بقلم الشيخ /احمد ربيع الأزهري
من علماء الأزهر ووزارة الأوقاف
تحويل القبلة مِن أهم الأحداث في تاريخ الرسالة المحمدية؛ لما فيه من دروس وعبرَ يحسنُ بالعقلِ المفكر في الأمة أن يُعيد قراءتَها كُلما حَلَّت بالأمةِ نازلةٌ أو أحاطت بها الخطوبُ ليستخرجَ منها فقهَ نجاةٍ وسفينةَ عبورٍ مِن المحنِ إلى المنح، ومن الضيقِ إلى الفرج، ومن الألم إلى الأمل.
والمتأملُ في هذا الحدثِ الفارق يجد أن أهمَّ دروسِه المستفادة تدور في فلكِ خصائص الأمة الإسلامية عقيدة وشريعة وتزكية، وسوف يظهر ذلك جليًا من خلال عرضنا لهذه الدروسِ مع ربطها بواقعِ الأمة المأزوم، وهذه الدروس نجملها في عشر دروس نذكرها تفصيلا :
1- شمولُ الرسالة المحمدية:
من خصائص الدينِ الإسلامي وشريعته الغراء الشمولُ، فجمعُ القبلتين للأمةِ الإسلامية فيه دلالةٌ على شمولها لكل رسالة التوحيد، فقبلة بيت المقدس هي قبلة كلِّ ولدِ إسحاق، وقبلةُ البيت الحرام هي قبلةُ ولدِ إسماعيل، لذلك اقتضت الحكمةُ الإلهية في ليلةِ الإسراء والمعراج أن يُصلي النبيُّ إمامًا بجميع الأنبياء من آدمَ إلى عيسى عليهم جميعًا من اللهِ السلام، ويأخذَ منهم الميثاق ليدل دلالةً قاطعة على شمولِ هذه الرسالةِ وكونِها الخاتمة، لذلك كان التوجهُ للقبلتين تأكيدا لهذا المقصدِ، ورسالةً للأمةِ المحمدية لتقومَ بواجب وقتها في كلِّ زمان ومكان تجاه هذه الرسالةِ الخالدة والتي تُعدُّ آخرَ إرسالِ السماء لأهلِ الأرض.
2- وسطيةُ الأمةِ وشهودها الحضاريّ:
من أهمِّ الدروس المستفادة من حادثِ تحويل القبلة التأكيدُ على وسطيةِ الأمة المحمدية، ومن المعلوم أن الوسطيةَ من خصائصِ الشريعة الإسلامية، لذلك وجدنا الإمامَ ابن كثير عند تفسيره لآياتِ تحويل القبلة يقول: “وقوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)[البقرة: 143]: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيمَ -عليه السلام- واخترناها لكم لنجعلكم خيارَ الأممِ؛ لتكونوا يوم القيامة شُهداء على الأمم؛ لأن الجميع مُعترفون لكم بالفضل. والوسط هاهنا : الخيار والأجود، .. ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصَّها بأكملِ الشرائع وأقومِ المناهجِ وأوضحِ المذاهبِ.”
كما أنها تدلل على أن الأمةَ المشهودَ لها بالخيار والفضل سوف تكون شاهدةً على الأممِ يومَ القيامة، وهذا يبعث برسالةٍ إلينا أن نجعل لأمتنا شهودا حضاريا على جميع الأمم بتقدمنا العلمي والمعرفي بل والقيمي والأخلاقي، ونتحول بواقعنا المأزومِ من مرحلةِ التوقفِ الحضاري إلى الاستئناف الحضاري ثم الريادةِ الحضارية، وبذلك نكون قد وَسَّعْنَا فقهَ التحولِ مِن ناحيةٍ جمعنا بين شهودِنا الحضاري في الدنيا وشهودِنا على الأممِ يومَ القيامة.
