أصبحت ظاهرة المراهنات الإلكترونيّة والقمار عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أخطر الظواهر التي تهدّد الأجيال الصاعدة في مجتمعنا، ومع تحوّل هذه المنصّات إلى ما يشبه صالات قمار مفتوحة على مدار الساعة، تزداد احتماليّة وقوع الأفراد في دوّامة من الخسائر الماليّة والاضطرابات النفسيّة، فضلًا عن التبعات الأخلاقيّة والاجتماعيّة الوخيمة كما تتولّد لدى المستخدمين قناعات مغلوطة تتمحور حول الحظّ والربح غير المشروع، فتنتقل هذه الأفكار بسرعة عبر منصّات التواصل الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، تكتسب التوعية بخطورة هذه الظاهرة أهميّة قصوى، تستدعي تكاتف الجهود على المستويين الأسريّ والمؤسّسيّ، لوضع حلولٍ ناجعة تصون شبابنا وتحميهم من الانسياق وراء إغراءات الربح السريع والاثارة الزائفة.
وتُعَدُّ المراهنات الالكترونية والقمار عبر مواقع التواصل الاجتماعي من الأمور التي حرَّمها الإسلام بوضوح، إذ جاء في القرآن الكريم تحذيرٌ شديد من هذه الممارسة في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ” (المائدة: 90)، والـمَيْسِر هو القمار بجميع صوره؛ لما يزرعه من أحقادٍ ويؤدّي إليه من غبنٍ وظلمٍ وأكلٍ لأموال الناس بالباطل. فما بالك حين يصبح هذا الميسر في متناول الأجيال الناشئة التي لم يتكوّن وعيها الديني والاجتماعي بعد!
ويترتّب على انخراط الشباب في القمار زرع قيمٍ مادية منحرفة؛ فتصبح فكرة “الربح السريع بلا جهد” مغرية ومبرِّرة لأيّ وسيلةٍ، حتى ولو كانت محرّمة. وهذا قد يؤدّي إلى انتشار ثقافة التواكل والانفلات، ويفتح أبوابًا أمام مشاكل أسريّة واجتماعيّة لا حصر لها، إذ قد يندفع الشابّ إلى اقتراض الأموال أو التورّط في ديونٍ أو مشاكل قانونيّة.
وقد يسبّب القمار لدى البعض الإدمان واضطرابات القلق والاكتئاب، ويؤدّي إلى تدهور العلاقات الشخصيّة وارتفاع الضغوط النفسيّة؛ نتيجة التقلّبات الحادّة بين الربح والخسارة.
غياب الوعي الديني
وفي ظلّ غياب الوعي الدينيّ عند بعض الشباب، تصبح الممارسات اللا أخلاقيّة– ومنها المراهنات– سهلة الانتشار. وتزيد هذه الظاهرة من خطر تسلّل عاداتٍ خاطئة، مثل الغشّ والتحايل، ما قد ينعكس سلبًا على سلوك الطلبة في المؤسّسات التعليميّة. من هنا تتأكّد أهميّة دور المعلّمين والمربّين في مؤسّسات التعليم المختلفة في توعية الطلاب بخطورة هذه السلوكيات، وبناء شخصيّتهم على أساسٍ قيميّ سليم.
والكسب المتكرِّر في نهايته خسارة: أي وَهْم المراهنات والقمار، فقوانين الاحتمالات في صالح المُراهِن وليس اللاعب، لما يلي:
- تقوم جميع أنظمة القمار والمراهنات على احتمالات رياضية محسوبة بدقَّة لصالح الجهة المنظِّمة، سواء كانت شركة مراهنات أو كازينو أو منصَّة إلكترونية.
- حتى إن ربح اللاعب مرّة أو عدّة مرّات، فإن النظام مُصمَّم لجعله يخسر في النهاية، حيث يتم تحفيزه على مواصلة اللعب حتى يعود كل ما كسبه إلى المنظِّمين. فالإدمان والطمع يزيدان الخسائر.
- عند تحقيق ربح، يندفع اللاعب لإعادة الرهان أملًا في كسب المزيد، مما يُدخله في دوامة مراهنات متواصلة.
