بقلم الدكتورة نادية قطب إبراهيم
أستاذ الإذاعة والتلفزيون المساعد بكلية الإعلام
بنات جامعة الأزهر
في السنوات الأخيرة أصبحت المؤسسات التعليمية أكثر حضورًا في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، فتكاد لا تخلو صفحة أو موقع إلكتروني من أخبار عن ندوات، وورش عمل، واتفاقيات تعاون، واحتفالات، وزيارات رسمية، وأنشطة متنوعة. ومع أهمية هذه الفعاليات في دعم الحياة الجامعية أو المدرسية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول وكل مهتم بالتعليم هو: هل تكفي هذه المظاهر للحكم على جودة المؤسسة التعليمية؟
الإجابة العلمية هي: لا. فجودة المؤسسة التعليمية لا تُقاس بحجم ما تنشره من أخبار، ولا بعدد الفعاليات التي تنظمها، وإنما تُقاس بمدى قدرتها على تحقيق رسالتها التعليمية، وإعداد خريج يمتلك المعارف والمهارات والقيم التي يحتاجها المجتمع وسوق العمل. والحكم على ذلك لا يكون بالانطباعات الشخصية، وإنما بالاعتماد على مجموعة من الأدوات العلمية التي تسمح بتكوين صورة موضوعية وشاملة عن واقع المؤسسة.
لقد استقرت أدبيات الجودة والاعتماد المؤسسي على مبدأ بالغ الأهمية، وهو أن أي حكم على جودة مؤسسة تعليمية يجب أن يستند إلى أدلة متعددة ومتنوعة، لا إلى دليل واحد مهما بدا قويًا. ويرجع ذلك إلى أن كل أداة من أدوات التقييم تكشف جانبًا من الواقع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعكس الصورة الكاملة.
أولًا: الوثائق: نقطة البداية وليست نقطة النهاية يُعد فحص الوثائق من أهم أدوات تقييم جودة المؤسسات التعليمية، لأنه يمثل المدخل الأول لفهم طبيعة المؤسسة وكيفية إدارتها. فالوثائق الرسمية تكشف الكثير عن فلسفة المؤسسة ونظام عملها، ومن أهمها اللوائح المنظمة، والخطة الاستراتيجية، والخطط التنفيذية، وتوصيفات البرامج والمقررات، وتقارير المقررات، ونتائج الامتحانات، وتقارير الأداء، والتقويم الذاتي السنوي، وغيرها من الوثائق التي تعكس ما تخطط له المؤسسة وما تعلن أنها تقوم به.
ومن خلال هذه الوثائق يستطيع المقيم أو المسؤول أن يتعرف على مدى وضوح الرؤية والرسالة، وآليات التخطيط، ونظام التقويم، ومؤشرات الأداء، وأساليب المتابعة والتحسين. لكن، على الرغم من أهمية هذه الوثائق، فإنها لا تكفي وحدها للحكم على جودة المؤسسة؛ فالوثيقة تمثل ما هو مكتوب أو مخطط له، بينما يبقى السؤال الأهم: هل يُنفذ ذلك بالفعل داخل المؤسسة؟
ثانيًا: المقابلات… قراءة الواقع من أصحابه ولهذا السبب تأتي المقابلات كأداة أساسية في عملية التقييم.
فالحوار المباشر مع القيادات، وأعضاء هيئة التدريس، والعاملين، والطلاب، وأصحاب المصلحة، يسمح بفهم أعمق للممارسات اليومية، ويكشف كثيرًا من الجوانب التي قد لا تظهر في الوثائق. وقد تؤكد المقابلات ما ورد في الوثائق، وقد تكشف وجود فجوة بين ما هو مكتوب وما يتم تطبيقه بالفعل. إلا أن المقابلات، رغم أهميتها، تظل مرتبطة بخبرات الأفراد وآرائهم الشخصية، وهو ما يجعلها بحاجة إلى أدوات أخرى تدعم نتائجها.
ثالثًا: استطلاعات الرأي… صوت الفئات المختلفة تأتي استطلاعات الرأي لتوفر قدرًا أكبر من المعلومات من عدد كبير من المستفيدين، سواء كانوا طلابًا أو أعضاء هيئة تدريس أو عاملين أو خريجين أو أصحاب أعمال. وتتميز هذه الأداة بأنها تمنح المشاركين مساحة أكبر للتعبير عن آرائهم مقارنة بالمقابلات الفردية، كما تسمح بتحليل الاتجاهات العامة وقياس مستويات الرضا واكتشاف مواطن القوة وفرص التحسين. لكن حتى نتائج الاستبيانات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقيقة مطلقة؛ فقد تتأثر بدرجة استجابة المشاركين، أو بطريقة التطبيق، أو بأسلوب جمع البيانات، بل وقد تتعرض في بعض الأحيان لتدخلات تؤثر في مصداقيتها إذا غابت النزاهة المؤسسية. ولهذا فإن التقييم العلمي لا يكتفي بها أيضًا.
