تأتي الأعياد بعد مواسم العبادات الشاقّة، فتأتي بعد الحج، وتأتي بعد رمضان، فترتاح الأجسام وتبتهج النفوس ويتواصل الناس وتقوى الروابط الاجتماعية، ويفعل كل إنسان ما يروِّح عن نفسه ويجعله أكثر سعادة، ثم يمضي العيد وتبقى فرحة أخرى هي فرحة الزاد الذي خرجنا به من رمضان، وانتوينا ألا نفارقه رغم أننا فارقنا رمضان ذاته، فينظر كل منا في حقيبته ماذا حمل فيها من أعمال رمضان؟ وقرر ان يستمر عليها طوال العام؟ فقد يجد نفسه قد اصطحب: قيام الليل فقد اعتاده في رمضان وشعر أن في الخلوة مع الله راحة وشحن طاقة جديدة أو اصطحب القرآن فلن يتنازل عن وِرْدِه القرآني بعد اليوم، الصيام الطويل أشعره بصحة أفضل في ظل الاعتدال والعلاقة الصحية بالطعام فقرّر الانتظام على صيام الاثنين والخميس وإحياء سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو استطاع الإقلاع عن التدخين خلال رمضان فبقى محافظاً على هذا الانتصار أو الحاضنة الإيمانيّة، فقد تعوَّد طوال رمضان أن يكون ضمن صُحبة في صلاة التراويح وفي صلاة التهجّد فقرّر ألا يفْلِتها بل يظلّ محتميا بها لتعينه على الطاعة والالتزام وتمسح عنه الكسل. أو تنظيم الوقت الذي يتميّز به رمضان، فأنت وسط الناس في أوقات معيّنة وبمفردك في أوقات معيّنة محدودة، كذلك أوقات معينة للعبادات ووقت محدّد للعمل وتحاول أن تخلِق وسط كل ذلك وقتا للعمل الصالح فتخرج من ذلك أكثر قُدرة على استثمار الوقت والجهد. أو سلوكيات جديدة، فقد ظللت شهرا كاملا تضبط لسانك وتغض بصرك خوفا من فساد الصوم، فاستمر ذلك السلوك المحمود. أو تلك النفس التي جاهدتها ولم تعجز أمامها وشغلتها بالحق فقرّرت ألا تتّبع هواها ثانية. أو صلة الرحم، فرمضان يأتي بفرص عظيمة للتواصل مع الأقارب فتشعر بدفء العائلة فتقرّر ألا تحرم نفسك تلك اللقاءات الدافئة الآمنة طوال العام. أو الإكثار من الطاعات، كنا في رمضان نتقلّب بين أنواع الطاعات، صلاة وقرآن وذِكر وتهجّد وإطعام الطعام وزكاة وصدقات فرأينا السعادة في الاستمرار فيها. أو ثمرة رمضان الكبرى، تقوى الله فبَعد ثلاثين يوما من الصبر على ترْك المباحات تخرج بثقة كبيرة على أنك تستطيع فعل الكثير فتترك المعاصي وتستطيع ذلك وتلتزم أوامر الله.
والآن ماذا في حقيبتك من كل هذه الخيرات والتي قرّرت أن تحتفظ بها بعد رمضان أعاده الله علينا جميعا بالخير واليمن والبركة أعوامًا وأعوام؟!