بقلم د. حنان شبانة
أستاذ مساعد بجامعة تبوك سابقآ
قال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) (الذاريات: 22). تحمل هذه الآية وعدا إلهيا يغذي الأرواح، ويذكر الإنسان بأن مصدر رزقه وحاجاته كلها بيد الله (سبحانه وتعالى). وانسجاما مع هذا المعنى العميق، تأتي التكنولوجيا التي أعادت تشكيل تفاصيل حياتنا اليومية كأداة محتملة لتعميق ارتباطنا بالله، ليس فقط في أمور الدنيا، بل أيضا في أوقات العبادة الروحية.
وفي ظل تسارع وتيرة الحياة وتشابك الابتكارات الرقمية مع عاداتنا اليومية، يبرز شهر شعبان كفرصة لإعادة ترتيب الأولويات والعودة إلى جوهر الروحانية. هذا الشهر، الذي وصفه النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله:” ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين” ( رواه النسائي) يحمل في طياته دعوة صريحة للتأمل وتجديد النيات.
فشهر شعبان ليس مجرد محطة عابرة على مدار العام، بل هو نافذة فريدة لتهيئة النفس وشحن الروح استعدادا لاستقبال شهر رمضان المبارك. ويزخر هذا الشهر بفضائل عظيمة، مثل: رفع الأعمال إلى الله والإكثار من العبادة، مما يجعله فرصة مثالية للتقرب إليه. ومع التطورات التكنولوجية الحديثة، يبرز سؤال مهم: كيف يمكننا الاستفادة من هذه الأدوات المبتكرة لتعزيز رحلتنا الروحية – خلال هذا الشهر- الكريم دون أن نفقد جوهر العبادة وروحانيتها الأصيلة؟ في عالم أصبحت فيه التطبيقات الذكية جزءا لا يتجزأ من حياتنا، نجد أدوات تدعمنا في تنظيم أوقات الصلاة، وتذكرنا بالأذكار، وحتى حضور المحاضرات الدينية من أي مكان.
كما أن التكنولوجيا، إذا أحسن استخدامها، يمكن أن تكون وسيلة فعالة لربطنا بجوهر العبادة، مما ينسجم مع رؤية أحد المفكرين العظماء الذي قال:” الإيمان لا يمكن أن يكون معلقا بين الماضي والحاضر، بل هو قوة تفتح آفاقا للمستقبل”.
ولكن يبقى السؤال: هل يمكن أن تكون التكنولوجيا عونا حقيقيا في رحلتنا الروحية؟ أم أنها قد تتحول إلى عائق إذا أسيء استخدامها؟
الإجابة على هذا السؤال تتطلب تفكيرا عميقا في كيفية تحقيق التوازن بين الارتباط الروحي والانخراط في العصر الرقمي. ومن خلال هذا التوازن، يلتقي القديم بالجديد، وتتعانق القيم مع الابتكار.
فشهر شعبان يعد بوابة عبور إلى حالة روحية أعمق، حيث كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يكثر من الصيام والعبادة فيه، مما يبرز أهمية الاستعداد القلبي والروحي. من خلال هذا الإطار، توفر التكنولوجيا أدوات مذهلة، مثل: التطبيقات التي تنظم أوقات الصلاة، وتذكر بالعبادات، وتساعدنا على متابعة أهدافنا الروحية وسط انشغالات الحياة.
كما أن منصات البث المباشر أضحت نافذة تمكننا من حضور دروس ومحاضرات دينية تثري معرفتنا، في حين يمكن لتقنيات مثل: الواقع الافتراضي أن تحدث تجربة جديدة تماما، تعمق إحساسنا بالمقدس وتزيد ارتباطنا بتعاليم ديننا.
فالتكنولوجيا ليست مجرد أداة؛ بل هي وسيط قادر على تعميق الروحانية إذا استخدمت بحكمة.
فوسائل التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، أصبحت منصات لنشر محتوى ديني ملهم، سواء عبر مقاطع الفيديو القصيرة أو الرسائل التحفيزية التي تعزز من الوعي الروحي. علاوة على ذلك، يسهم المؤثرون الدينيون في إيصال القيم الإسلامية بأساليب حديثة تجذب الأجيال الشابة، مما يجعل من المنصات الرقمية بيئة مشجعة على العبادة والتأمل.
وعلى الرغم من هذه الفوائد، ينبغي أن نكون واعين لتحديات العصر الرقمي.
فالإدمان على استخدام الأجهزة والتطبيقات قد يضعف قدرتنا على التركيز في العبادة، مما يستوجب علينا التزاما حقيقيا بتحقيق الغاية الأساسية من هذه الأدوات. وهذا التوازن يبدأ بفهم عميق لمعاني العبادة، كما قال الله تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)، وكما ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم):” أحب الأعمال أدومها إلى الله وإن قل” (رواه البخاري).
كما تذكرنا هذه النصوص بأن العبادة ليست بكثرتها فقط، بل باستمراريتها وإخلاص النية فيها. فالتكنولوجيا الحديثة، إذا استغلت بحكمة، يمكن أن تكون أداة فعالة لتعزيز الروحانيات، وكما قيل: “ما يهم حقا ليس مقدار الوقت الذي تقضيه، بل الكيفية التي تستخدم بها هذا الوقت في تحقيق غاياتك الأسمى”.
ختاما، فإن شهر شعبان يعد فرصة ذهبية لبناء عادات روحية مستدامة تستمر معنا خلال رمضان وما بعده لنستثمر في أدوات العصر الحديث لتعزيز ارتباطنا بالله. فالخطوات البسيطة مثل: الالتزام بدعاء يومي، أو المشاركة في درس ديني عبر منصات البث المباشر، قادرة على تحقيق فرق كبير في حياتنا الروحية.
فالسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: كيف نحول حياتنا الرقمية إلى منصة تقربنا من الله وتغني أرواحنا، بديلا عن أن تكون عبئا يثقلها؟
بهذا التفكير والتخطيط، يمكننا أن نجعل كل لحظة فرصة للتقرب إلى الله، مستلهمين من النبي (صلى الله عليه وسلم) نهجه في العبادة وروحانيته العميقة.