بقلم: د. الأمير عبد العال
عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
في عالمٍ تتسارع فيه عجلةُ العمران، وتتَعاظم فيه النفايات، وتضيق فيه مساحات الخضرة، لم تعد قضية البيئة ترفًا فكريًّا، ولا شأنًا يخص العلماء والمؤسسات وحدهم؛ بل غدت قضيةَ حياةٍ تمسُّ الإنسان في مائه وهوائه وغذائه، وفي صحته وأمنه ومستقبل أبنائه.
وفي اليوم العالمي للبيئة، الذي يذكّر الناس بأهمية الحد من النفايات والعناية بالمكان الذي يعيشون فيه، تبدو الحاجة ملحّة إلى استحضار رؤية الإسلام للبيئة؛ فالإسلام لم ينظر إلى الأرض على أنها موردٌ يستنزفه الإنسان كيف يشاء، وإنما جعلها أمانةً في يده، وسخّر له خيراتها مقرونًا بمسؤوليته عن صيانتها وعدم إفسادها.
ومن أعمق المعاني التي قررها القرآن الكريم أن الإنسان مستخلف في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
والاستخلاف ليس امتلاكًا مطلقًا، وإنما هو تكليف ومسؤولية، فالإنسان ينتفع بخيرات الأرض، لكنه ليس حرًّا في أن يبددها أو يفسدها أو يحرم منها من يأتي بعده.
ولهذا جاء النهي القرآني واضحًا عن الإفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
فحماية البيئة، في المنظور الإسلامي، ليست مجرد استجابة لحملة موسمية، وإنما هي امتثال لمبدأ أخلاقي أصيل: أن نعمر الأرض دون أن نفسدها، وأن ننتفع بخيراتها دون أن نستنزفها.
وحين نتحدث عن تنظيف البيئة، فإننا نتحدث عن قيمةٍ لها جذور راسخة في الإسلام، فقد جعل النبي ﷺ الطهارة والنظافة من المعاني المحببة إلى الله، وقال: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ».
ولم يقصر الإسلام هذا المعنى على نظافة البدن والثوب والمكان الخاص، بل امتد به إلى الطريق والفضاء العام، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة… وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».
أي إن إزالة ما يؤذي الناس من الطريق عملٌ يدخل في شعب الإيمان.
وهنا يلتقي المعنى الديني بالرسالة التي يحملها اليوم العالمي لتنظيف البيئة: أن المكان العام ليس مسؤولية شخص آخر، وأن الورقة التي نرفعها من الطريق، والعبوة التي نضعها في موضعها، والشجرة التي نحافظ عليها، قد تبدو أعمالًا صغيرة في أعيننا، لكنها تعبّر عن وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه مجتمعه ومحيطه.
ومن أروع ما قدمه الإسلام للإنسانية أنه وضع الاستهلاك تحت سلطان الأخلاق، فلم يجعل وفرة النعمة مبررًا لإهدارها، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وفي السنة النبوية أن النبي ﷺ مرّ بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ، فقال له: «ما هذا السرف؟»، فقال سعد: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار».
إنها تربية تتجاوز اللحظة إلى بناء ثقافة: لا تهدر ما تستطيع أن تحفظه، ولا تستنزف موردًا لأنك تملك الوصول إليه.
وللشجرة في التصور الإسلامي مكانة لافتة؛ فهي ليست مجرد قطعة من الطبيعة، بل مصدر حياة ونفع مستمر، قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة».
أي جمالٍ في هذه الصورة! يدٌ تغرس شجرة، ثم تمضي الأيام، فتأكل منها الطيور والدواب والناس، ويظل الخير متصلًا بصاحب الغرس.
وهكذا يربّي الإسلام الإنسان على أن يفكر فيما يتجاوز عمره؛ أن يترك وراءه ظلًا لا حطامًا، ونفعًا لا ضررًا، وحياةً لا خرابًا.
ولم يغفل الإسلام عن التفاصيل الصغيرة التي تصنع في مجموعها بيئةً صالحة للحياة، فقد حذّر النبي ﷺ من إيذاء الناس في الأماكن التي يرتادونها، فقال: «اتقوا اللعّانين»، قالوا: وما اللعّانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلّى في طريق الناس أو ظلّهم».
فالمبدأ واضح: لا تجعل منفعتك الشخصية سببًا في أذى الآخرين، ولا تحوّل الأماكن المشتركة إلى مواضع للإضرار بالناس.
ومن هنا يمكن أن نفهم أن إلقاء القمامة في الشوارع، أو تلويث المياه، أو إتلاف الأشجار، أو تشويه الأماكن العامة، ليست مجرد مخالفاتٍ في الذوق العام؛ بل هي سلوكيات تتعارض مع جملة من القيم الإسلامية التي تقوم على رفع الضرر وحفظ النعمة ومراعاة حق الآخرين.
قد يظن بعض الناس أن العبادة محصورة في المسجد، أو في الصلاة والصيام وسائر الشعائر المعروفة، بينما يفتح الإسلام أبواب الأجر في كل عمل صالح، متى صلحت النية، فحين يخرج الإنسان لتنظيف شارع، أو يرفع أذى من طريق، أو يشارك في حملة لزراعة الأشجار، أو يحرص على تقليل الهدر، فإنه يستطيع أن يحوّل هذا السلوك اليومي إلى عملٍ صالح، إذا قصد به نفع الناس وحفظ النعمة والقيام بالمسؤولية.
وهنا تكمن عظمة المنهج الإسلامي: فهو لا يكتفي بأن يقول للإنسان: «نظّف المكان»، وإنما يبني داخله الضمير الذي يجعله يسأل قبل أن يلقي شيئًا في الطريق: هل أؤذي أحدًا؟ وقبل أن يهدر الماء: هل هذه نعمة ينبغي أن أحفظها؟ وقبل أن يقطع شجرة: هل في بقائها نفع للناس والكائنات؟
إن اليوم العالمي لتنظيف البيئة يمكن أن يكون أكثر من مناسبةٍ ترفع فيها الشعارات وتُلتقط فيها الصور؛ يمكن أن يكون فرصة لاستعادة معنى عميق من معاني الإسلام: أن نظافة الأرض مسؤولية مشتركة، وأن حماية البيئة خلقٌ يبدأ من الفرد قبل أن يتحول إلى سياسة ومؤسسة وقانون، فالمدرسة تستطيع أن تربي أبناءها على احترام المكان، والأسرة تستطيع أن تغرس في أطفالها قيمة عدم إلقاء المخلفات، والمسجد يستطيع أن يربط بين الطهارة وسلوك الإنسان في الشارع، والمؤسسات تستطيع أن تجعل حماية البيئة جزءًا من العمل المجتمعي.
والأهم من كل ذلك أن يتحول الوعي من يومٍ واحد إلى سلوكٍ دائم؛ لأن البيئة لا تحتاج إلى من ينظفها مرةً ثم يعود إلى تلويثها، وإنما تحتاج إلى إنسانٍ يغيّر عاداته: يقلل النفايات، ويحسن استخدام الماء والطاقة، ويحافظ على الأشجار، ويضع المخلفات في أماكنها، ويحترم حق الآخرين في بيئة نظيفة وآمنة.































