأزهر، المؤامرة على المصحف! والأكثر من هذا: التزيد، والاغترار بالنفس، لدرجة إلقاء تهم العمالة والخيانة يمنة ويسرة؛ داخليًا وخارجيًا، وادعاء امتلاك ناصية العلوم القرآنية أكثر من عالمنا الجليل نفسه؛ وهو الذى قضى عمره كله في خدمة القرآن الكريم وعلومه! فهل لمثله أن يبيع آخرته بدنياه، وهو من “أهل الله وخاصته”؟!
والحق يقال أيضًا؛ أن حملة مضادة، وقفت بالمرصاد لتلك الحملة المشبوهة، واقتصت لحق الرجل، لكنها لم تكن كافية.
الدور.. والمسئولية
وانطلاقًا من دورنا الدينى والأخلاقى، وقبل كل شيء إحقاقًا للحق، ورد الظلم عن عالمنا الجليل د. عبدالكريم صالح، وأيضًا استشعارًا للمسئولية الأدبية، حيث كانت “عقيدتى” هى سبب فتح باب “التمحيص” هذا، فإننا نطلب من فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب- شيخ الأزهر- بل كل علماء الأزهر الأجلاء وعلماء الدين الإسلامي عامة، الوقوف ضد مثل تلك الحملات المغرضة التي تستبيح أعراض وأخلاق العلماء العاملين الثقات، وتوضيح الموقف الشرعي بكل جلاء لغلق الباب أمام المتربصين والمتصيدين، والكارهين والحاقدين، وحتى مدعى البطولة والتزيد في التدين على العلماء القمم والفطاحل، لسد منافذ الرويبضة والمتنطعين.
وننتظر من فضيلة “إمامنا الطيب”، أن يكون (القول الفصل، وحسن الختام) لهذا التمحيص والجدل “الفيسبوكى”، ردًا أزهريًا مفحمًا لكل من تسول له نفسه المساس بقيمة وقامة علمائنا الأجلاء، أيًا من كان وراء مثل تلك الحملات الدنيئة.
وليعلم الجميع أن التطاول والتشهير بالأزهر وعلمائه ليس بالأمر الهين. “…وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ” (الشعراء: 227).































