بقلم: د. علي أحمد رأفت
عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى بمشيخة الأزهر
الحمد لله الذي أتقن خلق الكون، وأحكم نظامه، وجعل الإنسان خليفةً في الأرض لإعمارها لا لإفسادها. فالبيئة في التصور الإسلامي ليست ملكًا مطلقًا للإنسان يعبث بها كيف شاء، بل هي أمانةٌ استودعه الله إياها، وجعل صلاحها مناطًا لصلاح حياته ومعاشه.
أولًا: التحذير القرآني من الفساد البيئي:
لقد نبَّه القرآن الكريم مبكرًا إلى خطورة الإخلال بالتوازن البيئي، وقرن بين فساد الإنسان وفساد بيئته، فبيَّن أن التلوث ليس مجرد خللٍ مادي، بل هو نتيجة حتمية للانحراف السلوكي والبعد عن منهج الله. قال تعالى:
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].
ويُلخِّص القرآن الكريم ظاهرة التلوث الشامل في آيةٍ جامعةٍ، تكشف القانون الإلهي الحاكم للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، فقال سبحانه:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: 41-42].
وفي هذه الآية بيانٌ جليٌّ لارتباط أحوال الحياة واضطراب التوازن في البر والبحر بما اقترفته أيدي الناس، وأن فساد القلوب وفساد العقيدة هو أصل ذلك الفساد المادي. فهي دعوةٌ للتعقل والرجوع إلى منهج الله في استخدام الأرض وعمارتها، وتحذيرٌ صريحٌ من أن يصيبنا ما أصاب الأمم السابقة حين أساءت استخدام البيئة وأهملت عمارة الأرض، وهي نتيجةٌ لا تُشجِّع عاقلًا على سلوك طريق الفساد.
وقد تجلَّى هذا الفساد في صورٍ حسيةٍ يراها الناس، من عدم إنبات بعض الأراضي، وقلة مياه العيون، وقحط المطر، وما ذاك إلا بسبب طغيان الإنسان وتجاوزه لحدوده. وهو ما عبَّر عنه السُّدِّي بقوله: «بما عملوا من المعاصي، واكتسبوا من الخطايا». وقد دارت أقوال السلف الصالح التي نقلها الرازي والماوردي وغيرهما حول تفسير الفساد في الأرض بأنه ارتكاب المعاصي، وما يترتب عليها من آثارٍ مدمرةٍ للحياة والبيئة.
ثانيًا: الخطوات العملية للوقاية من التلوث في السنة النبوية
ولم يكتفِ الإسلام بالتحذير النظري، بل انتقل إلى وضع خطوات عملية دقيقة للتعامل مع ظاهرة التلوث والوقاية منها، وأبرزها النهي الصريح عن تلويث عناصر البيئة:
1- حماية البيئة المائية:
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم نهيًا صريحًا عن تلويث الماء، فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُبال في الماء الراكد. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».
وهذه إرشادات نبوية سبقت كل المواثيق البيئية الحديثة، فالنهي هنا يفيد التحريم كما هو مقرر في علم أصول الفقه، وجاء خشية تلويث الماء وتنجيسه وإتلاف ماليته، وهي أمور محرمة في الشريعة. ومبالغةً في الحماية والاحتياط، كره الفقهاء البول والتغوط بقرب الماء وإن لم يصل إليه شيء من ذلك، لعموم النهي وسدًّا للذريعة.
2- حماية البيئة البرية:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ». قالوا: وما اللعَّانان يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ».
ويدل هذا الحديث على حرص الإسلام على نظافة البيئة البرية وصيانتها من كل ما يؤذي الناس، إذ نهى عن قضاء الحاجة في طرقات الناس ومواطن انتفاعهم، لما يترتب على ذلك من أذى وقذارة وانتشار للأمراض. وهذا التوجيه النبوي يُعدُّ أصلًا من أصول المحافظة على البيئة وحماية المرافق العامة من التلوث.
3- مبدأ إماطة الأذى ونظافة البيئة:
وتتويجًا لذلك، جعل الإسلام إزالة الأذى عملًا صالحًا يُثاب عليه المرء، فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، دلَّني على عملٍ أنتفعُ به، قال: «اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ». فإذا كانت إماطة الأذى صدقة، فإن وضع الأذى وإلقاءه جريمةٌ يُحاسب عليها.
ثالثًا: مبدأ الاستخلاف وخطورة الإفساد الشامل
إن هذا كله يندرج تحت مبدأٍ كليٍّ عظيم، هو مبدأ الحلال والحرام؛ فالحرام يتضمن كل ما من شأنه أن يضر بالبيئة ويدمر استقرارها ويفسد نظامها الذي أوجده الله لتحقيق مصالح العباد.
وقد قرر القرآن هذا المبدأ منذ أول لحظة للاستخلاف، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30].
ومن بلاغة النظم القرآني أنه قدَّم ذكر الإفساد في الأرض على سفك الدماء؛ تنبيهًا إلى خطورة الإفساد وآثاره البالغة، وإشارةً إلى أن من اعتاد الإفساد والاستخفاف بحقوق الخلق والكون هان عليه الاعتداء على الأنفس. فالإفساد البيئي لونٌ من ألوان الهلاك العام، قد يكون ضرره أوسع نطاقًا من القتل الفردي؛ فالقتل يُزهق روحًا أو أرواحًا معدودة، أما تلويث البيئة وإفساد عناصر الحياة فإنه يعرِّض الآلاف، بل الملايين، للموت البطيء نتيجة ما ينشأ عنه من أمراض مزمنة وأوبئة فتاكة، وما يلحق بالإنسان والحيوان والنبات من أضرار جسيمة.
ولهذا دعا القرآن الكريم أصحاب العقول والبصائر إلى التأمل في نظام الكون وإحكام صنع الله تعالى، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190].
فإذا خرج الناس عن منهج الله في إعمار الأرض، وأساءوا استخدام ما سخره لهم من النعم، وعبثوا بالنظم التي أقامها الخالق الحكيم، حلت بهم العقوبات، وربما أصابهم الله بما لم يرجوه منه.
فالإصلاح في الأرض هو صمام الأمان من الهلاك، وحماية البيئة هي في صميم هذا الإصلاح.