رابعًا: الملاحظة… عندما يتحدث الواقع بنفسه تبقى الملاحظة المباشرة إحدى أكثر أدوات التقييم قدرة على كشف الواقع الحقيقي للمؤسسة. فمن خلال زيارة القاعات الدراسية، والمعامل، والمكتبات، ومتابعة سير العملية التعليمية، وملاحظة التفاعل داخل المحاضرات، ومستوى الخدمات المقدمة، يمكن الوقوف على الممارسات الفعلية كما تحدث في زمانها ومكانها. وهنا يصبح الواقع هو مصدر الحكم، لا التقارير المكتوبة ولا التصريحات الشفوية. فالملاحظة تجيب عن أسئلة جوهرية: هل تُطبق السياسات المعلنة؟ وهل يمارس أعضاء هيئة التدريس ما تشير إليه التوصيفات؟ وهل يحصل الطالب بالفعل على تجربة تعليمية تحقق أهداف البرنامج؟ إنها الأداة التي تربط بين الوثيقة والممارسة، وبين التخطيط والتنفيذ.
إن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات لا تكمن في كل أداة على حدة، وإنما في تكاملها. فالوثائق تخبرنا بما ينبغي أن يكون، والمقابلات تشرح كيف يفكر العاملون داخل المؤسسة، والاستبيانات تعكس اتجاهات الفئات المختلفة، أما الملاحظة فتُظهر ما يحدث بالفعل. وعندما تتفق نتائج هذه الأدوات جميعًا، يصبح الحكم على المؤسسة أكثر موضوعية وأكثر دقة، أما إذا ظهرت بينها تناقضات، فإن ذلك يكون مؤشرًا يستحق الدراسة والتحليل قبل إصدار أي حكم.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين تمامًا. فهذا الحديث لا يتعلق بإجراءات الاعتماد التي تقوم بها الجهات المختصة، ولا يهدف إلى تقييم مؤسسة بعينها، وإنما يطرح منهجًا علميًا عامًا يمكن لأي مسؤول أن يستخدمه للحكم على أداء مؤسسته. فقد تنظم مؤسسة تعليمية عشرات الفعاليات، وتنشر مئات الأخبار، وتملأ صفحاتها بالصور والتغطيات الإعلامية، بينما تظل جودة العملية التعليمية نفسها بحاجة إلى مراجعة. وفي المقابل، قد توجد مؤسسة أقل ظهورًا إعلاميًا، لكنها تمتلك نظامًا تعليميًا راسخًا، وممارسات أكاديمية عالية الجودة، ومخرجات تعليمية متميزة. ولهذا فإن كثافة النشاط الإعلامي ليست دليلًا على جودة الأداء، تمامًا كما أن قلة الظهور الإعلامي ليست دليلًا على ضعف المؤسسة. فالجودة لا تُقاس بما يُنشر، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع.
إن الإدارة الاحترافية للمؤسسات التعليمية تبدأ من امتلاك القدرة على رؤية الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون. وعندما يحرص كل مسؤول على مراجعة الوثائق، والاستماع إلى أصحاب المصلحة، وتحليل نتائج استطلاعات الرأي، ومتابعة الممارسات الفعلية بنفسه بصورة دورية، فإنه يمتلك صورة حقيقية عن مؤسسته، ويصبح قادرًا على اتخاذ قرارات قائمة على الأدلة، لا على الانطباعات أو التقارير المجاملة. إن المؤسسات التعليمية لا تحتاج إلى مزيد من البروبيغندا الإعلامية بقدر ما تحتاج إلى ترسيخ ثقافة المراجعة الذاتية الصادقة، والتقييم المستمر، والشفافية في عرض النتائج، والإيمان بأن تحسين الجودة يبدأ أولًا بالاعتراف بالواقع كما هو. فالحكم العادل على جودة أي مؤسسة تعليمية لا يصنعه خبر منشور، ولا فعالية عابرة، ولا صورة جميلة، وإنما تصنعه الأدلة المتعددة، والممارسات الحقيقية، والنتائج التي يلمسها المتعلم والمجتمع معًا. وعندما تصبح الأدلة هي أساس الحكم، يصبح تطوير التعليم أقرب إلى الواقع، وتصبح الجودة ممارسة يومية، لا شعارًا يُرفع في المناسبات.