- حتى إن بدأ بخسارة صغيرة، فإنه يحاول تعويضها بالمزيد من المراهنات، ما يجعله يخسر أكثر ويقع في ما يُعرف بـ”متلازمة المطاردة” (Chasing Losses)، حيث يواصل اللعب لتعويض الخسائر دون وعي.
هذا فضلاً عن الاستنزاف المالي التدريجي.
- فقد لا يدرك اللاعب مدى الخسارة إلا بعد فوات الأوان، حيث يتم استنزاف أمواله بشكل تدريجي.
- حتى مع بعض المكاسب الصغيرة، فإن الخسائر المتراكمة تتجاوز الأرباح على المدى الطويل، مما يؤدي إلى مشاكل مالية تصل أحيانًا إلى الديون والإفلاس.
فتكون النهاية المحتومة: فقدان المال والندم:
- مهما طال زمن اللعب، فإن اللاعب العادي سيخسر دائمًا أكثر مما يكسب، وهذه حقيقة مدروسة في جميع دراسات المقامرة.
- عند التوقف، يدرك اللاعب أنه فقد أموالًا كان يمكن استثمارها في شيء مفيد، لكنه يقع حينها في دائرة الندم والخيبة، وقد يحاول مجدَّدًا لتعويض خسائره، مما يزيد الأمر سوءًا.
العواقب الشرعيّة
أما العواقب الشرعيّة، فهي ما يلي:
o التحريم القطعي “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ”
o أكل أموال الناس بالباطل: تؤدّي المراهنة إلى أخذ المال من الآخرين بغير وجه حقّ، وهو ما حرّمه الإسلام بشدّة لما فيه من ظلم وغُبْنٍ للناس.
o زرع العداوة والبغضاء: ينشأ عن القمار في كثير من الأحيان خلافاتٌ ومشاحناتٌ تؤدّي إلى التنازع والعداوة، وقد حذَّر الإسلام من كلّ ما يهدِّد تماسك المجتمع.
o الإضرار بالأُسَرِ: قد يقع بعض الأفراد في دوّامة من الديون نتيجة الخسارة المتتالية، فينعكس ذلك على استقرار الأسرة وقُدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسيّة.
الحملات التثقيفيّة
ولذا، فيجب على المؤسّسات الدينيّة والإعلاميّة والتعليميّة تكثيف الحملات التثقيفيّة لبيان خطورة القمار وأضراره، مع توجيه الشباب إلى البدائل المفيدة وتنمية مهاراتهم الحياتيّة.
وعلى الجهات المعنيّة وضع ضوابط وتشريعات صارمة لمنع أو تقييد مثل هذه المواقع والتطبيقات، وملاحقة من يروِّجون لها، حفاظًا على أمن المجتمع واستقراره.
وإصدار قوانين وتشريعات واضحة تُجَرِّم الممارسات غير القانونية للمراهنات الإلكترونية، مع فرض عقوبات رادعة على الجهات المخالِفة.
إغلاق المواقع المخالِفة من خلال حظرها إلكترونيًا، والتنسيق مع شركات الاتصالات والجهات الأمنية لمتابعة تطوّر المنصّات غير المشروعة ومنع وصولها إلى المستخدِمين.
حملات تليفزيونية وإذاعية وعلى منصّات التواصل الاجتماعي لتوضيح مخاطر المراهنات الإلكترونية، سواء من الجانب المالي أو الاجتماعي أو النفسي.
عقد ورش تدريبية للطلاب توضّح أساليب الاحتيال على الإنترنت، وأثر الإدمان على المقامرة الإلكترونية، وسبل الوقاية منها.
حثِّ المؤثِّرين في وسائل التواصل الاجتماعي، والخطباء في دُور العبادة، والخبراء النفسيين على توصيل الرسائل التحذيرية بشكل مُبَسَّط للجمهور.
تخصيص خطوط هاتفية أو منصّات إلكترونية لتقديم الاستشارات والدعم النفسي والاجتماعي للأشخاص المتضرِّرين من إدمان المراهنات.