3- التفردُ والتميز للأمةِ المحمديةِ:
لقد خصَّ اللهُ الأمةَ الإسلامية بخصائصَ جعلتها خيرَ أمةٍ؛ يقول تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[آل عمران:110]، وهذه الخيريةُ مَبْنىً ومَعْنَى شرعًا وقِيما وفضائلَ تجعلها متفردةً، لذلك جمع اللهُ لها القبلتين، وهذه ميزة لم تُعطَ لأمةٍ من الأمم، وأيضا لم يجعلْ لأحدٍ عليها فضلاً، فإذا كانت الأممُ من قبلنا توجهت لبيتِ المقدس فقد توجهنا إليها ثم انفردنا بقبلةِ إبراهيمَ وإسماعيلَ؛ لتكون الأمةُ قد تفردت وتميزت على كلِّ رسالاتِ ولدِ إبراهيم، وتدلل أيضا على أن أمةَ محمدٍ هي الوارثة للحنيفيةِ السمحة التي جاء بها إبراهيم بعدما ضلَّ عنها مَن ضَلَّ وانحرف عنها مَنْ انحرف.
4- التنخيل والغربلة:
من الدروس المستفادة من حادثِ تحويل القبلة، ما يُمكن أن نسميه “فقه الغربلة” ويُقصد به الاختبارُ والتمحيص وتمييزُ الطيبِ من الخبيثِ وقويِّ الإيمانِ مِن ضعيفه، وتأصيله في قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}[المؤمنون:115] وقوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}[القيامة:36] وقوله تعالى: {لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}[الأنفال:37]، فكما هو معلومٌ أن المنخل والغربال من الأدواتِ التي يُفصل بها بين الجيدِ والرديء وبين ما هو غث وثمين، وفقهُ الغربلةِ تطبيقُه العملي في السيرةِ النبوية كان بدايةً في مكةَ بحادثِ الإسراء والمعراج حيث ثبت وصدق قويُ الإيمان ونكسَ على عقبيه إلى الكفرِ مرة أخرى ضعيفُ الإيمان، وكأن الشارعَ الحكيمَ لا يُريد أن يُهاجر إلى المدينةِ غيرُ قوي الإيمان وليس ضعفيُه؛ لعظيمِ ما سوف يقع على كاهلِهم مِن مَهَام جسامٍ وأفعال عظامٍ، وعندما هاجر المهاجرون إلى المدينة وكثر الحابل بالنابل كما يُقال، حيث القبائلُ اليهوديةُ – قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة – والأوس والخزرج، وما فيهم من أهلِ الصدقِ والإيمان، وأيضا أهلِ النفاقِ والبهتانِ، فكان من المهم أن يُغرْبَلَ هؤلاء ويُنخلون؛ فكان حادثُ تحويل القبلة؛ حتى يبقى الخُلّصُ مِن أهل الإيمان ويرتد أهلُ النفاق، يقول تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}[البقرة:143]، وهذا ما حَدَث؛ فكانت الغربلةُ التي أخرجت خُلاصةَ الخلاصةِ الذين اطلع اللهُ على قلوبهم، فتحويلُ القبلةِ كان في شعبان في العامِ الثاني من الهجرة؛ أي قبلَ غزوة بدر بأيام، وكأن الغربلة التي حدثت بتحويلِ القبلة هي التي انتخبت أهلَ بدر الذين قال عنهم صلى الله عليه وسلم: “لَعَلَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ اطَّلَعَ علَى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ”[رواه البخاري].
وهذه الغربلةُ والتنخيلُ والاختبارُ هي ما تحتاجه الأمةُ الآن لتميزَ رجالَها وتنخل عقولَها النيرةَ حتى تُعيدَ شتاتَها وتجمعَ كلمتَها وتنفث عنها الكيرَ والخبثَ حتى نقوى على مكرِ الأعداء وتحزبهم علينا؛ عسانا أن نحمي الثغورَ ونردَّ عنها الطامعين والغازين.
