بقلم :د/ محمد صالح عوض
من علماء الأزهر والأوقاف
“[email protected]”
هل لك في مناسبة تستدرك فيها ما فات من عمرك؟ هل لك في ساعات تُضاعف فيها الأعمال بالمئات والآلاف؟ هل لك في أمسية تصافحك فيها الملائكة، وسيدهم جبريل عليه السلام؟ يُسلِّمون عليك، ويُؤمنَّون على دعائك؟ هل لك في لحظات إن وافقتها أخرجتك من ذنوبك التي قدمتها؟ هل لك في ليلة لا تُدرك قدرها العقول، ولا تفي بوصفها الألسنة؟
إنها ليلة القدر! . «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟» .. «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ».
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).
روي عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: (إن الله قد اطلع على الساعات فاختار منها ساعات أوقات الصلاة، وابتلى الأيام فاختار منها يوم الجمعة، واختبر الشهور فاختار منها شهر رمضان، ونظر إلى الليالي فاختار منها ليلة القدر؛ فهي أفضل ليلة، في أفضل شهر).
وهي ليلة مباركة لأن الله جعل العبادة فيها خيرًا من ألف شهر مما كانت الأمم السابقة تتعبد فيها، وهي مدة تُقدر بعمر رجل عمَّر ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر في طاعة الله، طاعة متواصلة.
قال بعض أهل العلم: إنها خير من الدهر؛ لأن العرب تذكر الألف كغاية في العدد.
والقدر الذي أضيفت إليه الليلة بمعنى الشرف والعظمة، مأخوذ من قولهم: لفلان قدر عند فلان، أي: له منزلة رفيعة، وشرف عظيم، فسميت بذلك؛ لعظم قدرها، وسمو شرفها؛ إذ هى الليلة التي نزل فيها قرآن ذو قدر، بواسطة ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، لأجل إكرام أمة ذات قدر.
هذه الأمة يزداد قدرها وثوابها عند الله إذا ما أحيوا تلك الليلة بالعبادات، والطاعات.
ومعنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها، من قوله تعالى: (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)، وقيل: سميت بذلك، لعظمها وشرفها على سائر الليالي. ( وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) يعنى: ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علو قدرها، ثم بين ذلك بأنها خير من ألف شهر، وسبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من المصالح الدينية التي ذكرها:
من تنزل الملائكة والروح، وفصل كل أمر حكيم، وذكر في تخصيص هذه المدّة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بنى إسرائيل حمل السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون من ذلك، وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة هي خير من مدّة ذلك الغازي.
وقيل: إنّ الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله ألف شهر، فأعطوا تلك الليلة.
– وفي تسميتها بذلك خمسة أقوال:
– أحدها: أن القَدْرَ: العظمةُ، من قولك: لفلان قَدْر، ومنه قوله عزّ وجلّ: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) . والثاني: أنه من الضيق، أي: هي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون، ومنه قوله: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) .
– والثالث: أنّ القدر: الحكم كأن الأشياء تُقدّر فيها.
– والرابع: من لم يكن له قَدْر صار بمراعاتها ذَا قَدْر. والخامس: لأنه نزل فيها كتاب ذُو قَدر، وتنزل فيها رحمة ذات قَدْر، وملائكةٌ ذوُو قَدْر.
قوله عزّ وجلّ: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ).
قال مجاهد: قيامها ، والعمل فيها خير من قيام ألف شهر وصيامها ليس فيها ليلة القدر. فهي خير من ألف شهر في فضلها الزماني الذي جعله الله لها، وفي فضلها بما يجريه الله من خير عظيم، وبما يُفيض فيها من الرحمات على عباده، وبما فيها من فضل الدعاء والعبادة، وبما يضاعف الله فيها على عباده من أجور على الأعمال الصالحة التي يؤدونها فيها، وبما يقضي الله فيها من إجابة الدعاء.
فمن عبد الله فيها ، وذكره، ودعاه، وفعل خيرًا، أو تمني خيرًا ، وسجد له والتجأ إليه ؛ كان له من الثواب والأجر العظيم والبركات الجسام عند الله ما هو خير له من أعمال صالحات يعملها في أيام وليالي كثيرات تبلغ لو جمعت ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
فإذا كان الشهر ثلاثين يومًا؛ كانت ليلة القدر خيرًا من ثلاثين ألف من الأيام الأخرى، وألف شهر تعادل ثلاثًا وثمانين سنة، وثلث السنة، وهذا عمرُ قلَّ من الناس من يبلغه؛ فكيف بمن يعبد الله فيه؟!
فمن أحيا هذا الليلة بالعبادات، والطاعات، والقربات، والذكر والصلاة والدعاء، وقراءة القرآن، والتضرع والابتهال، كتب الله له من الأجر، وحط عنه من الوزر، كما لو عبد الله وتضرع إليه طوال عمرٍ فيه من الأيام ثلاثون ألفًا!
“حكم إحياء تلك الليلة:”
إن حكمة إحياء ليلة القدر بالعبادة هو تذكر نعمة الله علينا بإنزال القرآن الكريم فيها، هدى للناس إلى ما فيه خيرهم في دنياهم وآخراهم، وقد احتفل الله بها وكرمها، ومن واجبنا-معاشر المسلمين- أن نقدر هذه الليلة حق قدرها، ونحييها ، ونتقرب فيها إلى الله بصالح الأعمال.
وينال ذلك الثواب من نوى إحياء تلك الليلة، وحالت بينه الحوائل، والموانع والشواغل التي لا دخل لها فيها، كمريض طريح الفراش، وكالحائض والنفساء، وأصحاب الأعذار الشرعية؛ فإنهم ينالون ثواب تلك الليلة، قياسًا على حديث:(إنما الأعمال بالبينات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وأن (العبرة بمن صدق، لا بمن سبق) وعلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أصحاب الأعذار الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بعذر، فقال في حقهم «لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ، وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ، إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: «حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».
