بقلم: د. نورا عبد الفضيل
رئيس قسم فتاوى النساء بمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
يُعدّ غرسُ حبّ التعلّم في نفوس الأطفال من أعظم الاستثمارات التربوية التي يُقدِم عليها الآباءُ لأبنائهم؛ فالتعليم ليس مجرّد تحصيلٍ للدرجات أو اجتيازٍ للامتحانات، بل هو وسيلةٌ لبناء الشخصية، وتنمية القدرات، واكتشاف العالم من حولنا. وعندما ينشأ الطفلُ محبًّا للمعرفة، فإنه لا يتعلّم لأنه مُجبَر، بل لأنه يرى في العلم متعةً وفائدةً ورسالةً تستحقّ السعي إليها.
وتبدأ رحلةُ حبّ التعلّم من المنزل قبل أن تبدأ في مقاعد الدراسة؛ فالطفل بطبيعته فضوليٌّ، كثيرُ الأسئلة، شغوفٌ بالاكتشاف. وهنا يأتي دورُ الوالدين في احتضان هذا الفضول وتشجيعه. فبدلًا من التهرّب من أسئلته المتكررة، يمكن تحويلُ كلّ سؤال إلى فرصةٍ للحوار والتفكير. فعندما يسأل الطفل: «لماذا تمطر السماء؟» أو «كيف تطير الطائرة؟»، فإننا لا نجيب فحسب، بل نُشاركه رحلةَ البحث عن الإجابة، فيشعر أن المعرفة مغامرةٌ جميلة وليست واجبًا ثقيلًا.
ومن أهم الوسائل لغرس حبّ التعلّم أن نكون قدوةً حسنةً لأبنائنا؛ فالطفل يراقب أكثر مما يسمع. وعندما يرى والديه يقرآن كتابًا، أو يبحثان عن معلومةٍ جديدة، أو يتحدثان بشغفٍ عمّا تعلّماه، فإنه يُدرك أن التعلّم قيمةٌ حقيقية في الحياة. فالقدوة الصامتة كثيرًا ما تكون أبلغَ أثرًا من النصائح المباشرة.
كما أن ربطَ التعلّم بالمتعة يجعل الطفل أكثر إقبالًا عليه، ويمكن تحقيق ذلك بوسائل بسيطة من واقع الحياة اليومية؛ كقراءة قصةٍ قبل النوم، أو إجراء تجربةٍ علميةٍ بسيطة في المنزل، أو تعليم العدّ أثناء التسوّق، أو زراعة نبتةٍ صغيرة ومتابعة نموّها يومًا بعد يوم. فالطفل يتعلّم بصورةٍ أفضل عندما يعيش المعرفة ويختبرها بنفسه.
ولا يقلّ التشجيعُ أهميةً عن كل ما سبق؛ فالإفراط في المقارنات بين الأطفال أو التركيز على الدرجات وحدها قد يخلق النفورَ من الدراسة، بينما يُسهم الثناء على الجهد المبذول في بناء الثقة بالنفس وتعزيز الرغبة في الاستمرار. فالطفل الذي يسمع كلماتٍ مثل: «أنا فخور بمحاولتك» أو «أعجبني اجتهادك» يشعر بأن التعلّم رحلةُ نموٍّ وتطوّر، لا اختبارًا دائمًا للنجاح أو الفشل.
ومن أجمل ما يُعيننا على غرس حبّ التعلّم في نفوس أبنائنا أن نربطهم بقيم ديننا الحنيف وسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام؛ فقد رفع الإسلامُ مكانةَ العلم منذ اللحظات الأولى لرسالته، وليس من قبيل المصادفة أن تكون أول كلمةٍ نزلت من القرآن الكريم هي: ﴿اقْرَأْ﴾، في إشارةٍ عظيمة إلى أن بناء الأمم يبدأ بالعلم والمعرفة.
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُولي تعليمَ الأطفال عنايةً خاصة، ويخاطب عقولَهم بما يناسب أعمارهم. ومن أروع الأمثلة على ذلك حديثُه مع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو غلامٌ صغير، حيث قال له: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات…»، ثم علّمه معانيَ عظيمة في الإيمان والتوكل على الله. وهذا الموقف يعلّمنا أن أبناءنا قادرون على الفهم والتعلّم متى ما تحدثنا إليهم باهتمامٍ وثقةٍ واحترام.
كما يجسّد عبدُ الله بن عباس رضي الله عنهما نموذجًا رائعًا للشغف بالعلم؛ فقد كان يذهب إلى كبار الصحابة ويتحمّل الحرَّ والتعبَ ليسألهم عن حديثٍ أو مسألة، حتى أصبح من كبار علماء الأمة وترجمان القرآن. وتعلّمنا قصتُه أن العلم لا يُنال بالراحة، بل بالصبر والاجتهاد وحبّ المعرفة.
ومن النماذج المضيئة كذلك زيدُ بن ثابت رضي الله عنه، الذي طلب منه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يتعلّم لغة اليهود، فاجتهد حتى أتقنها في فترةٍ وجيزة، وأصبح من كتّاب الوحي. وهذه القصة تبعث رسالةً مهمة لأبنائنا مفادها أن اكتساب المهارات واللغات والمعارف الجديدة يفتح أبوابَ المسؤولية والتميّز وخدمة المجتمع.
وفي حياتنا اليومية يمكن أن نستثمر هذه المعاني بسهولة؛ فعندما يقرأ الطفل قصةً جديدة، أو يحفظ سورةً من القرآن، أو ينجح في تعلّم مهارةٍ ما، يمكن أن نذكر له كيف كان الصحابة يفرحون بالعلم ويسعون إليه، وأن كلّ معرفةٍ نافعةٍ يتعلّمها هي خطوةٌ تقرّبه من النجاح في الدنيا والأجر في الآخرة.
ولا ننسى أهمية توفير بيئةٍ منزليةٍ تشجّع على التعلّم، من خلال تخصيص مكانٍ هادئ للقراءة والدراسة، وتنظيم الوقت، وتوفير الكتب والوسائل المناسبة لعمر الطفل، والأهم من ذلك كله إشعارُه بأن أسرته تؤمن بقدراته وتسانده في رحلة تعلّمه.
وختامًا.. فإن حبّ التعلّم لا يُفرض بالأوامر ولا يُبنى بالخوف، بل يُزرع بالمحبة والقدوة والتشجيع. وعندما نجعل التعلّم تجربةً ممتعة، ونربطه بقيم ديننا وسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فإننا لا نُنشئ أبناءً متفوقين دراسيًّا فحسب، بل نبني جيلًا يؤمن بأن العلم رسالة، وأن المعرفة عبادة، وأن التعلّم رحلةٌ مباركة تستمرّ طوال العمر.