5- تصحيح القبلة وتعظيم المنهج:
من المعلوم أن الصورةَ الذهنيةَ للبيت الحرام والكعبة في ذاكرةِ العربي الحجرُ المقدسُ مقرونًا بالصنمِ والوثن، فإذا تذكر صورةَ الكعبة فلابد أن تأتي صورةُ الحجرِ مقرونةً بالصنمِ، فأراد ربنا – والله أعلم – أن يُخلِّصَ صورةَ الكعبة عمَّا حولها مِن الأوثان؛ فكان التوجهُ أولاً ناحيةَ بيتِ المقدس؛ لتكون القبلةُ لله وحده، فإذا حولت القبلةُ إلى البيتِ الحرام تكون حينئذ القبلةُ خالصةً لله عزوجل، فإذا تأملنا القبلةَ المحول إليها وهي الكعبة وجدناها على شكلِ مكعب على الرغم بأنها محلُّ الطوافِ، والطواف بلا شَكَّ حولَ الدائرةِ أسهل، والحكمةُ مِن ذلك أن الطوافَ يكون حول ربٍّ وبيتٍ ومنهج، والمناهج تكون واضحةَ الأضلاعِ والأركان فناسب أن تكون الكعبةُ مُكعبةً وليست دائرةً؛ لأن الدوائرَ مائعةٌ لا يُدرى طرفيها، بينما أضلاعُ الكعبة واضحةٌ: ركنُ الحجر والركنُ اليماني والركنُ العراقي والركنُ الشامي، هذا يُقبل ويُستلم، وهذا يُستلم ولا يُقبل، وهذا لا يُقبل ولا يُستلم، ومن هنا نُدرك أن تحويل القبلةِ فيه تصحيحٌ للقبلةِ بكونها تَكمُنُ في صِدقِ التوجهِ إلى الله والسير على منهاجه بغضِّ النظرِ هل هي المسجد الأقصى أم البيت الحرام، {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيم}[البقرة:115] وهذا ما أدركه سلفُنا الصالح؛ فعن عبد الرحمنِ بن الحارثِ المخزومي، قال: اشتدَّ وجعُ سعيدِ بنِ المسيب، فدخل عليه نافعُ بنُ جبير يَعُودُهُ، فأُغمى عليه، فقال نافع: وجهوه إلى القبلةِ. ففعلوا، فأفاق، فقال: مَن أمركم أن تُحوِّلوا فراشي إلى القبلة، أنافعٌ؟ قال: نعم. قال له سعيد: لئن لم أكن على القبلةِ والملة والله لا ينفعني توجيهُكم فراشي. [سير أعلام النبلاء:4/245]. وعلى ذلك فمن أهمِّ الدروسِ المستفادة من تحويلِ القبلة تصحيحُ القبلةِ وتعظيمُ المناهج كما أسلفنا.
ويُستفاد من هذا الدرس في واقعنا المعيش أنَّ الأمة تُدرك فقهَ التحولِ من العشوائية إلى المنهجيةِ، وأن نُقرن مع فقهِ التوجه فقهَ التوجيهِ، وفقهُ التوجيه: أخذٌ بالأسبابِ وعمل متقن لتحصيلِ وسائلِ النجاةِ ، والتوجهُ مُناجاة لعونِ ربِّ العبادِ.
6- ربط القبلة الأولى بالثانية برباطٍ ديني وعقدي لا ينفك:
فكونُ المسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثالثَ الحرمين وثالثَ ثلاثة لا تُشدُّ الرحال إلا إليها ومسرى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وبدايةَ معراجهِ وموضعَ إمامتِه بالأنبياء جعله جزءًا من عقيدةِ المسلمين، وأن خط الدفاع الأول عن البيتِ الحرام يكمن في الحفاظِ على المسجدِ الأقصى، وحتى تظلَّ قضيةُ القدسِ والأقصى هي قضية المسلمين الأولى رغم اختلافِ العقود والقرون، وأنه سوف تأتي لحظاتٌ ولحظاتٌ في تاريخِ المسلمين تكون الحربُ من أجلِه فاجعلوها حربًا عقديةً بل ووجودية .. ولعلَّ ما نراه الآن في واقع أمتنا وما يُحاك لأرضِ الإسراء وقبلة المسلمين الأولى لخير دليل على ذلك..، لذلك كان التوجهُ ناحيةَ المسجدِ الأقصى ثم التحولُ منه إلى البيت الحرام من أجلِ هذا المقصد.