قال جرير، قلت للضحاك: أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنائم، لهم نصيب في ليلة القدر؟ قال نعم: كل من يقبل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر.
ومن شق عليه طول القيام أن يتخير ما ورد في قراءته كثرة الثواب؛ كآية الكرسي، وأواخر البقرة، وسورة الإخلاص، ويكثر من الاستغفار، والصدقة، وقد ورد أن من صلى المغرب والعشاء في جماعة في تلك الليلة؛ فقد أخذ بحظ وافر من ليلة القدر. وورد أن من صلي العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، فإذا صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله.
وأما عن تعيين تلك الليلة، وأي ليلة تكون؛ فإنها في العشر الأواخر من رمضان، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر).
قال ابن حجر: وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافًا كثيرًا، وتحصل من مذاهبهم في ذلك أكثر من خمسة وأربعين قولًا. ثم قال مُعقبًا: ( وأرجح تلك الآراء أنها في الوتر من العشر الأواخر، وأنها تنتقل كما يفهم من الأحاديث الواردة في هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين).
فقد روى مسلم وأصحاب السنن أن زرَّ بن حبيش سأل أُبي بن كعب عنها، فحلف لا يستثني أنها ليلة السابع والعشرين.
وعن ابن عباس قال: دعا عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر، فقال ابن عباس: قلت لعمر، إني لأعلم وأظن أي ليلة هي، قال عمر: أي ليلة هي؟ فقلت: سابعة تمضي، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر. فقال: من أين علمت ذلك؟ فقلت: خلق الله سبع سموات، وسبع أراضين، وسبعة أيام، والإنسان خلق من سبع، ويسجد على سبع، والطواف سبع.. وأشياء ذكرها.. فقال عمر : لقد فطنت لأمر ما فطنا له.
ومن اللطائف القرآنية التي يستأنس بها في هذا المقام أن عدد كلمات سورة القدر (ثلاثون كلمة) على عدد أيام الشهر، وكلمة: (هي) في السورة ذاتها ترتيبها رقم (27)، وهي إشارة لمن قال بأن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين.
ومما يستأنس به أيضًا أن عبارة (ليلة القدر) عدد حروفها يساوي (تسع) وهي مكررة في السورة نفسها ثلاث مرات، فحاصل ضرب تسع في ثلاث يساوي سبعًا وعشرين!، وهي إشارة أخرى إلى ليلة السابع والعشرين عند من تبنى هذا الرأي ورجحه.
وهذا قول اجتهادي لا يعتمد فيه على نص موقوف على رسول الله .
علامات تلك الليلة:
ولتلك الليلة أمارات وعلامات، ومعظمها لا يكون إلا بعد مُضي تلك الليلة، ومن ذلك:
1-عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلة القدر ليلة سمحة، طلقة ، لا حارة، ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء) صحيح الجامع: (5457).
2-أن الشمس صبيحتها لا شعاع لها، فعن أبي بن كعب قال، أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صبيحة ليلة القدر تطلع الشمس لا شعاع لها مثل الطست حتى ترتفع) صحيح مسلم: (638).
3-ليلة منيرة بلجةُ، فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ليلة القدر، ليلة بلجة، ولا حارة ولا باردة، ولا يُرمى فيها بنجم) صحيح الجامع: (2754).
4-القمر فيها شِق جفنة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أيكم يذكر ليلة طلع القمر وهي مثل شق جفنة) صحيح مسلم: (762). وشق جفنة كناية عن أن ليلة القدر في أواخر الشهر.
وليست ليلة القدر-كما يزعم البعض-كوكبًا يُضئ، أو جائزة مادية يتلقفها صاحب الحظ، وإنما ليلة القدر، ليلة مباركة ذات مكانة جليلة، ينبغي على المسلم أن يقيمها بسائر أنواع العبادات، ولا ما نع من ظهور بعض العلامات الدالة عليها.
وقيل: إن المطلع على تلك الليلة يرى كل شئ ساجدًا، وقيل: يرى الأنوار ساطعة في كل مكان؛ حتى في المواضع المظلمة، وقيل: يسمع سلامًا أو خطابًا من الملائكة، وقيل: من علاماتها استجابة دعاء من وُفِّقَ لها.
والراجح من أقوال العلماء في تحديد ليلة القدر أنها في أوتار العشر الأواخر، وأنها لا تكون في ليلة محددة بعينها منها، وهو ما اختاره الإمام ابن حجر.
– وأما الحكمة في إخفائها ليجتهد الناس في العبادة في ليالي رمضان طَمَعاً منهم في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة، وساعة الإجابة في الليل، وكما أخفى اسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وكما أخفى الصلاة الوسطى، وكما أخفى الوليّ في الناس.
وأما عن الدعاء الوارد في تلك الليلة فهو سؤال الله العفو والعافية، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله ، أرأيت إن علمت أي ليلة، ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني).
وفي هذا الدعاء سر عظيم؛ إذ العَفُو هو المتجاوز عن سيئات عباده، الماحي لآثارها عنهم، وهو يحب العفو، فيعفو عن عباده، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويمحو آثارها عنهم.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنا نسألك اجتهادًا في العبادة، واندفاعًا في الطاعة، وإخلاصًا في النية، ونقاءً في الطوية، ونسألك يا ربنا العافية من كل داء، والنجاة من كل بلاء، والاستجابة لكل دعاء، يا رب العالمين.