7- جبرُ خاطرِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- وبيانُ مقامه:
من أهم ما يُستفاد من هذه الرحلةِ “فقهُ جبر الخواطر”، فربُّ العزةِ سبحانه وتعالى جبرَ خاطرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحويلِ الرسولِ للقبلةِ التي يرضاها ويقلبُ وجهه نحوَها، يقول تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}[البقرة:144]، وهذا العطاءُ فيه بيانٌ لمقامِ النبيِّ عند ربه ومحبةِ اللهِ له، وأن الله يُسارع في هواه وإكرامه؛ فقد ورد عن عائشةَ أمِّ المؤمنين أنها قالت: “كُنْتُ أغَارُ علَى اللَّاتي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأَقُولُ: أتَهَبُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا؟! فَلَمَّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (تُرْجِئُ مَن تَشَاءُ منهنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فلا جُنَاحَ عَلَيْكَ) [الأحزاب: 51]، قُلتُ: ما أُرَى رَبَّكَ إلَّا يُسَارِعُ في هَوَاكَ!” [صحيح البخاري]، ولعلَّ هذا العطاءُ أيضا استجابةً لدعاءِ الرسولِ في صلاتِه والذي كان يطلب من الله الجبرَ؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما: “أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم كان يقولُ بين السَّجدتينِ: اللهمَّ اغفِرْ لي وارحَمْنِي واجْبُرْني واهْدِني وارْزُقُني.” [سنن الترمذي].
وكأن شهرَ شعبان هو شهرُ جبرِ خاطرِ حضرةِ النبي الله صلى الله عليه وسلم، ففيه حُولت القبلةُ له، وفيه نزل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب:56]، وصلاةُ الله على النبيِّ رحمةٌ وفرج ورِفعةُ مقامٍ وقدرٍ. وكأن الرسالة لنا ونحن نعيش في شدةٍ وحاجة أن يجبر بعضُنا بخاطرِ بعض، وأن نلتفتَ إلى الفقراءِ واليتامى والمرضى وذوي الحاجات، جاعلين هذا الدرسَ المستفادَ مِن تحويلِ القبلة دافعًا لنا لجبرِ الخواطرِ، عسىى اللهُ أن يجبرَ خواطرَنا كما جبر خاطرَ حبيبه -صلى الله عليه وسلم-.
8- البرهانُ على إثباتِ رسالةِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- ونبوته:
فقد أعلم اللهُ سبحانه وتعالى نبيه بما سيقوله اليهود عندما يُحول القبلةَ مِن بيتِ المقدس إلى بيتِ الله الحرام -الكعبة-، قبل وقوعِ الأمرِ بالتحويل، فقال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]، فقد قال اليهودُ بما أخبر القرآن به قبل أن يقولوه، مِمَّا يُدَلِّلُ على صدقِ القرآنِ وثبوتِ نبوةِ النبي صلى الله عليه وسلم، وسُبحان الله تعالى لو أراد اليهودُ تكذيبَ القرآنِ لسكتوا وما قالوا ما قالوه، لكن القرآنَ كلامُ اللهِ العليم الخبير الحكيم، وهذا الفعل من اليهودِ يُشبه أيضًا ما كان من شأنِ أبي لهب الذي قال عنه ربنا: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَب * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَب}[المسد:1-3]، فتخيَّلْ لو أنَّ أبا لهبٍ أعلن إسلامَه نِفاقًا لقالَ الناسُ: كيف يَصلى نارًا وقد أسلم؟! لكنه القرآنُ الكريم الذي “فيه نبأُ ما قبلَكم، وخبرُ ما بعدَكم، وحُكْمُ ما بينَكم، و هو حَبْلُ اللهِ المتينُ، وهو الصراطُ المستقيمُ، وهو قَوْلٌ فَصْلٌ، ليس بالهَزْلِ.” [أخرجه الترمذي وأحمد]. وعليه: كان قولُ السفاءِ بما أخبر اللهُ به عنهم كائنًا للعيان تأكيدًا وبُرهانا على صحةِ وإثبات نبوةِ سيدِ الأنام صلى الله عليه وسلم.
9- فقهُ الانقيادِ وصناعةُ مجتمعِ الصدق:
من الدروس المستفادة من تحويلِ القبلة هذه الصورةُ الفريدة التي رَسَمَت مجتمعَ الصحابةِ الأخيار، مجتمعَ الصدق الذي جعل بعضَهم وهو يُصلى يتحول من قبلةٍ نوى معها الصلاةَ إلى قبلةٍ أخرى في نفسِ الصلاة عندما سمع صوتَ مسلمٍ واحد يُخبرهم بأنَّ القبلةَ قد حُوِّلت، فعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم، صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلَّاهَا صَلاَةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ. [رواه البخاري]، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، قَالَ: “بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ.” [رواه البخاري]، فدلَّ هذا الفعلُ على أنَّ هذا المجتمعَ مجتمعٌ لا يعرفُ الكذبَ، مجتمعُ صدقٍ كعالمِ النملِ، فنملةٌ واحدةٌ وقفت على ثغرِ قومِها تُحذرهم من جيشِ سليمانَ، فقالت: {يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون}[النمل:18]، فلكونهم مجتمعَ صدقٍ نفذوا أمرَها فنجوا مِن الهلاك، كذلك كان مجتمعُ النبوة مجتمعَ صدقٍ فكانت النجاةُ لهم والعزةُ لهم والنصر لهم.
وهذا الدرس رسالةٌ لنا بأن نعودَ إلى دوحةِ ربنا ننقاد لشرعهِ وننفذ أوامرَه ونستسلم لحكمِه وأن نكون صادقين مع ربنا ومع أنفسِنا ومع بعضنا البعض حتى نحوزَ من اللهِ المعية والرضوان والفوز والنجاة من النيران.
10- زيادةُ مكةَ والبيتِ الحرامِ تشريفًا وتعظيمًا:
من الدروس المستفادة من تحويلِ القبلة من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام، زيادةُ التشريفِ والتعظيم لمكة والبيتِ الحرام، فبالإضافةِ لفضائلِ مكةَ من كونها البلدَ الحرام وأمَّ القرى ومهبطَ الوحيِّ والأرضَ التي احتضنت إسماعيلَ وهاجرَ عليهما السلام وكانت محلًا لميلادِ ونشأةِ سيد الأنامِ أراد ربُّنَا عظيمَ تشريفٍ بأنْ رَدَّ القبلةَ إليها كما كانت في عهدِ إبراهيم لتظلَّ هذه البقعةُ وهذا البيتُ القبلةَ الدائمةَ للحنيفية السمحة؛ حيث كانت البدايةُ مع إبراهيمَ وإسماعيلَ وتستمر مع أمةِ سيدِ العالمين سيدِنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم. وفي التشريف والتعظيم رسالةٌ لنا أن نحفظ لهذا البيتِ حرمتَه فلا نُحوله خلفيةً لفيديوهات [TikTok]، وصورًا لـ [Nstagram]، وبثًا مباشرًا على مواقع التواصل المختلفة كما يفعل الكثيرُ من المعتمرين والزائرين، عظِّمُوا حرمةَ البيتِ الحرام والذي خصَّه الله بقبلةِ الإسلام وزاده تشريفا وتعظيما، ولنا في رسولِ اللهِ قدوةٌ حسنةٌ؛ فقد “كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم إذا رأى البيتَ رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا، وتكريمًا ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًا.” [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]. ومن الممكن أن نقول أن زيادة تشريف البيت بتحويل القبلة إليه استجابة لهذا الدعاء الشريف.